الشعر

في ظل عرشك

في رثاء أمي يرحمها الله تعالى

القَلْبُ يَجْزَعُ وَالتَّصَبُّرُ يَرْدَعُ = وَالعَيْنُ مِنْ فَرْطِ التَّأَلُّمِ تَدْمَعُ
وَالْحُزْنُ لَوْ وَزَّعْتُهُ بَيْنَ الوَرَى = لاغْرَوْرَقَتْ عَيْنُ الْخَلائِقِ أَجْمَعُ
أَخْفَيْتُ دَمْعِي كَيْ أُعَلِّمَ أَضْلُعِي = صَبْرًا، فَفَرَّ الدَّمْعُ مِمَّا أَمْنَعُ
أُمَّاهُ يا سِمَةَ التَّبَتُّلِ والْهَوَى = يَا مُهْجَةً مِنْ فَقْدِهَا أَتَوَجَّعُ
شَاخَ القَمِيصُ عَلَى ارْتِعَاشِ أَضَالِعِي = وَعَلَى مَقَامِكِ نَبْضُ قَلْبِي يَرْكَعُ
كُلُّ الجِهَاتِ نَوَافِذٌ مَسْدُودَةٌ = لَمَّا رَحَلْتِ، وَكُلُّ أَرْضٍ بَلْقَعُ
كَمْ كَانَ حِضْنُكِ لِلشَّتَاتِ عَرِينُنَا = وَاليَّوْمَ كُلُّ الكَوْنِ بَعْدَكِ أَضْبُعُ
فَالبَيْتُ بَعْدَكِ لَيْسَ بَيْتًا، إِنَّمَا = قَبْرٌ عَلَى مَبْكَى خُطَاكِ يُوَجَّعُ
وَالبَيْتُ أَظْلَمَ حِيْنَ غَابَ ضِيَاؤُهُ = وَالصَّدْرُ نَارٌ بِاشْتِيَاقِي تَلَسَعُ
أَمْشِي وَأَحْمِلُ غُرْبَتِي كَجَنَازَةٍ = وَلِكُلِّ رُكْنٍ فِي المَوَاجِعِ مَصْرَعُ
مَا زَالَ طَيْفُكِ فِي الزَّوَايَا لَمْسَةً = تَسْقِي الحَنِينَ، وَفِي المَآقِي تَلْمَعُ
مَا زَالَ ثَوْبُكِ فِي الخِزَانَةِ رَاهِبًا = فَإِذَا لَمَسْتُ بَيَاضَهُ أَتَضَرَّعُ
يَا جَنَّةً كَانَتْ لِرُوحِيَ مَوْرِدًا = وَلِغَيْرِ وَجْهِكِ فِي المَدَى لَا أَفْزَعُ
مِنْ أَيْنَ أَتَّخِذُّ الهَنَاءَ بِبَهْجَةٍ = إِنْ عَزَّتِ السُّقْيَا وَجَفَّ الْمَنْبَعُ
أَوْ كَيْفَ أَسْمَعُ لِلْمَحَبَّةِ هَمْسَةً = إِنْ كَانَ صَوْتُ حَبِيْبَتِي لا يُسْمَعُ
تَسْعُونَ شَهْرًا لَمْ أُقَبِّلْ رَأْسَهَا = لَمْ أَحْتَضِنْ فِيهَا الحَنِينَ فَأَخْضَعُ
كُلُّ المَآذِنِ حِينَ أَذْكُرُ صَوْتَهَا = تَبْكِي، وَكُلُّ دُعَاءِ قَلْبِي يَضْرَعُ
ذَهِلَ الوُجُودُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ التِي = لِضِيَائِهَا وَلِظِلِّهَا أَتَتَبَّعُ
سِتُّوْنَ عَامًا قَدْ تَألّقَ نُوْرُهَا = مِنْ فَيْضِ نُورِكِ وَالْمَوَدَّةُ تَسْطَعُ
فَوَهَبْتِنِي طِفْلاً حَنَانَكِ وَالرِّضَا = وَوَهَبْتِني رَجُلًا شُمُوخَكِ يَدْفَعُ
مِنْ لَمْسَةٍ لَكِ كَانَ يَنْبُتُ فِي دَمِي = قَمْحُ السَّكِينَةِ وَالحَنَانُ الأَرْوَعُ
قَدْ كُنْتِ لِي وَطَنِي الأَجَلَّ وَمَوْئِلِي = فِيْهِ احْتَمِي وَبِعَطْفِهِ أَتَشَفَّعُ
مُذْ غَابَ بَدْرُكِ كُلَّ لَيْلٍ أَشْتَكِي = أُمًّا تَغِيبُ، وَطِفْلَ رُوحٍ يَفْزَعُ
مَا زَالَ ذِكْرُكِ فِي الحَيَاةِ يَمُدُّنِي = بِالصَّبْرِ حِيْنَ يَضِيقُ بِي مَا يُصْنَعُ
أُمَّاهُ، لَوْ أَنَّ الضَّرِيحَ يُطِيعُنِي = لَحَفَرْتُ فِي قَلْبِي لِلَحْدِكِ مَوْضِعُ
يَا لَيْتَ عُمْرِي قَدْ فَدَاكِ جَمِيعُهُ = وَبَقِيتِ أَنْتِ، وَمَا بِفَقْدِكِ أُفْجَعُ
نَامِي بِأَمْنِ اللهِ يَا رُوحًا سَمَتْ = فَوْقَ الغَمَامِ إِلَى السَّمَاءِ تُوَدَّعُ
إِنْ فَرَّقَ الأَجْسَادَ مِنَّا قَاهِرٌ = فَالرُّوحُ مَا انْفَكَّتْ تَزُورُ وَتَتْبَعُ
إِنِّي احْتَسَبْتُكِ صَابِرًا وَلَعَلَّنَا = فِي جَنَّةِ الرَّحْمَنِ يَوْمًا نُجْمَعُ
يَا رَبُّ إِنْ ضَاقَ التُّرَابُ بِطِيبِهَا = فَافْتَحْ لَهَا بَابَ النَّعِيمِ يُضَوَّعُ
وَاجْعَلْ لَهَا فِي كُلِّ شِبْرٍ رَوْضَةً = فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ حَيْثُ تُمَتَّعُ
يَا رَبَّنَا هِيَ مَنْ سَقَتْنِي عُمْرَهَا = رَبِّ اسْقِهَا مِنْ كَوْثَرٍ لَا يُمْنَعُ
وَاغْسِلْ خَطَايَاهَا بِمُزْنٍ وَاكْسُهَا = نُورًا لَهَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَسْطَعُ
القلب يجزع والتصبر يردع = والعين من فرط التألم تدمع
والحزن لو وزعته بين الورى = لاغرورقت عين الخلائق أجمع
أخفيت دمعي كي أعلم أضلعي = صبرا، ففر الدمع مما أمنع
أماه يا سمة التبتل والهوى = يا مهجة من فقدها أتوجع
شاخ القميص على ارتعاش أضالعي = وعلى مقامك نبض قلبي يركع
كل الجهات نوافذ مسدودة = لما رحلت، وكل أرض بلقع
كم كان حضنك للشتات عريننا = واليوم كل الكون بعدك أضبع
فالبيت بعدك ليس بيتا، إنما = قبر على مبكى خطاك يوجع
والبيت أظلم حين غاب ضياؤه = والصدر نار باشتياقي تلسع
أمشي وأحمل غربتي كجنازة = ولكل ركن في المواجع مصرع
ما زال طيفك في الزوايا لمسة = تسقي الحنين، وفي المآقي تلمع
ما زال ثوبك في الخزانة راهبا = فإذا لمست بياضه أتضرع
يا جنة كانت لروحي موردا = ولغير وجهك في المدى لا أفزع
من أين أتخذ الهناء ببهجة = إن عزت السقيا وجف المنبع
أو كيف أسمع للمحبة همسة = إن كان صوت حبيبتي لا يسمع
تسعون شهرا لم أقبل رأسها = لم أحتضن فيها الحنين فأخضع
كل المآذن حين أذكر صوتها = تبكي، وكل دعاء قلبي يضرع
ذهل الوجود وغابت الشمس التي = لضيائها ولظلها أتتبع
ستون عاما قد تألق نورها = من فيض نورك والمودة تسطع
فوهبتني طفلا حنانك والرضا = ووهبتني رجلا شموخك يدفع
من لمسة لك كان ينبت في دمي = قمح السكينة والحنان الأروع
قد كنت لي وطني الأجل وموئلي = فيه احتمي وبعطفه أتشفع
مذ غاب بدرك كل ليل أشتكي = أما تغيب، وطفل روح يفزع
ما زال ذكرك في الحياة يمدني = بالصبر حين يضيق بي ما يصنع
أماه، لو أن الضريح يطيعني = لحفرت في قلبي للحدك موضع
يا ليت عمري قد فداك جميعه = وبقيت أنت، وما بفقدك أفجع
نامي بأمن الله يا روحا سمت = فوق الغمام إلى السماء تودع
إن فرق الأجساد منا قاهر = فالروح ما انفكت تزور وتتبع
إني احتسبتك صابرا ولعلنا = في جنة الرحمن يوما نجمع
يا رب إن ضاق التراب بطيبها = فافتح لها باب النعيم يضوع
واجعل لها في كل شبر روضة = في جنة الفردوس حيث تمتع
يا ربنا هي من سقتني عمرها = رب اسقها من كوثر لا يمنع
واغسل خطاياها بمزن واكسها = نورا لها في ظل عرشك يسطع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى