الشعر

عرين الهدى

أَشَدُّ البَلَايَا طَعْنُ قِسٍّ لِرَاهِبِ = وَرَشْقُ الحَنَايَا مِنْ سِهَامِ التَّرَائِبِ
وَنُجْعَةُ ذِي وُدٍّ وَعَهْدٍ لِنَاكِثٍ = وَدَمْعَةُ مَفْجُوعٍ بِغَدْرِ الأَقَارِبِ
تَنَحَّتْ بِكَ الأَيَّامُ يَا قَلْبُ فِي الوَرَى = وَأَنْحَى عَلَيْكَ الدَّهْرُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
يُجَرِّعُكَ الأَقْدَاحَ مِنْ حَنْظَلِ الأَذَى = وَيَسْقِي لَكَ الأَتْرَاحَ مِنْ كَأْسِ وَاصِبِ
بِنَجْوَى عَدُوٍّ أَجْفَلَ الحِقْدُ صِدْقَهُ = وَبَلْوَى تَجَنِّي صَاحِبٍ تِلْوَ صَاحِبِ
وَنِقْمَةِ مَوْتُورٍ يَرَى الحَقَّ فِي الهَوَى = وَنَعْرَةِ مَسْرُورٍ بِأَدْنَى المَنَاصِبِ
يُسَارِعُ فِيكَ العَذْلُ مِنْ طَعْنِ حَاقِدٍ = وَيَصْدِفُ عَنْكَ العَدْلُ مِنْ لَحْنِ كَاذِبِ
وَيَسْلُوكَ مَنْ أَحْبَبْتَ فِي اللَّهِ مُخْلِصًا = وَيَتْبَعُ آثَارَ الحَسُودِ المُجَانِبِ
أَصَابُوكَ حَتَّى أَنْزَفُوكَ بِجَوْرِهِمْ = وَمَا زِلْتَ رَبَّ الفَضْلِ يَا ابْنَ النَّوَائِبِ
تَرُدُّ لِسَانَ القَدْحِ عَنْ كُلِّ فَاسِقٍ = وَتُبْدِي عُيُونَ الصَّفْحِ عَنْ كُلِّ تَائِبِ
وَتَحْلُمُ عَنْ جَهْلٍ وَإِنَّكَ قَادِرٌ = وَتَحْمِلُ عَنْ أَهْلٍ عَظِيمَ المَصَائِبِ
وَمَا أَنْتَ بِالجَافِي وِدَادَ أَحِبَّةٍ = وَلَا أَنْتَ بِالسَّالِي فِرَاقَ المَضَارِبِ
وَلَكِنْ طِلَابُ المَجْدِ خَيْرٌ مِنَ الجَوَى = عَلَى هَجْرِ أَوْطَانٍ وَدَمْعِ حَبَائِبِ
أَعِينِي عَلَى الأَحْزَانِ يَا نَفْسُ إِنَّنِي = أُغَالِبُ بِالصَّبْرِ الَّذِي هُوَ غَالِبِي
وَلَا تَشْتَكِي حَرْبَ اللَّيَالِي فَإِنَّمَا = حِرَابُ اللَّيَالِي هَذَّبَتْ بِالتَّجَارِبِ
وَلَا تَقْنَطِي، فَخْرُ النُّفُوسِ بِمَا ارْتَقَتْ = وَمِنْهَا اللَّوَاتِي فَخْرُهَا فِي المَثَالِبِ
وَقَدْ يُبْدِعُ الإِصْلَاحَ مَا كُنْتَ تَتَّقِي = وَقَدْ يُسْطِعُ الإِصْبَاحَ طُولُ الغَيَاهِبِ
أَنَا حَاتِمٌ بِالحِلْمِ يَا أُمِّ حَازِمٌ = وَقَدْ كُنْتُ ذَا عَزْمٍ وَلَا زِلْتُ يَا أَبِي
إِذَا رَكِبَ الأَقْوَامُ مَرْكَبَ شَهْوَةٍ = رَكِبْتُ إِلَى الإِحْسَانِ خَيْرَ المَرَاكِبِ
وَإِنْ خَاضَ أَهْلُ الوَجْدِ فِي ضَحْلِ وَهْمِهِمْ = أَخُضْ فِي بِحَارِ المَجْدِ مِنْ غَيْرِ قَارِبِ
وَلَسْتُ أُبَالِي مِنْ غَرَابِيبَ نُعَّبٍ = وَلَا اهْتَزَّ صَدْحِي مِنْ صَرِيرِ الجَنَادِبِ
أَعِيشُ مَعَ الأَخْيَارِ وَالحَقُّ رَائِدِي = إِذَا قَلَّ فِي الدُّنْيَا عَزِيزُ الجَوَانِبِ
أَطِيرُ إِلَى أُفْقِ الخُلُودِ بِوَاحَةٍ = كَصَقْرٍ أَبَى أَنْ يَقْتَدَى فِي الخَرَائِبِ
وَأُسْبِلُ سِتْرَ العَفْوِ دُونَ إِسَاءَةٍ = لِتَبْقَى نَقِيَّاتٍ رُؤَى كُلِّ غَائِبِ
تَرَكْتُ لِأَهْلِ الغِلِّ سَاحَاتِ غِلِّهِمْ = وَلَمْ أَلْتَفِتْ يَوْمًا لِخِبٍّ وَخَائِبِ
وَعَانَقْتُ أَسْبَابَ الشُّمُوخِ بِهِمَّةٍ = مُطَهَّرَةٍ عَنْ مُغْريَاتِ الرَّوَاسِبِ
وَنَزَّهْتُ نَفْسِي عَنْ دَنَايَا سَفَاسِفٍ = وَمَا خُضْتُ يَوْمًا فِي وُحُولِ المَعَائِبِ
صَبَرْتُ عَلَى الأَيَّامِ حَتَّى حَسِبْتُنِي = لِأَيُّوبَ إِرْثٌ لَمْ يَزَلْ فِي تَلَازُبِ
سَقَتْنِي اللَّيَالِي مِنْ زُعَافِ كُؤُوسِهَا = فَلَمْ أَشْكُ لِلأَيَّامِ كَيْدَ العَصَائِبِ
إِذَا مَا دَجَى لَيْلُ الخُطُوبِ بِسَاحَتِي = نَزَعْتُ إِلَى عِزِّي بِعَزْمِ كَتَائِبِ
وَيَشْهَدُ لِي بَيْنَ البَرِيَّةِ خَالِقِي = بِأَنِّي حَفِظْتُ العَهْدَ رَغْمَ الغَرَائِبِ
أَسِيرُ عَلَى دَرْبِي وَأَبْذُلُ هِمَّتِي = لِأَرْفَعَ صَرْحًا لِلْعُلَا وَالمَنَاقِبِ
وَأَبْنِي مَعَ الأَحْرَارِ مَجْدًا لِأُمَّةٍ = لِنَجْنِيَ مَعَ الإِصْرَارِ خَيْرَ العَوَاقِبِ
فَلِي هِمَّةٌ لَمْ تُعْنَ إِلَّا بِأُمَّةٍ = وَمِثْلِيَ لَمْ يُخْلَقْ لِغَيْرِ النَّجَائِبِ
وَلَوْ شِئْتُ مَجْدِي كَانَ أَدْنَى إِلَى يَدِي = وَأَقْرَبَ مِمَّا بَيْنَ أَنْفِي وَشَارِبِي
وَلَكِنْ هُنَا نَجْنِي غَدَ المَجْدِ وَالعُلَا = مَعًا، وَالأَمَانِي مِنْ نَبِيلِ المَآرِبِ
وَلَوْلَاهُ مَا كَلَّفْتُ نَفْسِي حَسُودَهَا = وَلَا كُنْتُ أَرْضَى بِاحْتِمَالِ الشَّوَائِبِ
فَيَا وَاحَةَ الفِكْرِ الرَّشِيدِ وَرِحْلَةً = مَعَ الأَدَبِ السَّامِي وَصَقْلِ المَوَاهِبِ
وَيَا مِنْبَرًا لِلْحَقِّ وَالخَيْرِ وَالهُدَى = وَدَارَ الغَطَارِيفِ الكِرَامِ الكَوَاكِبِ
بِفَخْرٍ قِفِي فَوْقَ النُّجُومِ الثَّوَاقِبِ = وَلَا تَحْتَفِي إِلَّا بِأَعْلَى المَرَاتِبِ
نَشَأْتِ عَلَى الإِيثَارِ وَالبِرِّ وَالنَّدَى = وَأُسِّسْتِ بِالتَّقْوَى لِكُلِّ مُصَاحِبِ
وَكُنْتِ ضِيَاءَ الدَّرْبِ فِي ظُلْمَةِ المَدَى = وَوَاحَةَ ظَمْآنٍ بِتِيهِ السَّبَاسِبِ
عَرِينًا يَقِي الحَيْرَانَ مِنْ هَدْرِ قَدْرِهِ = وَعَيْنًا تَفِي الظَّمْآنَ صَفْوَ المَشَارِبِ
وَمَنْ جَرَّبَ الآجَامَ دَارًا وَصُحْبَةً = يَعِفُّ شُمُوخًا عَنْ جُحُورِ الثَّعَالِبِ
وَلَيْسَ الَّذِي يَبْنِي العَرِينَ مُبَادِرًا = كَمَنْ يَبْتَنِي وَكْرًا بِنِقْمَةِ غَاضِبِ
فَيَا ظَافِرَ البُشْرَى بِبَالِغِ حِكْمَةٍ = وَيَا مَاجِدَ الذِّكْرَى بِنُبْلِ المَذَاهِبِ
وَكُلَّ أَخِي فَضْلٍ وَبَذْلٍ وَهِمَّةٍ = وَأَهْلَ النَّدَى مِنْ كُلِّ آتٍ وَذَاهِبِ
رِجَالًا أَثَابُوا الفَخْرَ قَدْرًا وَقُدْرَةً = بِنَيْلِ المَعَالِي لَا بِفَتْلِ الشَّوَارِبِ
رِجَالًا لَهُمْ غَايَاتُ كُلِّ فَضِيلَةٍ = عَلَى حِينِ جَفَّ الدَّهْرُ مِنْ كُلِّ طَالِبِ
إِذَا أَمْلَقَتْ دَارٌ فَأَنْتُمْ كُنُوزُهَا = وَإِنْ أَجْدَبَتْ أَنْتُمْ هَتُونُ السَّحَائِبِ
وَمَا يَسْتَوِي فِي النَّاسِ بَرٌّ وَبَائِرٌ = وَلَا قَوْلُ ذِي رَأْيٍ وَتَهْرِيجُ صَاخِبِ
وَلَا تَسْتَوِي نَفْسٌ تَصُونُ وَقَدْرُهَا = نَفِيسٌ، وَنَفْسٌ تُشْتَرَى بِالرَّغَائِبِ
وَقَالَ حَسُودٌ: إِنْ يَرَ الحُلْمَ مَوْطِنًا = فَأَيْنَ سَيَغْدُو مِنْ حَقِيقَةِ كَاسِبِ؟
فَقُلْتُ: أَذَاكَ الكَيْدُ يَا ذَيْلَ كَاشِحٍ = وَهَلْ يُعْجِزُ الشَّاهِينَ كَيْدُ الأَرَانِبِ
أَتَرْشُقُ بَيْتًا فِي ذُرَى العِزِّ رَاسِخًا = وَبَيْتُكَ أَوْهَى مِنْ بُيُوتِ العَنَاكِبِ
وَمَا الوَاحَةُ الغَرَّاءُ إِلَّا مَنَارَةٌ = دَلِيلُ الحَيَارَى قِبْلَةٌ لِلْمَوَاكِبِ
وَمَا أَمْرُهَا مُذْ كَانَ أَوَّلُ بَعْثِهَا = لِغَيْرِ وَفَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ لِوَاجِبِ
بِهَا رِفْعَةُ الأَيَّامِ مِنْهَاجُ صَفْوِهَا = وَإِنْ سَاوَرَتْهَا بِالخُطُوبِ الحَوَازِبِ
فَطَبْعُ الوَرَى مَا بَيْنَ زُهْدٍ وَرَغْبَةٍ = وَبَيْنَ أَدِيبٍ فِي الخِلَافِ وَدَائِبِ
وَتَبْقَى لِمَنْ يَرْتَادُ مَوْطِنَ عِزَّةٍ = وَلَيْسَ عَلَى مَنْ غَابَ ضَرْبَةُ لَازِبِ
مُهَفْهَفَةَ الأَفْيَاءِ مَهْمَا تَخَاتَلُوا = تَظَلُّ لَهُمْ شَمْسًا بَدَتْ فِي المَغَارِبِ
أشد البلايا طعن قس لراهب = ورشق الحنايا من سهام الترائب
ونجعة ذي ود وعهد لناكث = ودمعة مفجوع بغدر الأقارب
تنحت بك الأيام يا قلب في الورى = وأنحى عليك الدهر من كل جانب
يجرعك الأقداح من حنظل الأذى = ويسقي لك الأتراح من كأس واصب
بنجوى عدو أجفل الحقد صدقه = وبلوى تجني صاحب تلو صاحب
ونقمة موتور يرى الحق في الهوى = ونعرة مسرور بأدنى المناصب
يسارع فيك العذل من طعن حاقد = ويصدف عنك العدل من لحن كاذب
ويسلوك من أحببت في الله مخلصا = ويتبع آثار الحسود المجانب
أصابوك حتى أنزفوك بجورهم = وما زلت رب الفضل يا ابن النوائب
ترد لسان القدح عن كل فاسق = وتبدي عيون الصفح عن كل تائب
وتحلم عن جهل وإنك قادر = وتحمل عن أهل عظيم المصائب
وما أنت بالجافي وداد أحبة = ولا أنت بالسالي فراق المضارب
ولكن طلاب المجد خير من الجوى = على هجر أوطان ودمع حبائب
أعيني على الأحزان يا نفس إنني = أغالب بالصبر الذي هو غالبي
ولا تشتكي حرب الليالي فإنما = حراب الليالي هذبت بالتجارب
ولا تقنطي، فخر النفوس بما ارتقت = ومنها اللواتي فخرها في المثالب
وقد يبدع الإصلاح ما كنت تتقي = وقد يسطع الإصباح طول الغياهب
أنا حاتم بالحلم يا أم حازم = وقد كنت ذا عزم ولا زلت يا أبي
إذا ركب الأقوام مركب شهوة = ركبت إلى الإحسان خير المراكب
وإن خاض أهل الوجد في ضحل وهمهم = أخض في بحار المجد من غير قارب
ولست أبالي من غرابيب نعب = ولا اهتز صدحي من صرير الجنادب
أعيش مع الأخيار والحق رائدي = إذا قل في الدنيا عزيز الجوانب
أطير إلى أفق الخلود بواحة = كصقر أبى أن يقتدى في الخرائب
وأسبل ستر العفو دون إساءة = لتبقى نقيات رؤى كل غائب
تركت لأهل الغل ساحات غلهم = ولم ألتفت يوما لخب وخائب
وعانقت أسباب الشموخ بهمة = مطهرة عن مغريات الرواسب
ونزهت نفسي عن دنايا سفاسف = وما خضت يوما في وحول المعائب
صبرت على الأيام حتى حسبتني = لأيوب إرث لم يزل في تلازب
سقتني الليالي من زعاف كؤوسها = فلم أشك للأيام كيد العصائب
إذا ما دجى ليل الخطوب بساحتي = نزعت إلى عزي بعزم كتائب
ويشهد لي بين البرية خالقي = بأني حفظت العهد رغم الغرائب
أسير على دربي وأبذل همتي = لأرفع صرحا للعلا والمناقب
وأبني مع الأحرار مجدا لأمة = لنجني مع الإصرار خير العواقب
فلي همة لم تعن إلا بأمة = ومثلي لم يخلق لغير النجائب
ولو شئت مجدي كان أدنى إلى يدي = وأقرب مما بين أنفي وشاربي
ولكن هنا نجني غد المجد والعلا = معا، والأماني من نبيل المآرب
ولولاه ما كلفت نفسي حسودها = ولا كنت أرضى باحتمال الشوائب
فيا واحة الفكر الرشيد ورحلة = مع الأدب السامي وصقل المواهب
ويا منبرا للحق والخير والهدى = ودار الغطاريف الكرام الكواكب
بفخر قفي فوق النجوم الثواقب = ولا تحتفي إلا بأعلى المراتب
نشأت على الإيثار والبر والندى = وأسست بالتقوى لكل مصاحب
وكنت ضياء الدرب في ظلمة المدى = وواحة ظمآن بتيه السباسب
عرينا يقي الحيران من هدر قدره = وعينا تفي الظمآن صفو المشارب
ومن جرب الآجام دارا وصحبة = يعف شموخا عن جحور الثعالب
وليس الذي يبني العرين مبادرا = كمن يبتني وكرا بنقمة غاضب
فيا ظافر البشرى ببالغ حكمة = ويا ماجد الذكرى بنبل المذاهب
وكل أخي فضل وبذل وهمة = وأهل الندى من كل آت وذاهب
رجالا أثابوا الفخر قدرا وقدرة = بنيل المعالي لا بفتل الشوارب
رجالا لهم غايات كل فضيلة = على حين جف الدهر من كل طالب
إذا أملقت دار فأنتم كنوزها = وإن أجدبت أنتم هتون السحائب
وما يستوي في الناس بر وبائر = ولا قول ذي رأي وتهريج صاخب
ولا تستوي نفس تصون وقدرها = نفيس، ونفس تشترى بالرغائب
وقال حسود: إن ير الحلم موطنا = فأين سيغدو من حقيقة كاسب؟
فقلت: أذاك الكيد يا ذيل كاشح = وهل يعجز الشاهين كيد الأرانب
أترشق بيتا في ذرى العز راسخا = وبيتك أوهى من بيوت العناكب
وما الواحة الغراء إلا منارة = دليل الحيارى قبلة للمواكب
وما أمرها مذ كان أول بعثها = لغير وفاء أو قضاء لواجب
بها رفعة الأيام منهاج صفوها = وإن ساورتها بالخطوب الحوازب
فطبع الورى ما بين زهد ورغبة = وبين أديب في الخلاف ودائب
وتبقى لمن يرتاد موطن عزة = وليس على من غاب ضربة لازب
مهفهفة الأفياء مهما تخاتلوا = تظل لهم شمسا بدت في المغارب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى