الشعر

شاهقة الأسوار

تِلكَ الرُّبَى فِي بُرُوجِ الشَّوقِ لَمْ تَعُجِ = تَدُورُ بَينَ الرُّؤَى نَضَّاحَةَ الأَرَجِ
ضَمَمْتُهَا فِي عُيُونِ الحُبِّ مُبْتَسِمًا = وَفِي الشِّغَافِ شَظَايَا القَلْبِ فِي نَشَجِ
هَاجَتْ حَمَائِمُ مَفْؤُودِ الهَوَى فَهَجَتْ = أَسْبَاطَ شَوْقٍ فَلَمْ يَهْجُوا وَلَمْ يَهِجِ
وَمَا اهْتِيَاجُ فُؤَادٍ أَوْ هِجَاءُ نُهَى = إِنْ كَانَ أَوهَى الأَسَى بِالوَجْدِ قَلْبَ شَجِي
وَدَّعْتُ قَبْلَ النَّوَى رُوحِي وَقُلْتُ لَهَا = يَا رُوحُ كُونِي هُنَا مَا غِبْتُ وَابْتَهِجِي
كُونِي هُنَا فِي رُبَى الأَحْبَابِ حَائِمَةً = حَوْلَ المَنَازِلِ فِي صَفْوٍ وَفِي رَهَجِ
إِيَّاكِ أَنْ تَهْجُرِي دَارَ العُلا جَزَعًا = وَإِنْ تَحُزُّ بِسِكِّينٍ عَلَى الوَدَجِ
فَمَا الحَيَاةُ مَعَ الأَحْرَارِ فِي مِقَةٍ = كَمَا الحَيَاةُ مَعَ الأَشْرَارِ وَالهَمَجِ
هُنَا الْتَقَينَا بِأَسْبَابِ السُّرُورِ عَلَى = أَرَائِكِ البِرِّ وَالإِيثَارِ وَالبَلَجِ
نُرَوِّحُ الجِدَّ هَزْلا غَيرَ مُبْتَذَلٍ = وَنَشْرَبُ الوُدَّ كَأْسًا غَيرَ مُمْتَزجِ
فِي خَانِيُونُسَ فِي الزَّيتُونِ فِي رَفَحٍ = فِي الشَّيخِ رِضْوَانَ فِي التُّفَاحِ فِي الدَّرَجِ
فِي شَاطِئِ العِزِّ فِي عَبْسَانَ فِي مَعَنٍ = فِي كُلِّ حَيٍّ وَإِقْلِيمٍ وَمُنْعَرَجِ
لَمَّا سَرَيْتُ أُرِيدُ المعْبَرَ اغْتَرَبَتْ = عَنِّي الوُجُوهُ وَغَارَ الدَّرْبُ بِالدَّلَجِ
أَمْسَيتُ فِيهِ كَمَا أَصْبَحْتُ مُنْتَظِرًا = صَكَّ الخُرُوجِ فَمَا نِلْنَا سِوَى الحَدَجِ
فِي بِضْعِ مِتْرٍ قَضَينَا اليَومَ فِي عَنَتٍ = مِنْ غَيرِ عُذْرٍ سِوَى الإِذْلالِ وَالنَّفَجِ
كَأَنَّ شَاهِقَةَ الأَسْوَارِ قَدْ أَمِنَتْ = نَصْلَ العَدُوِّ وَخَافَتْ وَصْلَ ذِي وَشَجِ
تُشَيِّدُ السُّورَ بِالفُولاذِ فِي هَلَعٍ = وَتَسْتَعِينُ بِمَاءِ البَحْرِ فِي الفُرَجِ
وَتَبْقُرُ الأَرْضَ أَمْتَارًا عَلَى حَرَضٍ = لِتَنْسِفَ النُّورَ فِي الأَنْفَاقِ وَالسُّرُجِ
فِيمَ الحِصَارُ وَفِيمَ الخَوفُ فِيمَ دَمٌ = يُرَاقُ ظُلْمًا بِزَعْمٍ كَاذِبٍ ثَبِجِ
إِنْ كَانَ حُوصِرَ حَقُّ النُّورِ فِي مُقَلٍ = فَلَنْ يُحَاصَرَ نُورُ الحَقِّ فِي المُهَجِ
وَمَا يُبَلَّغُ بِالتَّدْلِيسِ دَرْبُ هُدَى = وَمَا تُسَوَّغُ كَفُّ الغَدْرِ بِالحُجَجِ
وَقَدْ عَلِمْتُمْ لَوِ البَوَّابَةُ انْفَرَجَتْ = لَمْ يَبْقَ مِنْ نَفَقٍ يُرْجَى وَلَمْ يَرُجِ
يَا مَنْ يُصَادِرُ حَتَّى العَذْلَ عَنْ شَفَةٍ = وَيَدَّعِي البَوْنَ بَينَ الرَّحْمِ وَالمَشَجِ
لا يُدْرِكُ الرَّغْدُ قَدْرَ المَاءِ فِي قُلَلٍ = حَتَّى يُجَرِّبَ لَفْحَ الحَرِّ وَالأَمَجِ
لَمْ يَفْسُدِ المِلْحُ لَكِنَّ التِي فَسَدَتْ = كَفٌّ تَدُسُّ جُحُودَ المِلْحِ فِي الضَرَجِ
مَا نَفْعُ خَائِبَةِ الآمَالِ إِنْ لَطَمَتْ = خَدًّا وَشَقَّتْ جُيُوبَ العَجْزِ وَالزَّعَجِ
وَمَا مَعَانِي اعْتِبَارِ الأُخْتِ إِنْ رَقَصَتْ = عَلَى الجِرَاحِ وَخَانَتْ سَاعَةَ الحَرَجِ
وَمَا اجْتِهَادُ حَكِيمٍ قَالَ مَوْعِظَةً = لِمَنْ يُوَافِقُ مَجْذُوبًا عَلَى لَحَجِ
وَخَائِضٍ فَوْقَ عَرْشٍ غَيرَ مُنْتَخَبٍ = سَاسَ البِلادَ بِلَأْيِ الرَّأْيِ وَالهَرَجِ
تَرَاهُ يَعْبِسُ كَي تَخْفَى سَفَاهَتُهُ = فَإِنْ تَحَدَّثَ بَانَتْ سَحْنَةُ الهَوَجِ
مَا انْفَكَّ يَكْذِبُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ لَهُ = حُكْمًا وَعِلْمًا وَرَأْيًا غَيرَ ذِي عِوَجِ
فَلَيسَ أَرْذَل عِنْدَ النَّفْسِ مِنْ وَقِحٍ = وَلَيسَ أَثْقَل مِنْ مُسْتَظْرِفٍ سَمِجِ
يَقُولُ: إِنَّ السَّلامَ اليَوْمَ مَنْهَجُنَا = وَبِالتَّفَاوِضِ كُلُّ الحَقِّ سَوْفَ يَجِي
فَاخْفِضْ جَنَاحَكَ وَاكْسِرْ صَاغِرًا قَدَمًا = تُرْضِ العَدُوَّ وَتُبْطِلْ عَدْوَةَ الحِجَجِ
يَا فِتْنَةً مِنْ شَرَابِ المَينِ مَا ثَمِلَتْ = وَهَلْ جَنَيْتَ مِنَ التَّسْلِيمِ وَاللَجَجِ؟!
إِنْ كَانَ يُخْفِقُ ذُو السَّاقَينِ فِي أَرَبٍ = فَكَيفَ يَسْبِقُ فِي المِضْمَارِ ذُو عَرَجِ؟
وَإِنْ هَجَوتَ أُبَاةً قَاوَمُوا وَرَمَوا = فَكَمْ أَبِيٍّ عَلَى حُسْنِ الفِعَالِ هُجِي
لِيَهْنَ قَوْمٌ سَرَوا لِلفَجْرِ فِي ثِقَةٍ = وَأَبْحَرُوا ضِدَ عَصْفِ الرِّيحِ وَاللُجَجِ
زَوَاهِرٌ فِي الوَرَى جَلَّتْ فَلاحَ لَهَا = فِي مَفْرِقِ النَّصْرِ مَعْنَى غَيرُ مُخْتَلِجِ
خُذِ الأَدَاةَ وَدَعْ مَنْ لاتَ لَيسَ لَنَا = إِلا الثَّبَات وَيَأْتِي اللهُ بِالفَرَجِ
تلك الربى في بروج الشوق لم تعج = تدور بين الرؤى نضاحة الأرج
ضممتها في عيون الحب مبتسما = وفي الشغاف شظايا القلب في نشج
هاجت حمائم مفؤود الهوى فهجت = أسباط شوق فلم يهجوا ولم يهج
وما اهتياج فؤاد أو هجاء نهى = إن كان أوهى الأسى بالوجد قلب شجي
ودعت قبل النوى روحي وقلت لها = يا روح كوني هنا ما غبت وابتهجي
كوني هنا في ربى الأحباب حائمة = حول المنازل في صفو وفي رهج
إياك أن تهجري دار العلا جزعا = وإن تحز بسكين على الودج
فما الحياة مع الأحرار في مقة = كما الحياة مع الأشرار والهمج
هنا التقينا بأسباب السرور على = أرائك البر والإيثار والبلج
نروح الجد هزلا غير مبتذل = ونشرب الود كأسا غير ممتزج
في خانيونس في الزيتون في رفح = في الشيخ رضوان في التفاح في الدرج
في شاطئ العز في عبسان في معن = في كل حي وإقليم ومنعرج
لما سريت أريد المعبر اغتربت = عني الوجوه وغار الدرب بالدلج
أمسيت فيه كما أصبحت منتظرا = صك الخروج فما نلنا سوى الحدج
في بضع متر قضينا اليوم في عنت = من غير عذر سوى الإذلال والنفج
كأن شاهقة الأسوار قد أمنت = نصل العدو وخافت وصل ذي وشج
تشيد السور بالفولاذ في هلع = وتستعين بماء البحر في الفرج
وتبقر الأرض أمتارا على حرض = لتنسف النور في الأنفاق والسرج
فيم الحصار وفيم الخوف فيم دم = يراق ظلما بزعم كاذب ثبج
إن كان حوصر حق النور في مقل = فلن يحاصر نور الحق في المهج
وما يبلغ بالتدليس درب هدى = وما تسوغ كف الغدر بالحجج
وقد علمتم لو البوابة انفرجت = لم يبق من نفق يرجى ولم يرج
يا من يصادر حتى العذل عن شفة = ويدعي البون بين الرحم والمشج
لا يدرك الرغد قدر الماء في قلل = حتى يجرب لفح الحر والأمج
لم يفسد الملح لكن التي فسدت = كف تدس جحود الملح في الضرج
ما نفع خائبة الآمال إن لطمت = خدا وشقت جيوب العجز والزعج
وما معاني اعتبار الأخت إن رقصت = على الجراح وخانت ساعة الحرج
وما اجتهاد حكيم قال موعظة = لمن يوافق مجذوبا على لحج
وخائض فوق عرش غير منتخب = ساس البلاد بلأي الرأي والهرج
تراه يعبس كي تخفى سفاهته = فإن تحدث بانت سحنة الهوج
ما انفك يكذب حتى ظن أن له = حكما وعلما ورأيا غير ذي عوج
فليس أرذل عند النفس من وقح = وليس أثقل من مستظرف سمج
يقول: إن السلام اليوم منهجنا = وبالتفاوض كل الحق سوف يجي
فاخفض جناحك واكسر صاغرا قدما = ترض العدو وتبطل عدوة الحجج
يا فتنة من شراب المين ما ثملت = وهل جنيت من التسليم واللجج؟!
إن كان يخفق ذو الساقين في أرب = فكيف يسبق في المضمار ذو عرج؟
وإن هجوت أباة قاوموا ورموا = فكم أبي على حسن الفعال هجي
ليهن قوم سروا للفجر في ثقة = وأبحروا ضد عصف الريح واللجج
زواهر في الورى جلت فلاح لها = في مفرق النصر معنى غير مختلج
خذ الأداة ودع من لات ليس لنا = إلا الثبات ويأتي الله بالفرج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى