الشعر

يا قارئ القرآن

إِقْرَأْ وَرَتِّلْ وَارْتَقِ الدَرَجَاتِ = وَاسْتَفْتِحِ الفِرْدَوْسَ بِالآيَاتِ
رَدِّدْ كَلامَ اللهِ وَاسْتَسْقِ الـهُدَى = وَامْلأْ قِفَارَ القَلْبِ بِالعَبَرَاتِ
وَاغْسِلْ بِمَاءِ الوَحْيِ أَقْذَارَ الدُّنَى = فِي سِرِّ نُورٍ شَقَّ كُلَّ فَلَاةِ
طَهِّرْ فُؤَادَكَ، فَالشَّغَافُ مَنَاسِكٌ = مَا كَانَ يرْقَى دُونَ نَزْعِ شَتَاتِ
وَاخْشَعْ، فَإِنَّ الذِّكْرَ حِينَ يَحُلُّ فِي = طِينِ الفَتَى، يَسْمُو إِلَى الذُّرُوَاتِ
وَاخْضَعْ بِسَاجِي الرُّوحِ، إِنَّ جلالَهُ = يَطْوِي مَدَى الأَكْوَانِ فِي لَحَظَاتِ
وَادْمَعْ بِهَمْسِ النُّورِ حِينَ تَبُثُّهُ = فِي الظُّلْمَةِ الصَّمَّاءِ بِالرَّكَعَاتِ
تُصْغِي السَّمَاءُ لِمَنْ يُرَتِّلُ خَاشِعًا = وَتَزِيدُ هَيْبَتُهُ مِنَ الإِخْبَاتِ
رَتِّلْ مِنَ الأَنْفَالِ نَهْجَ مُجَاهِدٍ = وَاطْلُبْ بِهِ الرُّضْوَانَ فِي الغُرُفَاتِ
وَاقْرَأْ مِنَ الإِسْرَاءِ سِيرَةَ مَسْجِدٍ = أَضْحَى أَسِيرَ القَهْرِ نَهْبَ جُنَاةِ
واسْتَرْجِعِ الأَنْعَامَ وَاقْرَأْ فِي الضُّحَى = وَاسْتَرْشِدِ الآدَابَ فِي الحُجُرَاتِ
وَانْعَمْ مَعِ الأَبْرَارِ فِي عَلْيَائِهِمْ = فِي صُحْبَةٍ قُدُسِيَّةِ النَّفَحَاتِ
يَا قَارِئَ القُرْآنِ نِبْرَاسِ الهُدَى = غَيْثِ النَّدَى وَإِمَامِ كُلِّ تُقَاةِ
يَا قَارِئَ القُرْآنِ، أَنْتَ سَحَابَةٌ = تَسْقِي يَبَابَ القَلْبِ بِالبَرَكَاتِ
أَوْدَعْتَهُ فِي الصَّدْرِ نُوْرًا قَدْ سَنَا = قَبَسًا مِنَ المِصْبَاحِ وَالمِشْكَاةِ
وَحَفِظْتَهُ وَاللهُ أَكْرَمُ حَافِظٍ = تَجْلُو بِنِعْمَةِ نُورِهِ الظُّلُمَاتِ
تَجْلُو بِهِ الأَنْفَاسَ مِنْ زَفَرَاتِهَا = وَتَجُوْلُ مِلْءَ الصَّدْرِ بِالشَّهَقَاتِ
إِقْرَأْ وَرَتِّلْ مَا تَيَسَّرَ إِنَّ فِي = هَذَا الحَدِيثِ تَنَزُّلَ الرَّحَمَاتِ
إِقْرَأْ وَزِدْنِي إِنَّ قَلْبِيَ ظَامِئٌ = مُتَلَهِّفٌ لِتَفَكُّرٍ وَعِظَاتِ
زِدْنِي فَجِلْدِي يَقْشَعِرُّ لِذِكْرِهِ = وَيَلِينُ جِلْدِي حِينَ تَخْشَعُ ذَاتِي
تَسْرِي سَكِينَتُهُ بِأَوْصَالِي كَمَا = يَسْرِي النَّدَى فِي مَفْرِقِ الزَّهَرَاتِ
وَيَزُولُ هَمِّي حِينَ أُنْصِتُ خَاشِعًا = وَدُمُوعُ عَيْنِي تُغْرِقُ الوَجَنَاتِ
وَالحَيْرَةُ الكَأْدَاءُ فِي لُجَجِ المَدَى = تَصْفُوْ وَتُبْدِي كُلَّ دَرْبِ نَجَاةِ
هَلْ كَانَ فِي التَّنْزِيلِ إِلا رَحْمَةٌ = لِلْعَالَمِينَ وَمَنْهَجٌ لِحَيَاةِ
هَلْ كَانَ إِلا هَادِيًا وَمُبَشِّرًا = يَدْعُو لِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَثَبَاتِ
يَتَشَكَّلُ الوُجْدَانُ بَيْنَ حُرُوفِهِ = خَلْقًا جَدِيدًا طَاهِرَ الجَنَبَاتِ
لِلْآيِ فِي صَدْرِ التَّقِيِّ تَرَنُّمٌ = كَالرَّعْدِ يَزْجُرُ غَفْلَةَ السَّنَواتِ
فِيْهِ الشِّفَاءُ وَفِي تَدَبُّرِهِ الرِّضَا = وَحُرُوفُهُ فَيْضٌ مِنَ الحَسَنَاتِ
هُوَ مُؤْنِسِي إِنْ ضَاقَ صَدْرِيَ بِالوَرَى = وَمُعَلِّمِي فِي الصَحْوِ وَالغَفَوَاتِ
مَنْ يَعْصِمِ الوَحْيَ العَظِيمَ بِرُوحِهِ = يَعْصِمْهُ رَبُّ العَرْشِ مِنْ عَقَبَاتِ
إِنْ يَتَّخِذْهُ القَوْمُ مَهْجُوْرًا فَمَا = يَجْنُونَ غَيْرَ الخُسْرِ وَالحَسَرَاتِ
لَوْلا اجْتَبَاهُ المُسْلِمُونَ إِمَامَهُمْ = لَوْلا اسْتَقَرَّ الذِّكْرُ فِي المُهْجَاتِ
لَوْلا تَفَقَّهَ فِي الأُصُولِ أَئِمَّةٌ = وَتَعَمَّقُوا فِيهَا إِلَى الغَايَاتِ
لَوْلَاهُ ضَلُّتْ لِلْعُصُورِ مَحَافِلٌ = وَلَظَلَّ هَذَا العَقْلُ فِي شَبَهَاتِ
يَا رَبِّ ثَبِّتْ بِالكِتَابِ قُلُوبَنَا = وَاجْعَلْهُ حُجَّتَنَا لَدَى السَّكَرَاتِ
يَا رَبِّ أَطْلِقْ فِي مَعَارِجِهِ الرُّؤَى = لِنَذُوبَ فِي المَعْنَى عَنِ اللَّفَظَاتِ
يَا رَبِّ هَبْنَا مِنْ تِلَاوَتِهِ الرِّضَا = وَاجْعَلْهُ ذُخْرَ الفَوْزِ بِالجَنَّاتِ
مَا أَحْوَجَ الأَيَّام فِي عَثَرَاتِهَا = لِضِيَاءِ دَرْبٍ رَاسِخِ الخُطُوَاتِ
مَنْ يَطْلُبِ العِزَّ الرَفِيْعَ لأُمَّةٍ = فَلْيَغْرِسِ التَنْزِيلَ فِي الخَلَجَاتِ
وَلْيَتَّبِعْ نَهْجَ الرَّسُولِ وَصَحْبِهِ = وَلْيَذْكُرِ الرَّحْمَنَ فِي الخُلُوَاتِ
وَلْيَحْفَظِ النَّفْسَ التِي إِنْ أَخْلَصَتْ = للهِ تَبْلغْ أَرْفَعَ الدَّرَجَاتِ
فِي جَنَّةٍ لَوْ عِشْتُ أَذْكُرُ حُسْنَهَا = عَجِزَتْ بِهَا عَنْ وَصْفَهَا أَبْيَاتِي
إقرأ ورتل وارتق الدرجات = واستفتح الفردوس بالآيات
ردد كلام الله واستسق الهدى = واملأ قفار القلب بالعبرات
واغسل بماء الوحي أقذار الدنى = في سر نور شق كل فلاة
طهر فؤادك، فالشغاف مناسك = ما كان يرقى دون نزع شتات
واخشع، فإن الذكر حين يحل في = طين الفتى، يسمو إلى الذروات
واخضع بساجي الروح، إن جلاله = يطوي مدى الأكوان في لحظات
وادمع بهمس النور حين تبثه = في الظلمة الصماء بالركعات
تصغي السماء لمن يرتل خاشعا = وتزيد هيبته من الإخبات
رتل من الأنفال نهج مجاهد = واطلب به الرضوان في الغرفات
واقرأ من الإسراء سيرة مسجد = أضحى أسير القهر نهب جناة
واسترجع الأنعام واقرأ في الضحى = واسترشد الآداب في الحجرات
وانعم مع الأبرار في عليائهم = في صحبة قدسية النفحات
يا قارئ القرآن نبراس الهدى = غيث الندى وإمام كل تقاة
يا قارئ القرآن، أنت سحابة = تسقي يباب القلب بالبركات
أودعته في الصدر نورا قد سنا = قبسا من المصباح والمشكاة
وحفظته والله أكرم حافظ = تجلو بنعمة نوره الظلمات
تجلو به الأنفاس من زفراتها = وتجول ملء الصدر بالشهقات
إقرأ ورتل ما تيسر إن في = هذا الحديث تنزل الرحمات
إقرأ وزدني إن قلبي ظامئ = متلهف لتفكر وعظات
زدني فجلدي يقشعر لذكره = ويلين جلدي حين تخشع ذاتي
تسري سكينته بأوصالي كما = يسري الندى في مفرق الزهرات
ويزول همي حين أنصت خاشعا = ودموع عيني تغرق الوجنات
والحيرة الكأداء في لجج المدى = تصفو وتبدي كل درب نجاة
هل كان في التنزيل إلا رحمة = للعالمين ومنهج لحياة
هل كان إلا هاديا ومبشرا = يدعو لكل فضيلة وثبات
يتشكل الوجدان بين حروفه = خلقا جديدا طاهر الجنبات
للآي في صدر التقي ترنم = كالرعد يزجر غفلة السنوات
فيه الشفاء وفي تدبره الرضا = وحروفه فيض من الحسنات
هو مؤنسي إن ضاق صدري بالورى = ومعلمي في الصحو والغفوات
من يعصم الوحي العظيم بروحه = يعصمه رب العرش من عقبات
إن يتخذه القوم مهجورا فما = يجنون غير الخسر والحسرات
لولا اجتباه المسلمون إمامهم = لولا استقر الذكر في المهجات
لولا تفقه في الأصول أئمة = وتعمقوا فيها إلى الغايات
لولاه ضلت للعصور محافل = ولظل هذا العقل في شبهات
يا رب ثبت بالكتاب قلوبنا = واجعله حجتنا لدى السكرات
يا رب أطلق في معارجه الرؤى = لنذوب في المعنى عن اللفظات
يا رب هبنا من تلاوته الرضا = واجعله ذخر الفوز بالجنات
ما أحوج الأيام في عثراتها = لضياء درب راسخ الخطوات
من يطلب العز الرفيع لأمة = فليغرس التنزيل في الخلجات
وليتبع نهج الرسول وصحبه = وليذكر الرحمن في الخلوات
وليحفظ النفس التي إن أخلصت = لله تبلغ أرفع الدرجات
في جنة لو عشت أذكر حسنها = عجزت بها عن وصفها أبياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى