الشعر

صداق المعالي

صِدَاقُ المَعَالِي صِدْقُ مَا فِي الضَّمَائِرِ = وَسُقْيَا الليَالِي مِنْ مَآقِي المُثَابِرِ
وَعَزْمَةُ ذِي هَمٍّ وَإِدْرَاكُ عَارِفٍ = وَرُؤْيَةُ أَبْصَارٍ وَرُؤْيَا بَصَائِرِ
يَقُومُ لَهَا المِقْدَامُ مِنْ غَيرِ فَتْرَةٍ = وَيَسْعَى إِلَيهَا قَبْلَ سَعْيِ الخَوَاطِرِ
فَيعْرُكُهَا بِالفَهْمِ وَالحِلْمِ وَالتُّقَى = وَيُدْرِكُهَا بِالعَزْمِ فِي مَتْنِ شَاكِرِ
وَمَا الفَخْرُ إِلا فِي النُّهَى قَبْلَ جَهْلِهَا = وَنَدْبِ العَطَايَا قَبْل نَشْبِ الأَظَافِرِ
وَلًوْ بَاتَ ذُو هَدْيٍ سَوَاءً وَذُو هَوَى = لَسَاوَى البَرَايَا بَينَ بَرٍّ وَفَاجِرِ
وَقَدْ يَسْتَوِي فِي الوُدِّ قَوْمٌ وَإْنَّمَا = أَوَائِلُ مَنْ يَلْقَاكَ غَيرُ الأَوَاخِرِ
وَلَيسَ الذِي بِالقَوْدِ يَغِلِبُ دَهْرَهُ = كَمِثلِ المُسَجَّى بِالجُدُودِ العَوَاثِرِ
وَإِنَّ لأَهْلِ الفَضْلِ فِي النَّفْسِ حُظْوَةً = تَفُوقُ بِهِمْ بَينَ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ
وَلَكِنَّ مُوسَى فَاقَ فِي القَدْرِ غَيْرَهُ = كَمَا فَاقَ زَهْرٌ فِي الغُصُونِ النَّوَاضِرِ
يُعَدُّ مِنَ الأَقْرَانِ أَوَّلَ أَوَّلٍ = إِذَا عُدَّ أَهْلُ الفَضْلِ عِنْدَ المَفَاخِرِ
كَرِيمٌ وَإِنْ فِي الكَفِّ إِلا كَفَافُهُ = حَلِيمٌ وَإِنْ فِي العَفْوِ إِغْراءُ غَادِرِ
سَمَا مُشْمَخِرًّا لِلعُلا غَيرَ عَاذِلٍ = وَغَيرَ مُقِلٍّ جُهْدَهُ غَيرَ عَاذِرِ
مُكِبًّا عَلَى الآدَابِ يَنْأَى عَنِ السُّهَى = إِلَى فَرْقَدٍ فِي الأُفْقِ فَوْتَ النَّوَاظِرِ
يُبَادِرُ لا يَرْضَى مِنِ الصَوتِ بِالصَّدَى = وَلا يُدْرِكُ العَلْياءَ مَنْ لَم يُبادِر
تَرَاهُ إِلَى الإٍبْداَعِ أَحْصَفَ نَاقِدٍ = وَعَنْهُ إِلَى الإِمْتَاعِ أَنْصَفَ نَاثِرِ
وَكَمْ حَائِزٍ عِلْمًا عَلَى ظَهْرِ رِقْعَةٍ = وَقِيمَتُهُ فِي الصَّدْرِ لا فِي الدَّفَاتِرِ
وَلَكِنَّهُ البَحْرُ الخِضَمُّ لِطَالِبٍ = صَقِيلَ اللآلِي أَو نَفِيسَ الجَوَاهِرِ
يَجُودُ عَلَى الطُّلابِ مِنْ فَيضِ عِلْمِهِ = وَيَشْرَحُ مَا يُفْضِي بِحِرْفَةِ مَاهِرِ
وَإِنَّ لِسَانَ الحَمْدِ يَسْعَى بِذِكْرِهِ = وَيَسْرِي كَنَشْرِ المِسْكِ فَوقَ المَنَابِرِ
وَإِذْ غَرَّدَ الجَوَّالُ يُزْجِي بِشَارَةً = بدَتْ فِي عُيُونِ الوُدِّ خَيرَ البَشَائِرِ
تَقُولُ هُوَ الأُسْتَاذُ فِي النَّقْدِ قُلْتُ بَلْ = هُوَ السَّيِّدُ الأُسْتَاذُ فَذُّ النَّظَائِرِ
هَنِيئًا لأَهْلِ العِلْمِ مَا أَنْتَ فِيهُمُ = فَإِنَّكَ يَا مُوسَى مِدَادُ المَحَابِرِ
وَإِنَّكَ بَدْرُ الدَّهْرِ يَنْبُوعُ نَهْرِهِ = جَدِيرٌ جَلِيلُ القَدْرِ وَابْنُ الأَكَابِرِ
خَلَعْتَ بِطَوْدِ النَّقْدِ نَعْلَيكَ مُبْدِعًا = تَرَى بَاطِنَ الأَشْعَارِ قَبْلَ الظَوَاهِرِ
وَحُزْتَ عَصَا مُوسَى تَهُشُّ عَلَى النُّهَى = إِلَى حَيث نُبْلِ القَصْدِ نَيْلِ المَآثِرِ
وَمَا زِلْتَ مَا أَلْقَاكَ بُسْتَانَ بَهْجَةٍ = طَلِيقَ المُحَيَّا أَلْمَعِيَّ النَّوَادِرِ
كَأّنَّ عَذَارَى المَجْدِ شَاءَتْكَ رَبَّهَا = تَوَضَّأُ كَي تَرْضَى بِطُهْرِ السَّرَائِرِ
لَهَا فِي رَوَابِي الشَّامِ فِي مِصْرَ نَفْحَةٌ = وَيَسْرِي شَذَاهَا فِي رُبُوعِ الجَزَائِرِ
وَمَا يَجْتَبِي ذُو الرَّأْيِ إِلا نَظِيرَهُ = وَمَا يَجْتَنِي إِلا لَطِيفَ المَعَاشِرِ
لَكَ الوُدُّ يَا مُوسَى عَصَرْتُ سُلافَهُ = وَذَلكَ حَمْدُ القَلْبِ لا مَدْحُ شَاعِرِ
وَبَاتَتْ لَنَا بَينَ السُّويدِ وَغَزَّةٍ = تَبَارِيحُ مُشْتَاقٍ وَدَمْعَةُ حَائِرِ
وَكُنْتُ بِكُمْ وَاللهِ وَدَّعْتُ وَحْشَتِي = وَكُنْتُ بِكُمْ وَاللهِ قَرَّتْ مَشَاعِرِي
وَإِنِّي وَإِنْ فَارَقْتُ قَسْرًا لَحَافِظٌ = وَجَاعِلُ هَذَا الوُدِّ خَيرَ ذَخَائِرِي
صداق المعالي صدق ما في الضمائر = وسقيا الليالي من مآقي المثابر
وعزمة ذي هم وإدراك عارف = ورؤية أبصار ورؤيا بصائر
يقوم لها المقدام من غير فترة = ويسعى إليها قبل سعي الخواطر
فيعركها بالفهم والحلم والتقى = ويدركها بالعزم في متن شاكر
وما الفخر إلا في النهى قبل جهلها = وندب العطايا قبل نشب الأظافر
ولو بات ذو هدي سواء وذو هوى = لساوى البرايا بين بر وفاجر
وقد يستوي في الود قوم وإنما = أوائل من يلقاك غير الأواخر
وليس الذي بالقود يغلب دهره = كمثل المسجى بالجدود العواثر
وإن لأهل الفضل في النفس حظوة = تفوق بهم بين النجوم الزواهر
ولكن موسى فاق في القدر غيره = كما فاق زهر في الغصون النواضر
يعد من الأقران أول أول = إذا عد أهل الفضل عند المفاخر
كريم وإن في الكف إلا كفافه = حليم وإن في العفو إغراء غادر
سما مشمخرا للعلا غير عاذل = وغير مقل جهده غير عاذر
مكبا على الآداب ينأى عن السهى = إلى فرقد في الأفق فوت النواظر
يبادر لا يرضى من الصوت بالصدى = ولا يدرك العلياء من لم يبادر
تراه إلى الإبداع أحصف ناقد = وعنه إلى الإمتاع أنصف ناثر
وكم حائز علما على ظهر رقعة = وقيمته في الصدر لا في الدفاتر
ولكنه البحر الخضم لطالب = صقيل اللآلي أو نفيس الجواهر
يجود على الطلاب من فيض علمه = ويشرح ما يفضي بحرفة ماهر
وإن لسان الحمد يسعى بذكره = ويسري كنشر المسك فوق المنابر
وإذ غرد الجوال يزجي بشارة = بدت في عيون الود خير البشائر
تقول هو الأستاذ في النقد قلت بل = هو السيد الأستاذ فذ النظائر
هنيئا لأهل العلم ما أنت فيهم = فإنك يا موسى مداد المحابر
وإنك بدر الدهر ينبوع نهره = جدير جليل القدر وابن الأكابر
خلعت بطود النقد نعليك مبدعا = ترى باطن الأشعار قبل الظواهر
وحزت عصا موسى تهش على النهى = إلى حيث نبل القصد نيل المآثر
وما زلت ما ألقاك بستان بهجة = طليق المحيا ألمعي النوادر
كأن عذارى المجد شاءتك ربها = توضأ كي ترضى بطهر السرائر
لها في روابي الشام في مصر نفحة = ويسري شذاها في ربوع الجزائر
وما يجتبي ذو الرأي إلا نظيره = وما يجتني إلا لطيف المعاشر
لك الود يا موسى عصرت سلافه = وذلك حمد القلب لا مدح شاعر
وباتت لنا بين السويد وغزة = تباريح مشتاق ودمعة حائر
وكنت بكم والله ودعت وحشتي = وكنت بكم والله قرت مشاعري
وإني وإن فارقت قسرا لحافظ = وجاعل هذا الود خير ذخائري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى