الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

من قيادة إلى وحشية هيمنة؛ تآكل النفوذ الأمريكي في العالم

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لَمْ تَخرجِ الوِلاياتُ المُتَّحدةُ مِنَ الحَربِ العَالميَّةِ الثَانيةِ تَحملُ أَكبرَ تِرسانةٍ وَقَاعدةٍ صِناعيَّةٍ فَحَسبُ؛ خَرجتْ تَحملُ فُرْصةً تَاريخيَّةً نَادرةً لِإِعادةِ كِتَابةِ قَواعدِ العَالمِ. كَانتْ أُورُوبَّا تَنفضُ عَنْ مُدُنِهَا رَمادَ حَربينِ عَالميَّتينِ، وَالاقتصاداتُ القَديمةُ مُرهقةً، وَالإِمبراطوريَّاتُ الاستعماريَّةُ تَفقدُ قُدرتها عَلى الاحتفاظِ بِأَطرافها، فِيما امتلكتْ أَمريكا المَالَ وَالمَصانعَ وَالتِقنيَّةَ وَالمَوقعَ الجُغرافيَّ المَحميَّ نِسبيًّا وَالقُدرةَ عَلى تَحويلِ تَفوُّقها الوَطنيِّ إِلى نِظامٍ دَوليٍّ. لَكِنَّ القُوَّةَ الأَمريكيَّةَ لَمْ تَكتفِ، فِي طَورها الصَاعدِ، بِأَنْ تَقولَ لِلْعَالمِ إِنَّها الأَقوى؛ قَدَّمتْ مَشروعًا يَستطيعُ حُلفاؤها أَنْ يَروا مَصالحهمْ دَاخلهُ؛ مُؤسَّساتٌ دَوليَّةٌ، وَاستقرارٌ مَاليٌّ، وَأَسواقٌ وَاسعةٌ، وَتَحالفاتٌ أَمنيَّةٌ، وَاستثماراتٌ لِإِعادةِ البِناءِ، وَمَنظومةٌ مَعرفيَّةٌ وَثَقافيَّةٌ جَعلتِ التَفوُّقَ الأَمريكيَّ يَبدو بَوَّابةً إِلى المُستقبلِ لَا مُجرَّدَ سُلطةٍ فَوْقهُ.

كَانَ مَشروعُ مَارشالَ أَحدَ أَوضحِ التَعبيراتِ عَنْ هَذهِ الفَلسفةِ. لَمْ يَكنْ إِحسانًا مُنزَّهًا عَنِ المَصلحةِ، بَلْ استثمارًا استراتيجيًّا فِي إِعادةِ بِنَاءِ أُورُوبَّا الغَربيَّةِ، وَمَنعِ الانهيارِ الاقتصاديِّ وَالسِياسيِّ، وَخَلقِ أَسواقٍ قَادرةٍ عَلى الاستيرادِ وَالتِجارةِ، وَرَبطِ ازدهارِ الحُلفاءِ بِقُوَّةِ النِظامِ الأَمريكيِّ. لَمْ يُطْلَبْ مِنْ أُورُوبَّا أَنْ تَبقى ضَعيفةً حَتَّى تَظلَّ أَمريكا قَويَّةً؛ كَانتْ قُوَّةُ أُورُوبَّا الغَربيَّةِ جُزءًا مِنْ قُوَّةِ المَجالِ الَّذِي تَقودهُ وَاشنطنُ. وَهَذا مَا مَيَّزَ القِيادةَ عَنِ الاستعمارِ التَقليديِّ فِي جَوانبَ مُهِمَّةٍ؛ إِذْ استطاعتِ الوِلاياتُ المُتَّحدةُ أَنْ تَجعلَ صُعودَ أَلمانيا الغَربيَّةِ وَاليَابانِ، رَغمَ تَحوُّلهما لَاحقًا إِلى مُنافسينِ اقتصاديَّينِ، رَكيزةً مِنْ رَكائزِ النِظامِ الَّذِي تَقودهُ. كَانتْ قُوَّةُ الحَليفِ قَابلةً لِلاستيعابِ دَاخلَ النِظامِ، لَا تَهديدًا يَستوجبُ الخَنقَ. وَلَمْ تَكنِ العَلاقةُ مُتساويةً، لَكِنَّها أَتاحتْ لِلْحُلفاءِ مَساحةً مِنَ الأَمنِ وَالنُموِّ جَعلتْ قَبولَ التَفوُّقِ الأَمريكيِّ أَقلَّ كُلْفةً مِنَ البَدائلِ المُتاحةِ.

“كَانتْ قُوَّةُ الحَليفِ قَابلةً لِلاستيعابِ دَاخلَ النِظامِ، لَا تَهديدًا يَستوجبُ الخَنقَ.”

وَجَاءتْ مُؤسَّساتُ بَرِيتونَ وُودزَ، وَالأُممُ المُتَّحدةُ، وَصُندوقُ النَقدِ، وَالبَنكُ الدَوليُّ، وَشَبكاتُ التِجارةِ، لِتَمنحَ النِظامَ الجَديدَ بِنْيةً تَتجاوزُ الأَمرَ العَسكريَّ المُباشرَ. لَمْ تَكنِ المُؤسَّساتُ مُحايدةً تَمامًا عَنْ مَوازينِ القُوَّةِ، لَكِنَّها خَلقتْ قَواعدَ وَمَساحاتٍ لِلتَفاوضِ وَوَسائلَ لِإِدارةِ النِزاعاتِ وَالاقتصادِ العَالميِّ. وَصَارَ الدُولارُ مِحورًا لِلاستقرارِ وَالتَبادلِ، لَا لِأَنَّهُ فُرِضَ بِالقُوَّةِ المَجرَّدةِ وَحْدها، بَلْ لِأَنَّ الاقتصادَ الأَمريكيَّ، وَالأَسواقَ، وَالثِقةَ، وَالمُؤسَّساتِ، اجتمعتْ لِتَمنحهُ هَذهِ المَكانةَ.

ثُمَّ جَاءتِ التَحالفاتُ الأَمنيَّةُ فِي أُورُوبَّا وَآسيا لِتَصنعَ عَقدًا طَويلَ الأَمدِ؛ تُقَدِّمُ وَاشنطنُ المَظلَّةَ العَسكريَّةَ وَالرَدعَ الاستراتيجيَّ، وَيَحصلُ الحُلفاءُ عَلى بِيئةٍ تَسمحُ لَهُمْ بِإِعادةِ تَوجيهِ مَواردَ كَبِيرةٍ نَحوَ البِناءِ وَالرَفاهِ. وَفِي المَقابلِ تَكتسبُ الوِلاياتُ المُتَّحدةُ قَواعدَ وَنُفُوذًا وَحُضورًا عَالميًّا يَجعلُ أَمنها يَبدأُ بَعِيدًا عَنْ شَواطئها. وَكَانتْ هُناكَ قُوَّةٌ لَا تَقلُّ أَثرًا عَنِ الجُيوشِ وَالدُولارِ؛ الجَامعاتُ وَمَختبراتُ البَحثِ وَالتِقنيَّةُ وَالثَقافةُ الشَعبيَّةُ. استطاعتِ الوِلاياتُ المُتَّحدةُ أَنْ تَجذبَ العُقولَ الَّتِي تَنتقدُ سِياساتها، وَأَنْ تَجعلَ لُغَتها وَأَفلامها وَمُنتجاتها وَتَصوُّرها لِلْفَردِ وَالنَجاحِ جُزءًا مِنْ مَخيلةِ العَالمِ. كَانتْ تَمتلكُ القُدرةَ عَلى العِقابِ، لَكِنَّها امتلكتْ كَذَلكَ القُدرةَ عَلى الإِغراءِ؛ وَهَذهِ الأَخيرةُ هِيَ مَا جَعلَ الهَيمنةَ تَبدو قِيادةً فِي عُيونِ قِطاعاتٍ وَاسعةٍ.

لَمْ يَكنِ النِظامُ الأَمريكيُّ بَرِيئًا مِنَ التَناقضِ أَوْ نَزيهًا فِي التَصرُّفاتِ وَالأَحكامِ. دَعمَ حَقَّ الشُعوبِ فِي مَواضعَ وَسَاومَ عَليهِ فِي مَواضعَ أُخْرَى، وَرَفعَ شِعارَ الحُرِّيَّةِ وَتَحالفَ مَعَ أَنظمةٍ مُستبدَّةٍ، وَتَحدَّثَ عَنِ السِيادةِ وَتَدخَّلَ فِي شُؤونِ دُولٍ عَديدةٍ. غَيرَ أَنَّ تَناقضاتهِ بَقِيتْ زَمنًا مَحوطةً بِفَائضٍ مِنَ المَنافعِ العَامَّةِ، وَبِوجودِ مُنافسٍ سُوفيتيٍّ جَعلَ البَديلَ فِي نَظرِ كَثِيرٍ مِنَ الحُلفاءِ أَقلَّ جَاذبيَّةً وَأَكثرَ كُلْفةً.

كَانَ الاتِّحادُ السُوفيتيُّ يُؤَدِّي وَظِيفةً مُزدوجةً فِي النِظامِ الأَمريكيِّ؛ خَصمًا يُبَرِّرُ التَحالفاتِ، وَمِرآةً تُجْبِرُ وَاشنطنَ عَلى الاهتمامِ بِصُورتها. فَالقُوَّةُ الَّتِي تُنَافِسُ نَموذجًا آخرَ تَحتاجُ إِلى إِقناعِ الحُلفاءِ بِأَنَّ نِظامها أَفضلُ، وَإِلى تَقديمِ المَنافعِ، وَضَبطِ جَانبٍ مِنْ تَجاوزاتها، وَاحتمالِ مَساحاتٍ مِنْ استقلالِ الشُركاءِ. وُجُودُ المُنافسِ لَا يُهَدِّدُ القُوَّةَ فَقَطْ؛ قَدْ يَحميها مِنْ غُرورها أَيضًا. لَكِنْ حِينَ انهارَ الاتِّحادُ السُوفيتيُّ، اختفى الرَادعُ المُقابلُ، وَدَخلَ النِظامُ الدَوليُّ لَحْظةً استثنائيَّةً بَدَتْ فِيها الوِلاياتُ المُتَّحدةُ بِلَا مُنافسٍ مُكافئٍ. وَفِي هَذهِ اللَحظةِ كَانَ يُمْكِنُ لِلأَحاديَّةِ القُطبيَّةِ أَنْ تَتحوَّلَ إِلى أَمانةٍ تَاريخيَّةٍ؛ قِيادةِ نِظامٍ أَكثرَ استقرارًا وَعَدلًا، وَتَوسيعِ المُؤسَّساتِ، وَإِدماجِ القُوى الصَاعدةِ فِي صُنْعِ القَرارِ. لَكِنَّها حَملتْ كَذَلكَ إِغراءً آخرَ؛ أَنْ تَتوهَّمَ القُوَّةُ أَنَّ انتصارها فِي صِراعٍ تَاريخيٍّ يَعني انتهاءَ الحَاجةِ إِلى التَواضعِ وَضَبطِ الذَاتِ.

تَسلَّلَ وَهْمُ «نِهايةِ التَاريخِ» إِلى الذَهنيَّةِ السِياسيَّةِ العَامَّةِ خُصوصًا الأَمريكيَّةَ حَتَّى عِندما لَمْ يُذْكَرْ بِالاسمِ. أَصبحَ النَموذجُ الأَمريكيُّ لَا يُقَدَّمُ بِوَصفهِ تَجربةً تَاريخيَّةً قَابلةً لِلْمُراجعةِ، بَلْ بِوَصفهِ النِهايةَ الطَبيعيَّةَ لِتَطوُّرِ المُجتمعاتِ. وَأَصبحتِ الهَيمنةُ لَا تُفْهَمُ بِوَصفها ظَرفًا استثنائيًّا يَحتاجُ إِلى تَجديدِ القَبولِ، بَلْ بِوَصفها استحقاقًا أَنجزهُ التَاريخُ وَلَا يَحقُّ لِأَحدٍ الاعتراضُ عَليهِ. هُنا بَدَأَ التَحوُّلُ مِنْ قِيادةِ النِظامِ إِلى الشُعورِ بِامتلاكهِ. لَمْ تَعدِ المُؤسَّساتُ الدَوليَّةُ سَاحاتٍ تَضبطُ الجَميعَ بِالدَرجةِ نَفسها، بَلْ أَخذتْ قِيمتها عِندَ المَركزِ تَرتبطُ بِمِقدارِ مُوافقتها عَلى القَرارِ الأَمريكيِّ. فَإِذا قَدَّمتْ غِطاءً لِلسِياسةِ استدعيتْ بِوَصفها صَوتَ الشَرعيَّةِ الدَوليَّةِ، وَإِذا عَرقلتها ظَهرتِ الدَعواتُ إِلى تَجاوزها بِاسمِ الضَرورةِ وَالمَسؤوليَّةِ الاستثنائيَّةِ. وَتَوسَّعَ مَنطقُ الاستثناءِ الأَمريكيِّ؛ فِكْرةُ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحدةَ لَيْستْ دَولةً كَغَيرها، وَأَنَّ مَوقعها وَدَورها يَمنحانها مَجالًا مِنَ الحَركةِ لَا يُتَاحُ لِسِواها. وَلَمْ تَكنِ المَشكلةُ فِي الاعترافِ بِفَرادتها وَقُوَّتِهَا، بَلْ فِي تَحوُّلِ الفَرادةِ إِلى رُخصةٍ لاختلافِ المَعاييرِ. فَالقَانونُ الَّذِي يُقَدَّمُ قَاعدةً عَامَّةً يَفقدُ جُزءًا مِنْ مَعناهُ حِينَ يُصْبِحُ مُلْزِمًا لِلآخرينَ وَقَابلًا لِلتَأويلِ أَوْ التَجاوزِ عِندَ المَركزِ.

وَغَزوُ العِراقِ عَامَ 2003 مِنْ أَكثرِ الأَمثلةِ وُضُوحًا عَلى هَذهِ اللَحظةِ. فَقَدْ أَظهرتِ الحَربُ القُدرةَ الأَمريكيَّةَ الهَائلةَ عَلى إِسقاطِ نِظامٍ عَسكريٍّ خِلالَ وَقْتٍ قَصيرٍ، لَكِنَّها كَشَفتْ فِي المَقابلِ الفَجوةَ بَيْنَ هَدمِ الدَولةِ وَبِناءِ البَديلِ، وَبَينَ السَيطرةِ عَلى الأَرضِ وَفَهمِ المُجتمعِ، وَبَينَ إِسقاطِ السُلطةِ وَإِنتاجِ الشَرعيَّةِ. انتصرَ الجَيشُ فِي المَعركةِ الأُولى، ثُمَّ بَدَأتِ السِياسةُ تَدفعُ ثَمنَ اعتقادها أَنَّ المُجتمعَ يُمْكِنُ إِعادةُ تَركيبهِ كَمَا تُركَّبُ آلةٌ بَعْدَ تَفكيكها. لَمْ تَكنِ المَعضلةُ فِي أَنَّ النِظامَ العِراقيَّ السَابقَ كَانَ صَالحًا أَوْ فَاسدًا، بَلْ فِي افتراضِ أَنَّ امتلاكَ القُوَّةِ الكَافيةِ لِإِزالتهِ يَعني امتلاكَ المَعرفةِ وَالشَرعيَّةِ وَالقُدرةِ الكَافيةِ لِبِناءِ نِظامٍ مُستقرٍّ بَعْدهُ. فَالحَربُ قَدْ تَفتحُ بَابًا، لَكِنَّها لَا تَملكُ وَحْدها أَنْ تُقَرِّرَ أَيَّ تَاريخٍ سَيدخلُ مِنهُ. وَمَا يَبدو تَحريرًا فِي لُغَةِ القُوَّةِ قَدْ يُعَاشُ احتلالًا وَفَوضى وَتَفكُّكًا فِي ذَاكرةِ المُجتمعِ الَّذِي سَقطتْ مُؤسَّساتهُ.

“فَالحَربُ قَدْ تَفتحُ بَابًا، لَكِنَّها لَا تَملكُ وَحْدها أَنْ تُقَرِّرَ أَيَّ تَاريخٍ سَيدخلُ مِنهُ.”

وَفِي أَفغانستانَ ظَهرَ التَناقضُ بِصُورةٍ مُختلفةٍ. بَدَأتِ الحَربُ فِي سِياقِ هَجماتٍ وَفَّرتْ لِلْوِلاياتِ المُتَّحدةِ تَعاطفًا دَوليًّا وَاسعًا وَغِطاءً قَويًّا لِلِدِفاعِ عَنْ نَفسها. لَكِنَّ امتدادها عَقدينِ، ثُمَّ نِهايةَ الوُجودِ العَسكريِّ فِي عَامِ 2021 وَعَودةَ حَركةِ طَالبانَ إِلى السَيطرةِ، طَرحَ سُؤالًا ثَقيلًا عَنِ العَلاقةِ بَيْنَ طُولِ الحَربِ وَنَتيجتها؛ مَاذا تَستطيعُ أَقوى آلةٍ عَسكريَّةٍ فِي التَاريخِ أَنْ تَصنعَ إِذا كَانتِ الغَايةُ السِياسيَّةُ غَيرَ قَابلةٍ لِلتَرجمةِ إِلى بِنَاءٍ مَحلِّيٍّ مُستقرٍّ؟ وَفَتحتْ كَذَلكَ أَبوابَ تَساؤلاتٍ مُختلفةٍ حَولَ الأَسبابِ الظَاهريَّةِ وَالأَسبابِ الخَفيَّةِ بِمَا فِي ذَلكَ نَهبُ الثَرواتِ وَتَدويرُ عَجلةِ الاقتصادِ الأَمريكيِّ خُصوصًا فِي مَجالِ صِناعةِ الأَسلحةِ وَالذَخائرِ وَتَجاربِ السِلاحِ وَغَيرِ ذَلكَ.

لَا تَعني هَذهِ الأَمثلةُ أَنَّ القُوَّةَ العَسكريَّةَ عَديمةُ الجَدوى، وَلَا أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحدةَ لَا تُوَاجِهُ خُصومًا حَقيقيِّينَ، وَلَا أَنَّ السِياسةَ الدَوليَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَعيشَ بِلَا رَدعٍ. لَكِنَّها تَكشفُ أَنَّ القُوَّةَ حِينَ تَتضخَّمُ خَارجَ فَهْمِ حُدودها تَتحوَّلُ مِنْ أَداةٍ لِلْنُفوذِ إِلى مَصدرٍ لِاستنزافهِ. تَستطيعُ الجُيوشُ قَتلَ الخَصمِ، لَكِنَّها لَا تَستطيعُ وَحْدها قَتلَ الأَسبابِ الَّتِي تَلدُ خُصومًا جُددًا. وَتَستطيعُ إِسقاطَ حُكومةٍ، لَكِنَّها لَا تَستطيعُ أَنْ تَأمرَ مُجتمعًا مُركَّبًا بِأَنْ يُنْتِجَ شَرعيَّةً وَفْقَ الجَدولِ الزَمنيِّ لِلْجَيشِ.

“تَستطيعُ الجُيوشُ قَتلَ الخَصمِ، لَكِنَّها لَا تَستطيعُ وَحْدها قَتلَ الأَسبابِ الَّتِي تَلدُ خُصومًا جُددًا.”

وَمَعَ اتِّساعِ الفَجوةِ بَيْنَ القُدرةِ عَلى الهَدمِ وَالقُدرةِ عَلى البِناءِ، بَدَأتْ صُورةُ القِيادةِ الأَمريكيَّةِ تَتغيَّرُ. لَمْ تَعدْ تُرَى بِوَصفها القُوَّةَ الَّتِي تَحمي النِظامَ فَقَطْ، بَلْ بِوَصفها القُوَّةَ الَّتِي تَستطيعُ إِعادةَ تَشكيلِ الدُولِ مِنْ خَارجهِ، وَتَحديدَ أَيِّ الأَنظمةِ قَابلةٌ لِلْبَقاءِ، وَأَيِّها يَنبغي إِسقاطها، ثُمَّ مُطالبةَ العَالمِ بِاعتبارِ نَتائجِ هَذا الفِعلِ جُزءًا مِنْ حِمايةِ الشَرعيَّةِ الدَوليَّةِ. وَازدادَ دَورُ العُقوباتِ الاقتصاديَّةِ بِوَصفها أَداةً تَقعُ بَيْنَ الدِبلوماسيَّةِ وَالحَربِ. لِلْعُقوباتِ وَظَائفُ مَشروعةٌ فِي بَعْضِ الحَالاتِ، لَكِنَّها حِينَ تَتوسَّعُ وَتَخرجُ مِنَ الاستثناءِ إِلى الاعتيادِ، وَحِينَ تَعتمدُ عَلى مَركزيَّةِ الدُولارِ وَالشَبكاتِ المَاليَّةِ لِمَدِّ القَانونِ الوَطنيِّ خَارجَ الحُدودِ، تَبدأُ الدُولُ فِي رُؤيةِ العُملةِ وَالنِظامِ المَاليِّ لَا بِوَصفهما مَنافعَ عَامَّةً فَحَسبُ، بَلْ بِوَصفهما نِقاطَ انكشافٍ يُمْكِنُ استعمالها ضِدَّها.

وَقَدْ تَكونُ العُقوبةُ نَاجحةً فِي إِيلامِ الخَصمِ اليَومَ، لَكِنَّها تُحَفِّزُهُ عَلى البَحثِ عَنْ بَدَائلَ غَدًا. وَهَذا أَحدُ قَوانينِ القُوَّةِ الَّتِي تَغفلُ عَنها الإِمبراطوريَّاتُ القَلقةُ؛ كُلُّ أَداةٍ تَستعملها بِإِفراطٍ تُعَلِّمُ الآخرينَ كَيْفَ يُقَلِّلُونَ اعتمادهمْ عَليها. لَا يَعني ذَلكَ أَنَّ الدُولارَ يَفقدُ مَركزيَّتهُ بِسُرعةٍ، أَوْ أَنَّ بَدِيلًا مُكتملًا قَدْ ظَهرَ، بَلْ يَعني أَنَّ الرَغبةَ فِي التَحوُّطِ مِنْ استعمالهِ السِياسيِّ أَصبحتْ جُزءًا مِنَ الحِساباتِ الاستراتيجيَّةِ لِعَددٍ مُتزايدٍ مِنَ الدُولِ. وَهَذا هُوَ السِياقُ الَّذِي تَنمو دَاخلهُ تَكتُّلاتٌ مِثلُ بُرِيكْسَ، وَمَطالبُ إِصلاحِ الحَوكمةِ فِي المُؤسَّساتِ الدَوليَّةِ، وَتَوسيعُ تَمثيلِ دُوَلِ الجَنوبِ. لَا تُمَثِّلُ هَذهِ التَكتُّلاتُ بَدِيلًا مُوحَّدًا أَوْ جَاهزًا لِلْنِظامِ الأَمريكيِّ؛ فَأَعضاؤها مُختلفونَ فِي مَصالحهمْ وَأَنظمتهمْ، وَبَعضهمْ خُصومٌ لِبَعضٍ. غَيرَ أَنَّ أَهمِّيَّتها تَكمنُ فِي دَلالتها؛ رَغبةٌ مُتَّسِعَةٌ فِي تَقليلِ قُدرةِ مَركزٍ وَاحدٍ عَلى تَعريفِ القَواعدِ وَتَوزيعِ الامتيازاتِ وَالعُقوباتِ.

فَالتَحوُّلُ الجَاري لَا يُشْبِهُ بِالضَرورةِ انتقالَ العَرشِ مِنْ إِمبراطوريَّةٍ إِلى أُخْرَى؛ قَدْ يَكونُ انتقالًا مِنَ الأَحاديَّةِ إِلى تَعدُّدٍ مُركَّبٍ، تَتوزَّعُ فِيهِ القُوَّةُ بَيْنَ مَراكزَ اقتصاديَّةٍ وَعَسكريَّةٍ وَتِقنيَّةٍ وَإِقليميَّةٍ مُختلفةٍ. وَهَذا التَحوُّلُ يَضعُ الوِلاياتِ المُتَّحدةَ أَمامَ امتحانٍ تَاريخيٍّ؛ هَلْ تَتعاملُ مَعَ التَعدُّدِ بِوَصفهِ وَاقعًا يُمْكِنُ تَنظيمهُ، أَمْ تَراهُ تَمرُّدًا يَجبُ سَحقهُ قَبلَ أَنْ يَكتملَ؟ القُوَّةُ الوَاثقةُ تَستطيعُ أَنْ تَقبلَ بِظُهورِ مَراكزَ أُخْرَى دُونَ أَنْ تَرى فِي كُلِّ استقلالٍ عَداوةً. أَمَّا القُوَّةُ القَلقةُ فَتَضعُ العَالمَ أَمامَ ثُنائيَّةٍ ضَيِّقةٍ؛ إِمَّا مَعنا أَوْ ضِدَّنا، إِمَّا دَاخلَ النِظامِ بِشُروطنا أَوْ فِي مُعسكرِ الخُصومِ. وَهَذهِ الثُنائيَّةُ قَدْ تَدفعُ دُولًا كَانتْ تُفَضِّلُ الحِيادَ أَوْ الشَراكةَ الجُزئيَّةَ إِلى الاقترابِ مِنَ المُنافسينَ، لَا حُبًّا فِيهمْ، بَلْ هَربًا مِنْ غِيابِ المَساحةِ الثَالثةِ.

وَيَنطبقُ الأَمرُ نَفسهُ عَلى الحُلفاءِ. لَمْ تَختفِ التَحالفاتُ الأَمريكيَّةُ، وَلَا تَزالُ كَثِيرٌ مِنَ الدُولِ تَرى فِي المَظلَّةِ الأَمريكيَّةِ رُكنًا أَساسيًّا لِأَمنها. لَكِنَّ الحِلفَ لَا يُقَاسُ بِبَقاءِ الاتِّفاقيَّاتِ وَالقَواعدِ وَحْدها؛ يُقَاسُ كَذَلكَ بِنَوعيَّةِ الثِقةِ الَّتِي تَسكنها. هَلْ يَرى الحَليفُ أَنَّ المَركزَ يَحفظُ مَصالحهُ وَكَرامتهُ، أَمْ يَشعرُ بِأَنَّهُ مُطالبٌ بِدَفعِ أَثمانٍ مُتزايدةٍ لِقَاءِ حِمايةٍ تُعْرَضُ أَحيانًا كَمِنَّةٍ سِياسيَّةٍ؟ حِينَ تَتحوَّلُ الشَراكةُ إِلى مُساومةٍ مُستمرَّةٍ، يَبدأُ الحَليفُ بِالتَفكيرِ فِي الاستقلالِ النِسبيِّ. قَدْ يَبقى دَاخلَ التَحالفِ، لَكِنَّهُ يَبني قُدراتهِ الذَاتيَّةَ، وَيُنَوِّعُ عَلاقاتهِ التِجاريَّةَ، وَيَفتحُ قَنواتٍ مَعَ المُنافسينَ، وَيَرفضُ الاصطفافَ الكَاملَ فِي بَعْضِ المَلفَّاتِ. هَذهِ المُوازنةُ لَا تَعني انهيارَ النِظامِ فَوْرًا، لَكِنَّها تَعني أَنَّ الوَلاءَ لَمْ يَعدْ تِلقائيًّا، وَأَنَّ الثِقةَ أَخذتْ تَفسحُ مَكانًا لِلْحِسابِ.

وَمِنْ أَعمقِ أَسبابِ هَذا التَآكلِ اتِّساعُ الفَجوةِ بَيْنَ الخِطابِ الأَخلاقيِّ وَالمُمارسةِ. لَمْ تَكنِ السِياسةُ الأَمريكيَّةُ يَومًا خَاليةً مِنِ ازدواجيَّةِ المَعاييرِ، لَكِنَّ قُدرتها عَلى تَقديمِ نَفسها حَاميةً لِلْقَانونِ وَالحُرِّيَّةِ سَمحتْ لَهَا بِتَحويلِ قِيمها المُعلنةِ إِلى قُوَّةٍ رَمزيَّةٍ. وَكُلَّما تَكرَّرَ استعمالُ المَبادئِ ضِدَّ الخُصومِ وَالتَغاضي عَنها عِندَ الحُلفاءِ، ضَعفتْ هَذهِ القُوَّةُ. المَشكلةُ لَيْستْ أَخلاقيَّةً مُجرَّدةً، بَلْ استراتيجيَّةٌ. فَالخِطابُ الأَخلاقيُّ يَمنحُ السِياسةَ شَرعيَّةً تَتجاوزُ الخَوفَ وَالمَصلحةَ العَاجلةَ. فَإِذا فَقَدَ صِدقيَّتهُ، احتاجتِ الدَولةُ إِلى مَزيدٍ مِنَ الضَغطِ لِتَحقيقِ النَتيجةِ نَفسها. وَحِينَ يَسمعُ العَالمُ حَديثًا عَنِ القَانونِ ثُمَّ يَستحضرُ فَوْرًا قَائمةَ الاستثناءاتِ، تَكونُ اللُغةُ قَدْ فَقَدتْ جُزءًا مِنْ سُلطتها، حَتَّى لَوْ بَقِيتِ الأَدواتُ المَادِّيَّةُ لِلْدَولةِ هَائلةً. وَلَا يَعني ذَلكَ أَنَّ القُوى المُنافسةَ أَكثرُ عَدلًا أَوْ رَحمةً، أَوْ أَنَّ البَدائلَ الصَاعدةَ تُقَدِّمُ نِظامًا أَخلاقيًّا مُتكاملًا. كَثِيرٌ مِنها يَحملُ نَزعاتٍ سُلطويَّةً وَمَصالحَ تَوسُّعيَّةً وَتَناقضاتٍ لَا تَقلُّ خَطرًا. لَكِنَّ شَرعيَّةَ القِيادةِ الأَمريكيَّةِ لَا تُقَاسُ بِسُوءِ خُصومها فَقَطْ، بَلْ بِوَفائها هِيَ لِلْمَعاييرِ الَّتِي جَعلتها أَساسًا لِقِيادتها. لَا يَكفي أَنْ يَكونَ المُنافسُ أَسوأَ كَيْ يَبقى النِظامُ القَائمُ جَديرًا بِالثِقةِ إِلى غَيرِ نِهايةٍ.

“وَحْشيةُ الهَيمنةِ هِيَ أَنْ تَقفَ القُوَّةُ فِي قِمَّةٍ لَا يَزالُ الجَميعُ يَراها، لَكِنَّ عَددَ الَّذِينَ يَرونَ مُستقبلهمْ مَعها يَتناقصُ.”

ثُمَّ تَأتي الأَزمةُ الدَاخليَّةُ لِتَزيدَ المَسألةَ تَعقيدًا. فَالإِمبراطوريَّةُ لَا تَعيشُ فَوْقَ شَعبها، بَلْ تُمَوَّلُ مِنْ اقتصادهِ وَثِقتهِ وَمُؤسَّساتهِ. وَمَا دَامَ المُواطنُ يَرى أَنَّ الدَورَ العَالميَّ يَعودُ عَليهِ بِأَمنٍ وَازدهارٍ وَمَكانةٍ، يَحتملُ كُلْفتهُ. لَكِنْ حِينَ تَتَّسعُ الفَجواتُ الاجتماعيَّةُ، وَتَضعفُ الثِقةُ بِالمُؤسَّساتِ، وَتَتصلَّبُ الانقساماتُ، يَبدأُ السُؤالُ عَنِ العَلاقةِ بَيْنَ مَا يُنْفَقُ عَلى إِدارةِ العَالمِ وَمَا يُتْرَكُ مِنْ جِراحِ الدَاخلِ. الدَولةُ الَّتِي تُرِيدُ إِقناعَ العَالمِ بِأَنَّ نِظامها هُوَ المُستقبلُ تَحتاجُ إِلى أَنْ يَبدوَ هَذا المُستقبلُ قَابلًا لِلْحَياةِ دَاخلها. فَإِذا أَصبحتِ الدِيمقراطيَّةُ نَفسها مَحلَّ نِزاعٍ دَاخليٍّ حَادٍّ، وَإِذا اهتزَّتِ الثِقةُ فِي العَدالةِ وَالمُؤسَّساتِ وَالانتقالِ السِياسيِّ، ضَعفتِ القُدرةُ الرَمزيَّةُ عَلى تَصديرِ النَموذجِ. لَا يُلْغِي ذَلكَ قُوَّةَ الاقتصادِ وَالجَامعاتِ وَالتِقنيَّةِ، لَكِنَّهُ يَخصمُ مِنَ المَعنى الَّذِي يُحَوِّلُ هَذهِ القُوَّةَ إِلى قِيادةٍ حَضاريَّةٍ.

وَمَعَ ذَلكَ كُلِّهِ، لَا يُمْكِنُ إِنكارُ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحدةَ لَا تَزالُ تَملكُ عَناصرَ قُوَّةٍ استثنائيَّةٍ؛ اقتصادًا ضَخمًا، وَجَامعاتٍ وَمَختبراتٍ، وَقُدرةً عَلى جَذبِ المَواهبِ، وَتَحالفاتٍ وَاسعةً، وَتَفوُّقًا عَسكريًّا وَتِقنيًّا، وَعُملةً مَركزيَّةً، وَمَوقعًا جُغرافيًّا مُميَّزًا. وَلِذلكَ لَا يَصحُّ الحَديثُ عَنها بِوَصفها إِمبراطوريَّةً انهارتْ، بَلْ بِوَصفها قُوَّةً تُوَاجِهُ تَآكلًا فِي قُدرتها عَلى احتكارِ النِظامِ وَالشَرعيَّةِ وَالقَرارِ، وَقَدْ بَدَأتْ تَدخلُ مَراحلَ أُفُولٍ مُتدرِّجٍ وَلَكنَّهُ مُتلاحقٌ. وَهَذهِ المُفارقةُ هِيَ مَا يَجعلُ اللَحظةَ الأَمريكيَّةَ شَديدةَ التَعقيدِ؛ القُوَّةُ المَادِّيَّةُ مَا تَزالُ هَائلةً، لَكِنَّ مِقدارَ الثِقةِ فِي طَريقةِ استعمالها يَتراجعُ. التَحالفاتُ مَا تَزالُ وَاسعةً، لَكِنَّ الحُلفاءَ أَكثرُ مَيلًا إِلى التَحوُّطِ. الدُولارُ مَا يَزالُ مَركزيًّا، لَكِنَّ البَحثَ عَنْ مَنافذَ تُقَلِّلُ الانكشافَ أَمامهُ يَتَّسعُ. المُؤسَّساتُ مَا تَزالُ قَائمةً، لَكِنَّ تَمثيلها لِقُوى العَالمِ الجَديدةِ مَوضعُ اعتراضٍ. الثَقافةُ الأَمريكيَّةُ مَا تَزالُ جَذَّابةً، لَكِنَّ السِياسةَ الأَمريكيَّةَ لَمْ تَعدْ تَستفيدُ آليًّا مِنْ هَذا الجَذبِ كَمَا كَانتْ مِنْ قَبلُ.

وَهُنا تُولَدُ وَحْشيةُ الهَيمنةِ؛ أَنْ تَقفَ القُوَّةُ فِي قِمَّةٍ لَا يَزالُ الجَميعُ يَراها، لَكِنَّ عَددَ الَّذِينَ يَرونَ مُستقبلهمْ مَعها يَتناقصُ. تُحِيطُ بِهَا التَحالفاتُ، لَكِنَّها لَا تَعرفُ مِقدارَ مَا فِيها مِنْ ثِقةٍ وَمِقدارَ مَا فِيها مِنْ اضطرارٍ. تَحصلُ عَلى الطَاعةِ، لَكِنَّها تَشكُّ فِي دَوافعِ المُطيعينَ. تَزيدُ أَدواتِ الضَغطِ لِأَنَّها لَمْ تَعدْ تَطمئنُّ إِلى فَاعليَّةِ الجَاذبيَّةِ القَديمةِ، ثُمَّ يُصْبِحُ ازديادُ الضَغطِ نَفسهُ سَببًا فِي زِيادةِ النُفورِ. وَحْشيةُ الهَيمنةِ هِيَ أَنْ تَكونَ قَادرًا عَلى الوُصولِ إِلى كُلِّ مَكانٍ، وَعَاجزًا عَنْ ضَمانِ أَنْ يَبقى مَا بَنَيتهُ بَعْدَ أَنْ تُغَادِرَ. أَنْ يَخشاكَ الخُصومُ وَلَا يَثقَ بِكَ الحُلفاءُ تَمامًا. أَنْ تَملكَ أَكبرَ صَوتٍ فِي المُؤسَّساتِ، لَكِنَّكَ تَحتاجُ بِاستمرارٍ إِلى إِثباتِ أَنَّ المُؤسَّساتِ لَمْ تَتحوَّلْ إِلى امتدادٍ لِصَوتكَ. أَنْ تَحرسَ نِظامًا عَالميًّا، بَيْنما يَتساءلُ كَثِيرونَ إِنْ كَانَ النِظامُ مَا يَزالُ عَالميًّا حَقًّا، أَمْ إِنَّهُ بِنَاءٌ يَحفظُ تَفوُّقَ مَركزهِ الأَوَّلِ وَأَداةٌ فِي يَدِ مَنْ يُمْسِكُ بِزِمامهِ فِعْليًّا.

وَلَا يُمَثِّلُ هَذا المَسارُ قَدرًا مِيكانيكيًّا لَا رَجعةَ فِيهِ. تَستطيعُ الوِلاياتُ المُتَّحدةُ أَنْ تُجَدِّدَ قِيادتها إِذا أَعادتْ فَهْمَ العَظمةِ بِوَصفها قُدرةً عَلى بِنَاءِ التَوافقِ، لَا احتكارِ القَرارِ؛ وَإِذا قَبلتْ بِأَنَّ عَالمًا مُتعدِّدَ المَراكزِ لَا يَعني عَالمًا مُعاديًا لَهَا بِالضَرورةِ؛ وَإِذا سَاعدتْ فِي إِصلاحِ المُؤسَّساتِ بَدَلَ استعمالِ ضَعفِ تَمثيلها لِحِراسةِ امتيازٍ تَاريخيٍّ؛ وَإِذا أَعادتْ بِنَاءَ عَقدها الدَاخليِّ وَرَبطتْ قُوَّتها الخَارجيَّةَ بِمَعاييرَ أَكثرَ اتِّساقًا. وَلَكنَّني أَرى، شَخصيًّا، صُعوبةَ تَحقيقِ هَذا الأَمرِ بِسَببِ الخِطابِ الشَعبويِّ الأَمريكيِّ وَغَطرسةِ القُوَّةِ الَّتِي دَفعتها لِلْتَعاملِ التَسلُّطيِّ المَكشوفِ خُصوصًا فِي عَهدِ رَئيسها الحَاليِّ الَّذِي يَتصرَّفُ بِكُلِّ تَجبُّرٍ وَتَغوُّلٍ وَشُعورٍ بِالعَظمةِ دُونَ رَادعٍ أَوْ مَانعٍ. وَقَدْ يَكونُ الانتقالُ مِنَ القُوَّةِ الوَحيدةِ فَوْقَ النِظامِ إِلى القُوَّةِ الأُولى دَاخلهُ أَقلَّ مَجدًا فِي المَخيلةِ الإِمبراطوريَّةِ، لَكِنَّهُ أَكثرُ أَمانًا لِلْدَولةِ الأَمريكيَّةِ. فَالقِيادةُ بِالشَراكةِ تَستطيعُ أَنْ تُطِيلَ عُمرَ النُفوذِ، أَمَّا مُقاومةُ كُلِّ تَحوُّلٍ فِي مَوازينِ العَالمِ فَقَدْ تَستنزفُ القُوَّةَ فِي مَعاركِ مَنعٍ لَا تَنتهي. التَاريخُ لَا يَتوقَّفُ عِندَ لَحْظةِ ذِروةٍ، وَالدَولةُ الَّتِي تُحَاوِلُ تَجميدهُ عِندَ صُورتها المُفضَّلةِ تَتحوَّلُ مِنْ صَانعةٍ لِلْمُستقبلِ إِلى حَارسةٍ مُسلَّحةٍ لِلْمَاضي.

“التَاريخُ لَا يَتوقَّفُ عِندَ لَحْظةِ ذِروةٍ، وَالدَولةُ الَّتِي تُحَاوِلُ تَجميدهُ عِندَ صُورتها المُفضَّلةِ تَتحوَّلُ مِنْ صَانعةٍ لِلْمُستقبلِ إِلى حَارسةٍ مُسلَّحةٍ لِلْمَاضي.”

لَيْسَ السُؤالُ إِذنْ هَلْ تَختفي الوِلاياتُ المُتَّحدةُ، وَلَا هَلْ تَفقدُ كُلَّ عَناصرِ قُوَّتِهَا، بَلْ هَلْ تَستطيعُ أَنْ تُنْقِذَ الدَولةَ مِنَ الإِفراطِ الإِمبراطوريِّ، وَأَنْ تُعِيدَ بِنَاءَ الشَرعيَّةِ قَبلَ أَنْ يُصْبِحَ الإِكراهُ لُغَتها الأَساسيَّةَ، وَأَنْ تَقبلَ بِشَراكةٍ حَقيقيَّةٍ قَبلَ أَنْ يَفرضَ عَليها التَعدُّدُ نَفسهُ بِشُروطٍ لَا تَملكها؟ فَقَدْ تَفقدُ أَمريكا بَعْضَ امتيازاتِ الإِمبراطوريَّةِ وَتَبقى دَولةً شَديدةَ القُوَّةِ وَالثَراءِ وَالابتكارِ. وَقَدْ تَتحرَّرُ مِنْ وَهْمِ الاحتكارِ فَتَجدُ شَكلًا جَديدًا مِنَ القِيادةِ أَقلَّ استنزافًا وَأَكثرَ دَوامًا. لَكِنَّ ذَلكَ يَتطلَّبُ مِنها أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ العَظمةِ وَالهَيمنةِ، وَبَينَ خِدمةِ النِظامِ وَامتلاكهِ، وَبَينَ الحَليفِ الَّذِي يُشَارِكُهَا وَالطَرفِ الَّذِي يَدفعُ لَهَا ثَمنَ الحِمايةِ. وَحِينَ تَفهمُ القُوَّةُ أَنَّ نُزُولَهَا عَنِ العَرشِ المُنفردِ لَا يَعني خُروجها مِنَ التَاريخِ، يُصْبِحُ التَراجعُ النِسبيُّ قَابلًا لِلْتَحوُّلِ إِلى تَجدُّدٍ. أَمَّا إِذا رَأتْ فِي كُلِّ شَريكٍ مُنافسًا، وَفِي كُلِّ استقلالٍ تَمرُّدًا، وَفِي كُلِّ تَعدُّدٍ سُقوطًا، فَقَدْ تَستهلكُ الدَولةُ نَفسها دِفاعًا عَنْ تَاجٍ خَارجيٍّ لَمْ يَعدِ العَالمُ مُستعدًّا لِلِاعترافِ لَهُ بِالقَداسةِ القَديمةِ.

وَمِنْ هُنا يَفتحُ السُؤالُ التَالي بَابًا آخرَ: إِذا كَانَ الَّذِي يَتآكلُ هُوَ الإِمبراطوريَّةُ لَا الدَولةُ بِالضَرورةِ، فَمَا الَّذِي يَبقى مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحدةِ بَعْدَ انكسارِ تَاجها الخَارجيِّ؟ وَهَلْ تَستطيعُ الجُمهوريَّةُ أَنْ تَنجوَ مِنْ أُفُولِ إِمبراطوريَّتها، أَمْ إِنَّ المُؤسَّساتِ وَالمُجتمعَ وَالاقتصادَ قَدْ تَشرَّبتْ مَنطقَ الهَيمنةِ إِلى حَدٍّ يَجعلُ الفَصلَ بَيْنهما أَكثرَ صُعوبةً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى