الأدبسرديات

استبدال

لم يعرفْ كيف خرج من السوق ينتَهِبُ الطريقَ نَهْبًا، متلفّتًا وراءه بين الفَينة والفَينة في جَزَعٍ كبير. شعر بأنّ عربتَه المزيّنة تتآمر عليه بثقلها الذي يكاد يقطع أنفاسه، وبصرير عجلاتها الذي يوشك أن يشيَ به. وللمرّة الأولى شعر تجاهها بالمَقتِ. توقّف عن دفعها، وجمع ما تناثر فوقها من مصوغاتٍ في صُرّة، ثم مدّ يده إلى القلادة يُخرجها من مخبئها، ويلفّها في ثوبه، ويحملها بين يديه بحرصٍ يكاد يكون عشقًا. ترك العربة عند قارعة الطريق، وانطلق راكضًا لا يلوي على شيء.

وحين بلغ غرفتَه المتهالكة، أغلق الباب، وأسند إليه ظهره لحظةً يُصغي إلى وقع خطواتٍ لم تكن هناك. ثم تهاوى بالقلادة إلى أريكته القديمة، يجاهد أنفاسه المتلاحقة؛ ينظر إليها تارةً كأنّه يريد التهامها، وإلى الباب تارةً أخرى خائفًا يترقّب.

أخرجت اعتمادُ صندوقَ المجوهرات المزركش الذي ورثته عن جدّتها الثريّة، وأخذت تقلّب ما فيه بحثًا عمّا تتزيّن به في حفلة عيد ميلادها. اعتادت أن تقيم الحفل باذخًا، وأن تدعو إليه كثيرًا ممّن يعرفون كيف يُشبعون شهيّتها للمديح، ويتبارون في إقناعها بأنّ الزمان لم يلد مثلها ذوقًا وجمالًا.
أخرجت قلادةً عتيقة، ووضعتها على جيدها، ثم تأمّلتها في المرآة ببعض امتعاض. نادت خادمتها من غير أن تُشيح عن صورتها: ما رأيك؟

التقطت الخادمةُ الموقفَ بمكرها، وأسمعت سيّدتها ما أرادت أن تسمع. أشادت بجمالها أولًا، ثم رثت في لطفٍ مدروس لقلادةٍ عفا عليها الزمن، لا تليق بفتاةٍ عصرية مثلها، ولا تفعل إلا أن تربط عنقها بذوق امرأةٍ ماتت قبل أن تفهم هذا العصر. واقترحت عليها أن تخرج بصحبتها إلى السوق، فتستبدل بها قلادةً حديثةً تُشبهها، وتُبعد عنها هذا الشعور بالتبعيّة والاختناق. مرّرت اعتماد أصابعها على القلادة مرةً أخرى. كان ثقلها عند عنقها يبدو فجأةً أثقل ممّا ينبغي، كأنّ يد جدّتها ما زالت تمسك بها من خلف الموت.

هدأت أنفاسُه قليلًا، فمدّ يده الواجفة نحو القلادة، لا يكاد يصدّق أنّها أمامه حقًّا. كان جمالُها أخّاذًا، وبريقها يَسحر الألباب. قلبها بين يديه، وأخذ يتأمّل بشغفٍ تلك النفائس التي تزيد جِرمها الصقيل بهاءً وهيبة. كانت من أجمل ما رأى في حياته، وأثمن ما امتلكت يداه، فابتسم لها أخيرًا، وتمنّى في سرّه أن تكون له دون منازع، فتغيّر حياته كلّها، وتمسح عن كاهله عناءً لازمه منذ دفعته أمّه إلى الدنيا فقيرًا.

لم يكن يعرف تاريخها، ولا اليد التي صاغتها، ولا الأعناق التي حملتها قبله. ولم يكن ذلك يعنيه. كان يعرف وزن الذهب، ويعرف كيف يعضّه ليمتحن خلوصه، وكيف يرفع الحجر إلى الضوء ليميّز الصادق من الزائف. وكان كلّ شيءٍ فيها صادقًا.

لم تُحبّ اعتمادُ جدّتَها يومًا. رأتها امرأةً متسلّطةً لا تُراعي اختلاف عصرها، ولا تلتمس لطيشها عذرًا. كانت تمقت صرامتها وجدّيتها في تنشئتها تنشئةً محافظةً على التقاليد والقيم، لتكون امتدادًا طبيعيًّا للسلالة والحضارة التي نهض عليها البيت. وكان أشدّ ما يزعجها انتقادُ الجدّة لسطحيّتها، وعزوفها عن كلّ ما يمثّل قيمةً أو يحتاج إلى جهد. لم تجد في نفسها قبولًا لنصحها القاسي كلّما آثرت المديح على الحمد، والهزل على الجدّ، والقشرة على اللباب.
كانت الجدّة تردّد: قيمة الإنسان في محتوى ذاته، لا في كثرة ماله، ولا في عظيم سطوته، ولا في مديحٍ رخيص يكيله مُغرضٌ أو مُخاتل.

فتستمع اعتماد إلى الكلام كما يُستمع إلى لغةٍ قديمةٍ لم يعد لها أهل. ولم يكن أصعب عليها من قرار جدّتها تسريحَ الخادمة التي ارتاحت إليها، بعد أن أدركت أنّها تُغويها بالمديح، وتُخذّلها عن كلّ نصح، وتزيّن لها ضعفها حتى تراه فضيلة. لم تجد اعتمادُ مخرجًا من سلطة جدّتها إلا أن تتمنّى لها الموت عاجلًا غير آجل. وماتت الجدّة.

وكان أوّل ما فعلته اعتماد أن أعادت خادمتها الأثيرة. ثم لم تلبث أن استجابت لمقترحاتها؛ فباعت القصر الجميل القائم على قمّة التلّة المشرفة على المدينة لرجلٍ غريب، حوّله بعد ذلك إلى متحفٍ لمقتنياتٍ لا تمتّ إلى البيت ولا إلى تاريخه بصلة. أمّا المال، فتوزّع شيئًا فشيئًا بين الفنادق والشاليهات، وحفلات الأنس الصاخبة، وكلّ ما يمنحها لحظةً من الانبهار، ثم يترك في قلبها فراغًا أوسع.

دخلت اعتماد السوق بصحبة خادمتها، فلم تشعر بالاختناق الذي كان يثقلها كلّما دخلت المعرض الفاخر الذي اعتادت جدّتها أن تصحبها إليه. كانت تضيق هناك بالهدوء الرصين، وبالتعامل المهيب، وبالتناول الدقيق لكلّ ما يُعرض. وكانت تكره أن يسألها البائع العارف عن مناسبة الثوب، أو عن تناسق الجواهر، أو أن يصوّب اختيارها حين تؤثر ما يلمع على ما ينفع، وما يلفت على ما يليق. أمّا السوق، فكان رحبًا بصخبه وفوضاه. تتزاحم فيه الألوان، وتتصايح الأصوات، وتختلط الروائح، ولا يسأل أحدٌ الشيءَ عن أصله ما دام يبرق.

توقّفت أمام عربةٍ صغيرة غطّتها المصوغات الملوّنة. كان صاحبها ينادي على بضاعته، ويُقسم أنّها أحدث ما وصل إلى السوق، وأنّ كلّ قطعةٍ منها لا تُشبه أختها. أخرجت اعتماد قلادة جدّتها، وناولتها إيّاه. أمسك الرجلُ بها، فقلبها بين يديه وقد أذهله ثقلها ودقّة صنعها. كانت من ذهبٍ خالص، زيّنتها فصوصٌ من عقيقٍ وزمرّد، تتوسّطها ماسةٌ كبيرة ذات نقشٍ فريد.

حاول أن يُخفي اضطراب يده. سألته اعتماد، أو «مودي» كما أحبّت أن تُنادى، أن تستبدل بها بعض ما يعرضه على عربته. رفع رأسه إليها غير مصدّق فهزّ رأسه موافقًا كالأبله، بينما انحنت هي تنتقي من بين المصوغات الصينية قلائدَ صيغت من معدن رخيص مطليّ، وزُيّنت بلآلئ مصنّعة وأحجارٍ زجاجية صبغتها ألوانٌ برّاقة. شدّها اختلافُ الأشكال وبريقُهَا الظاهر. جرّبت قلادةً، ثم أخرى، والخادمة تقف خلفها تُطلق عبارات الإعجاب في الوقت المناسب.

أمّا البائع، فقد أدرك سريعًا ما تريده. قال إنّها لا تحتاج إلى حُلِيٍّ يزيدها جمالًا، فهي التي تُزيّن الحليّ، وإنّ ذوقها أرفع من أن يُقيَّد بالموروث العتيق، وإنّ القطع التي اختارتها لم تكن لتبدو بمثل هذا البهاء على امرأةٍ غيرها. أشرق وجهها. وقدّمت إليه قلادة جدّتها راضيةً، فدسّها تحت بضاعته، ثم أضاف إلى ما اختارت قُرطًا وسوارين هديّةً منه، كأنّه هو الذي يتفضّل عليها. شكرته اعتماد بسرور، ومضت خلف خادمتها تحمل غنيمتها.

في تلك الليلة، كانت اعتماد تتوسّط حفلها، وقد ازدحمت حول عنقها ومعصميها ألوانٌ كثيرة. أحاط بها المدعوّون يثنون على ذوقها المتجدّد، وعلى جرأتها في التحرّر من الأشكال القديمة. وكانت الخادمة تقف قريبًا، تصغي إلى المديح الذي صنعته، وتبتسم. وحين سألها أحدهم عن قلادة جدّتها النادرة، ضحكت اعتماد، وقالت إنّها تخلّصت أخيرًا من ذلك العبء القديم. تعالت كلمات الإعجاب.

وفي غرفةٍ متهالكةٍ عند طرف المدينة، كان البائع قد أوقد مصباحًا ضعيفًا، وأخرج القلادة من ثوبه، ووضعها أمامه فوق قطعة قماش. لم تكن في الغرفة مرآةٌ كبيرة، ولا شموعٌ معطّرة، ولا أحدٌ يصفّق. لكنّ الماسة القديمة ظلّت تلمع في العتمة بثبات، فيما كانت حُلِيُّ اعتماد تحت أضواء الحفل تحتاج إلى كل تلك المصابيح لتنعكس على قشرة صقيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى