الأدبوحي الخاطر

قلب ملائكي

حِينَ تَجَلَّى لِي وَجْهُكِ البَاكِي ذَاتَ شَوْقٍ، بَدْرًا مُرْتَعِشًا عَلَى صَفْحَةِ غَدِيرِ حُلْمٍ عَابِقٍ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ العَفْوَ سَيَسْبِقُ صَفْحِي، وَأَنَّ القَلْبَ سَيُسْقِطُ مِنْ سِجِلِّ العِتَابِ كُلَّ زَلَّاتِكِ الصَّغِيرَاتِ قَبْلَ أَنْ أَمُدَّ إِلَيْهَا يَدَ التَّجَاوُزِ. أَوْ لَعَلَّهَا تَصَاغَرَتْ فِي خَاطِرِي أَمَامَ جَلَالِ قَلْبِكِ المَلَائِكِيِّ، كَرِيمِ الرِّفْدِ، عَظِيمِ الوُدِّ، عَمِيمِ الوَفَاءِ؛ فَمَا عَادَتْ تَبْدُو لِي إِلَّا حَصًى صَغِيرًا أَلْقَاهُ القَلَقُ فِي نَهْرٍ عَمِيقٍ، فَارْتَجَّتْ لَهُ صَفْحَتُهُ لَحْظَةً، ثُمَّ عَادَ المَاءُ إِلَى سَكِينَتِهِ، وَغَابَ الحَصَى فِي قَاعٍ لَا يَبْلُغُهُ البَصَرُ.

وَبَقِيتُ، وَالذِّكْرَى تُؤْنِسُنِي بِطَيْفِكِ المُرَفْرِفِ، فَرَاشَةَ تَوْقٍ حَوْلَ وَهَجِ الرُّوحِ الوَادِعَةِ، أَسْتَدْفِئُ بِيَقِينِ الثِّقَةِ بِكِ، وَأَسْمَعُ فِي أَنِينِ اللَّحَظَاتِ الحَالِمَةِ خُطُوَاتِ لِقَاءٍ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ، وَلَكِنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنِّي كُلَّمَا أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ عَلَى صُورَتِكِ. كَأَنَّ الوَقْتَ، وَهُوَ يَمْضِي بِنَا، لَا يَبْتَعِدُ عَنْ مَوْعِدِنَا، بَلْ يَدُورُ حَوْلَهُ فِي مَدَارٍ خَفِيٍّ، وَكَأَنَّ كُلَّ سَاعَةٍ تَنْقَضِي تَنْحَتُ فِي صَخْرِ المَسَافَةِ دَرَجَةً أُخْرَى تَقُودُنَا إِلَى بَعْضِنَا.

عَظِيمٌ هُوَ الحُبُّ؛ وَأَعْظَمُ مِنْهُ الهَنَاءُ فِيهِ، وَالتَّنَعُّمُ بِمَا يَهَبُ النَّفْسَ مِنْ سَكِينَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ. يَنْسُجُ مِنْ حَرِيرِ الحُنُوِّ شَالَ دِفْءٍ يُوَشِّي المَشَاعِرَ بِزُمُرُّدِ الحَنِينِ، وَيَغْرِسُ مِنْ خَرِيرِ الصَّفْوِ أَزَاهِيرَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، وَبَسَاتِينَ ذَاتَ ظِلٍّ وَثَمَرٍ. وَيَمُرُّ عَلَى مَا يَبِسَ فِي دَوَاخِلِنَا، فَيَرُدُّ إِلَيْهِ ذَاكِرَةَ الاخْضِرَارِ، وَعَلَى مَا تَصَدَّعَ مِنْ جُدْرَانِ الرُّوحِ، فَيَسُدُّ شُقُوقَهَا بِصَلْصَالِ الرَّحْمَةِ وَحِكْمَةِ الاحْتِوَاءِ.

وَمَا الحُبُّ العَظِيمُ بِذَلِكَ الصَّخَبِ الَّذِي يَمْلَأُ الأُذُنَ ثُمَّ يَتْرُكُ القَلْبَ خَاوِيًا؛ إِنَّمَا هُوَ ذَلِكَ الهَمْسُ الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ بِأَنْ يَسْمَعَهُ العَالَمُ مَا دَامَ قَلْبَانِ قَدْ فَهِمَاهُ. هُوَ يَدٌ تَعْرِفُ مَتَى تَمْتَدُّ، وَمَتَى تَكُفُّ، وَمَتَى تُرَبِّتُ عَلَى المَوْضِعِ الَّذِي لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الجُرْحِ. وَهُوَ عَيْنٌ تَقْرَأُ مَا تَخْفِيهِ الابْتِسَامَةُ، وَأُذُنٌ تَسْمَعُ مَا يَقُولُهُ الصَّمْتُ، وَصَدْرٌ يَتَّسِعُ لِمَا تَضِيقُ عَنْهُ عِبَارَاتُ العِتَابِ وَالاعْتِذَارِ.

وَإِذْ سُقْتِ لَفْحَةَ الغَيْرَةِ دَلِيلًا عَلَى الحُبِّ وَبُرْهَانًا، وَخَدَشْتِ بِأَظْفَارِهَا بَلُّورَةَ الوُدِّ الصَّقِيلَةَ فِي القُلُوبِ، وَأَرْهَقْتِ بِنَزَقِهَا رِحْلَةَ العُمْرِ المُسَافِرِ إِلَيْكِ، يَسْتَحِثُّ هَوْدَجَ الوَقْتِ بِسَوْطِ التَّوْقِ، وَبِصَوْتِ العِشْقِ السَّاجِي عَلَى وَجْهِ الأَمَلِ؛ لَمْ أَغْضَبْ مِنْ غَيْرَتِكِ قَدْرَ مَا أَشْفَقْتُ عَلَيْهَا مِنْ أَنْ تَضِلَّ الطَّرِيقَ بَيْنَ الحُبِّ وَالخَوْفِ، وَمِنْ أَنْ تَظُنَّ، وَهِيَ تَحْرُسُ الوَرْدَةَ، أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَخْنُقَ عُنُقَهَا كَيْلَا تَمِيلَ لِلرِّيحِ.

فَالغَيْرَةُ، يَا حَبِيبَةُ، لَيْسَتْ عَذَابًا وَاحْتِرَابًا، وَلَا سَيْفًا مُعَلَّقًا فَوْقَ رَأْسِ الوُدِّ؛ إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ أَلْقَاهَا اللهُ فِي القُلُوبِ، وَغَرِيزَةُ صَوْنٍ تَسْتَيْقِظُ حِينَ يَخْشَى المُحِبُّ عَلَى مَا أَحَبَّ مِنْ عَبَثِ العَابِثِينَ. وَلَكِنَّهَا، كَالنَّارِ، إِنْ لَمْ تَضْبِطْهَا حِكْمَةُ الثِّقَةِ، خَرَجَتْ مِنْ مِصْبَاحِهَا، فَأَحْرَقَتِ البَيْتَ الَّذِي جَاءَتْ لِتُضِيئَهُ، وَالْتَهَمَتِ الوَرْدَ الَّذِي أُوقِدَتْ لِتَدْفِئَ جُذُورَهُ. وَقَدْ زَكَّى اللهُ الحُبَّ عَنِ الخَطَلِ وَالخَذْلِ، وَعَنِ الظُّنُونِ الَّتِي تُرْتَكَبُ بِاسْمِهِ تِلْكَ الذُّنُوبُ؛ فَمَا كُلُّ مَا خَافَ عَلَيْنَا كَانَ مُحِبًّا، وَلَا كُلُّ مَا ضَيَّقَ عَلَيْنَا كَانَ حَارِسًا. وَرُبَّ خَوْفٍ لَبِسَ ثَوْبَ المَحَبَّةِ، وَمَا هُوَ إِلَّا رَهْبَةُ الفَقْدِ وَحُبُّ التَّمَلُّكِ؛ وَرُبَّ غَيْرَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا تَصُونُ القَلْبَ، وَهِيَ تَنْقُرُ فِي جُدْرَانِهِ حَتَّى يَتَسَلَّلَ مِنْهَا الشَّكُّ كَمَاءٍ مَالِحٍ يُفْسِدُ عُذُوبَةَ اليَقِينِ.

الغَيْرَةُ فِي أَمْثَلِهَا إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الذَّاتِ أَنْ تُعَابَ، أَوْ أَنْ تُرَابَ، أَوْ أَنْ تُصَابَ؛ فَيَكُونُ الاجْتِهَادُ فِي إِصْلَاحِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا، لِتَسْمُوَ فَوْقَ غَيْرِهَا رِفْعَةً وَسُلُوكًا. هِيَ أَنْ يَغَارَ المُحِبُّ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى سُوءِ الظَّنِّ، وَعَلَى لِسَانِهِ مِنْ أَنْ يَجْرَحَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَصُونُهُ، وَعَلَى مَوَدَّتِهِ مِنْ أَنْ تَتَلَوَّثَ بِكَدَرِ الاتِّهَامِ. فَأَشْرَفُ الغَيْرَةِ مَا جَعَلَتِ الإِنْسَانَ أَجْمَلَ خُلُقًا، وَأَوْفَى عَهْدًا، وَأَحْرَصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ جَدِيرًا بِمَنْ أَحَبَّ. وَالغَيْرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ لِلحَبِيبِ إِيثَارًا، وَاعْتِبَارًا، وَانْتِصَارًا؛ تَرُدُّ عَنْهُ مَا يُؤْذِيهِ، وَلَا تُحَمِّلُهُ وِزْرَ مَا لَمْ يَفْعَلْ، وَتَحْرُسُ مَقَامَهُ، وَلَا تَحْبِسُ خُطَاهُ. فَإِنْ هِيَ تَعَدَّتْ لِتُصْبِحَ عَلَى الحَبِيبِ، غَدَتْ أَثَرَةَ تَمَلُّكٍ وَتَسَلُّطٍ، وَبَاتَتْ دَلِيلَ حُبٍّ غَالِبٍ لِلنَّفْسِ، وَاهْتِمَامٍ بَالِغٍ بِالذَّاتِ، وَاضْطِرَابٍ فِي المَعَانِي وَالمَعَايِيرِ الَّتِي قَدَّرَهَا الخَالِقُ نَامُوسَ حَيَاةٍ.

سَلَامٌ بَيْنَنَا وَلَا حَرْبٌ، وَالْتِزَامٌ بِنَا مَهْمَا اشْتَدَّ كَرْبٌ. وَلَيْسَ ثَمَّةَ إِلَّا احْتِوَاءٌ وَاجْتِبَاءٌ، وَعِتَابٌ وَاسْتِرْضَاءٌ؛ نَخْتَلِفُ فَلَا نَخْتَصِمُ، وَنَعْتَبُ فَلَا نَهْدِمُ، وَنَتَأَلَّمُ فَلَا نَجْعَلُ الأَلَمَ مِدْيَةً نَتَبَادَلُ بِهَا الطَّعْنَ. فَلَيْسَ الظَّفَرُ فِي الحُبِّ أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُنَا الآخَرَ، بَلْ أَنْ نَغْلِبَ مَعًا مَا كَادَ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا. فَالحُبُّ لَا يَقُولُ لِلحَبِيبِ: كُنْ لِي كَمَا أَشْتَهِي، بَلْ يَقُولُ لَهُ: كُنْ أَنْتَ كَمَا أَحْبَبْتُكَ، وَدَعْنِي أَكُونُ لَكَ مَكَانًا آمِنًا تَكْبُرُ فِيهِ، لَا قَفَصًا مُذَهَّبًا تَذْبُلُ فِي أَرْكَانِهِ. وَلَيْسَ مِنَ الوُدِّ أَنْ نَحْرُسَ الآخَرَ مِنَ الحَيَاةِ، بَلْ أَنْ نَحْرُسَ حَيَاتَنَا مَعَهُ مِنَ الخَوْفِ، وَمِنْ تَأْوِيلٍ يَتَكَاثَرُ فِي الظُّلْمَةِ حَتَّى يُصْبِحَ شَبَحًا لَا أَصْلَ لَهُ.

هَكَذَا شَأْنُ المُحِبِّينَ؛ لَا يَنْفَكُّ يَدْفَعُهُمُ الارْتِيَابُ لِنَزَقٍ، وَيَلْفَحُهُمُ الغِيَابُ بِقَلَقٍ، وَيَؤُزُّهُمُ العِتَابُ بِفَرَقٍ، وَتَبْقَى المَشَاعِرُ فِي القُلُوبِ سَوِيَّةً، بَهِيَّةً، نَقِيَّةً، وَفِيَّةً. تَمُرُّ بِهَا الغُيُومُ فَلَا تَتَحَوَّلُ إِلَى سَمَاءٍ مِنْ عَتَمَةٍ، وَتَهُبُّ عَلَيْهَا الرِّيحُ فَلَا تَقْتَلِعُ جُذُورَهَا؛ لِأَنَّ مَا أُسِّسَ عَلَى صِدْقٍ لَا تَهْدِمُهُ رَجْفَةُ شَكٍّ، وَمَا سُقِيَ بِالوَفَاءِ لَا يُيَبِّسُهُ عِتَابٌ عَابِرٌ. وَإِنِّي أُحِبُّكِ بِأَحْلَامِ عُمْرِ انْتِظَارِكِ الَّتِي أُتْرِعَتْ بِالصَّبِّ، وَبِأَيَّامِ عُمْرِ احْتِوَائِكِ الَّتِي ضَمَّتِ القَلْبَ لِلقَلْبِ بِرِبَاطٍ وَثِيقٍ. أُحِبُّكِ بِكُلِّ لَيْلَةٍ أَقَامَ فِيهَا طَيْفُكِ عَلَى شُرْفَةِ سَهَرِي، وَبِكُلِّ صَبَاحٍ أَفَاقَ فِيهِ اسْمُكِ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ العَيْنُ نَافِذَتَهَا عَلَى النَّهَارِ. أُحِبُّكِ بِمَا كَانَ، وَبِمَا يَكُونُ، وَبِمَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَلَكِنَّهُ يَنْتَظِرُنَا فِي غَدٍ يَتَعَلَّمُ مِنْ خُطَانَا كَيْفَ يَجِيءُ.

وَامِقٌ أَنَا، غَيْرُ آبِقٍ وَلَا مُفَارِقٍ؛ فَلَا تَجْزَعِي إِذَا طَافَ عَلَيْنَا طَائِفٌ مِنْ كَدَرٍ، وَلَا تَقْذِفِي الفُؤَادَ بِأَدْرَانِ الخَطِيئَةِ كُلَّمَا هَزَّكِ الوَجْدُ بِحَدِيثٍ خَبِيثٍ، أَوْ بِظَنٍّ حَثِيثٍ، أَوْ بِنَابِ تَأْوِيلٍ نَفِيثٍ. إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَبَعْضَ التَّأْوِيلِ سَمٌّ يَشْرَبُهُ القَلْبُ وَهُوَ يَحْسَبُهُ دَوَاءً لِخَوْفِهِ. فَاسْأَلِينِي قَبْلَ أَنْ تُجِيبَكِ الهَوَاجِسُ عَنِّي، وَافْتَحِي لِصَوْتِي بَابًا قَبْلَ أَنْ تَبْنِيَ الظُّنُونُ فِي دَاخِلِكِ جُدْرَانًا.
وَعَاشِقٌ أَنَا، غَيْرُ رَاشِقٍ؛ لَا أَرْمِي قَلْبَكِ بِسِهَامِ العِتَابِ كَيْ يَنْزِفَ، بَلْ أَضَعُ عِتَابِي بَيْنَ يَدَيْكِ كَوَرْدَةٍ فِي أَشْوَاكِهَا شَيْءٌ مِنْ وَجَعِي، وَفِي عِطْرِهَا كُلُّ مَا بَقِيَ لَكِ مِنْ حَنَانِي. فَتَعَالَيْ نُعَانِقِ النَّشْوَةَ رَبِيعَ فَجْرٍ دَائِمٍ، وَنَرْسُمْ عَلَى جَبِينِ القَمَرِ أَسَارِيرَ دَهْشَةٍ وَبَهْجَةٍ، وَنَدَعْ لِلَّيْلِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ أَسْرَارِنَا، وَلِلصَّبَاحِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ وُعُودِنَا.

فَلَيْسَ أَجْمَلُ مِنْكِ عِنْدِي رَقِيقَةً نَقِيَّةً؛ أُغَازِلُكِ فَيَبْتَسِمُ الخَفَرُ فِي دَمْعِ العَيْنِ بَهِيًّا، وَيَنْضُجُ التُّفَّاحُ فِي صَحْنِ الخَدِّ شَهِيًّا. أُشَاغِلُكِ فَيُدَاعِبُ نَسِيمُ الدَّلَالِ جُفُونَكِ، وَيُضَاحِكُ يَاقُوتُ اللَّمَى لَآلِئَ الحُسْنِ فِي الثَّغْرِ الرَّطِيبِ. وَيَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ كَلِمَاتِكِ ذَلِكَ الحَيَاءُ الَّذِي لَا يُخْفِي الجَمَالَ، بَلْ يَزِيدُهُ وُضُوحًا، كَمَا تَزِيدُ السَّحَابَةُ الرَّقِيقَةُ البَدْرَ فِتْنَةً حِينَ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا تَحْجُبُهُ.

سَلَامٌ بَيْنَنَا وَلَا حَرْبٌ، وَوُدٌّ يَبْقَى وَلَا يَغْرُبُ، وَعَهْدٌ إِذَا أَضْنَاهُ العِتَابُ أَرَاحَهُ الصَّفْحُ، وَإِذَا أَرْهَقَهُ الخَوْفُ رَدَّتْهُ الثِّقَةُ إِلَى سَكِينَتِهِ. وَحَسْبُنَا مِنَ الحُبِّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا مَا يَجْعَلُنَا، كُلَّمَا أَوْشَكْنَا أَنْ نَبْتَعِدَ، نَعْرِفُ أَنَّ الطَّرِيقَ الوَحِيدَ الَّذِي يَلِيقُ بِنَا هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يُعِيدُنَا إِلَى بَعْضِنَا.

فَأَقْبِلِي نَخْلَعْ عَنِ الغَيْرَةِ دِرْعَ الخَوْفِ، وَنُعِيدْهَا إِلَى طَبِيعَتِهَا الأُولَى؛ يَدًا تَصُونُ وَلَا تُقَيِّدُ، وَعَيْنًا تَحْرُسُ وَلَا تَتَّهِمُ، وَقَلْبًا يَخَافُ عَلَى الحَبِيبِ وَلَا يُخِيفُهُ. أَقْبِلِي نَجْعَلْ مِنَ العِتَابِ مَاءً يَغْسِلُ القَلْبَ، لَا مِلْحًا يَزِيدُ جُرْحَهُ، وَمِنَ الصَّفْحِ فَجْرًا لَا يَمْحُو اللَّيْلَ مِنَ الذَّاكِرَةِ، وَلَكِنَّهُ يَرُدُّ إِلَى العَيْنِ قُدْرَتَهَا عَلَى رُؤْيَةِ الطَّرِيقِ. وَأَقْبِلِي؛ إِنَّ فِي العُمْرِ بَقِيَّةً تَسْتَحِقُّ، وَفِي فَضَاءَاتِ الوُدِّ العَامِرِ مَا يُقِيمُ عَلَى قِمَمِ السُّرُورِ حَدَائِقَ مِنْ جَذَلٍ، وَنَمَارِقَ مِنْ أَمَلٍ، وَعَرَائِشَ مِنْ وِئَامٍ وَاحْتِرَامٍ. أَقْبِلِي، فَلَا يَلِيقُ بِحُبٍّ كَحُبِّنَا أَنْ يَشِيخَ عَلَى عَتَبَةِ ظَنٍّ، وَلَا بِقَلْبَيْنِ عَرَفَا مَعْنَى الوَفَاءِ أَنْ يُضَيِّعَا مَا بَيْنَهُمَا فِي مَتَاهَةِ تَأْوِيلٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى