ماء القلب
كُنْتُ أَحْسَبُ القَلْبَ مَهْدَ الحُبِّ وَمَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَأَرَى العَقْلَ وَافِدًا مُتَأَخِّرًا إِلَى مَأْدُبَةِ الشُّعُورِ؛ يَأْتِي بَعْدَ أَنْ يَمْتَلِئَ الصَّدْرُ، وَتَسْكَرَ الحَوَاسُّ، وَتُشْعِلَ الرُّوحُ قَنَادِيلَهَا. ثُمَّ رَأَيْتُ فِيكِ كَيْفَ يَنْضُجُ الحُبُّ فِي بَصِيرَةٍ وَاعِيَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي القَلْبِ، وَكَيْفَ يَمُرُّ مِنْ مِحْرَابِ الفِكْرِ نَقِيًّا مِنْ شَوَائِبِ الالْتِبَاسِ، ثُمَّ يَهْبِطُ عَلَى الحَنَايَا كَمَطَرٍ عَرَفَ أَرْضَهُ فَلَمْ يُهْدِرْ نَفْسَهُ فِي المَجَاهِلِ.
تَعَلَّمْتُ مِنْكِ أَنَّ العَقْلَ لَا يَقِفُ عَلَى ضِفَّةِ الحُبِّ مُرَاقِبًا، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ لِيَضَعَ فِي طَرِيقِهِ الحُدُودَ وَالمَخَاوِفَ؛ إِنَّهُ مَاؤُهُ الَّذِي يَجْرِي فِي جُذُورِهِ، وَنَبْعُهُ الَّذِي يَحْفَظُهُ مِنَ اليَبَسِ، وَالدَّلِيلُ الَّذِي يَقُودُ خُطَاهُ حِينَ تَتَشَابَهُ عَلَيْهِ دُرُوبُ اللهْفَةِ وَمَهَالِكُ الهَوَى. فَمَا يَهُزُّ القَلْبَ مِنْ أَوَّلِ لَمْحَةٍ لَيْسَ دَائِمًا حُبًّا؛ قَدْ يَكُونُ إِعْجَابًا أَغْرَاهُ الجَمَالُ، أَوْ هَوًى وَجَدَ فِي الخَيَالِ مَرْعًى، أَوْ فِتْنَةً أَشْعَلَتْهَا الحَوَاسُّ ثُمَّ تَرَكَتْهَا لِرِيحِ الفُتُورِ. تِلْكَ مَشَاعِرُ تُسْرِعُ فِي الاشْتِعَالِ لأَنَّهَا تَسْكُنُ السَّطْحَ، وَتُسْرِعُ فِي الانْطِفَاءِ لأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ فِي العُمْقِ مَا تُغَذِّي بِهِ جَمْرَهَا.
أَمَّا الحُبُّ فَلَا يُؤْخَذُ عَلَى غِرَّةٍ، وَلَا يَقْتَحِمُ الرُّوحَ كَلِصٍّ مُتَعَجِّلٍ، وَلَا يَرْفَعُ رَايَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الأَرْضَ الَّتِي سَيُقِيمُ فِيهَا. يَتَسَلَّلُ عَلَى مَهَلٍ، يَخْتَبِرُ مَوَاضِعَ الصِّدْقِ، وَيَجُسُّ نَبْضَ الطِّبَاعِ، وَيُصْغِي إِلَى صَمْتِ الرُّوحِ قَبْلَ كَلَامِهَا. ثُمَّ يَبْنِي مَقَامَهُ مِنْ تَوَافُقِ الفِكْرِ وَتَآلُفِ الطَّبْعِ وَتَعَانُقِ المَشَاعِرِ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى فِي النَّفْسِ لَمْ يَعُدْ خَفَقَانًا عَابِرًا، وَغَدَا نِظَامًا سِرِّيًّا تَنْتَظِمُ بِهِ الحَيَاةُ. الحُبُّ الَّذِي يَصْنَعُهُ العَقْلُ لَا يَفْقِدُ دِفْءَ القَلْبِ؛ يَفْقِدُ فَوْضَاهُ فَقَطْ. يَبْقَى مُشْتَعِلًا، غَيْرَ أَنَّ نَارَهُ تَعْرِفُ مَا تُدْفِئُهُ وَمَا لَا تَحْرِقُهُ. يَبْقَى مُتَدَفِّقًا، غَيْرَ أَنَّ مَاءَهُ يَعْرِفُ مَجْرَاهُ، فَلَا يُغْرِقُ الضِّفَافَ الَّتِي جَاءَ لِيَسْقِيَهَا. وَلِهٰذَا لَا أَرَى العَقْلَ خَصْمًا لِلعِشْقِ، وَإِنَّمَا أَرَاهُ حَارِسَ نُبْلِهِ. فَبِهِ يَفْرِقُ القَلْبُ بَيْنَ مَنْ يُدْهِشُهُ وَمَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَبَيْنَ مَنْ يُشْعِلُ فِيهِ رَغْبَةً وَمَنْ يَبْنِي فِيهِ سَكَنًا، وَبَيْنَ امْرَأَةٍ تَمُرُّ عَلَى العَيْنِ فَتُبْهِرُهَا، وَامْرَأَةٍ تَمُرُّ عَلَى الرُّوحِ فَتُعِيدُ تَرْتِيبَهَا.
وَأَنْتِ مَرَرْتِ بِي هٰكَذَا. لَمْ تَأْتِي إِلَيَّ لَمْحَةً تُرْبِكُ الحَوَاسَّ ثُمَّ تَمْضِي، وَلَا صُورَةً يَسْتَنْفِدُهَا النَّظَرُ مَهْمَا طَالَ. أَتَيْتِ مَعْنًى يَتَّسِعُ كُلَّمَا أَمْعَنْتُ فِيهِ، وَحَقِيقَةً تَزْدَادُ جَمَالًا كُلَّمَا أَزَاحَ العَقْلُ عَنْهَا سِتْرًا. أَعْجَبَتْنِي مَلَامِحُكِ، ثُمَّ أَسَرَتْنِي سَرِيرَتُكِ، ثُمَّ أَقَامَنِي فِي حَضْرَتِكِ ذٰلِكَ التَّوَافُقُ الخَفِيُّ بَيْنَ جَمَالٍ يَسُرُّ العَيْنَ وَعَقْلٍ يَرْفَعُ الرُّوحَ. فَسُبْحَانَ مَنْ بَرَاكِ فَأَبْدَعَ، وَسَوَّاكِ فَأَجْمَعَ؛ وَجَمَعَ فِيكِ مَا تَفَرَّقَ فِي الخَلْقِ مِنْ حُسْنٍ وَحِكْمَةٍ، وَأَلَّفَ بَيْنَ رِقَّةٍ لَا تُضْعِفُ وَقُوَّةٍ لَا تَقْسُو، وَجَعَلَ فِي عَيْنَيْكِ مَا يَسْتَوْقِفُ النَّظَرَ، وَفِي عَقْلِكِ مَا يَسْتَبْقِي الإِعْجَابَ بَعْدَ أَنْ تَتَعَبَ العُيُونُ مِنَ الدَّهْشَةِ.
فُقْتِ النِّسَاءَ جَمَالًا، وَفُقْتِ الرِّجَالَ عُقُولًا، وَفُقْتِ الأَنَامَ قَبِيلًا؛ حَتَّى غَدَا المَدْحُ فِيكِ مُقَارَنَةً ظَالِمَةً لِغَيْرِكِ، وَغَدَا الوَصْفُ مَحْكُومًا بِالعَجْزِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الكَلَامِ. مَا أَكْثَرَ مَنْ يَمْلِكُ جَمَالًا يُوقِظُ الشَّهْوَةَ وَلَا يُوقِظُ الإِجْلَالَ، وَمَا أَقَلَّ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ فِتْنَةِ المَرْأَى وَهَيْبَةِ المَعْنَى. أَمَّا أَنْتِ فَفِيكِ مِنَ الجَمَالِ مَا يَسْبِي، وَمِنَ العَقْلِ مَا يُحَرِّرُ، وَمِنَ الأَنَفَةِ مَا يَرْفَعُ الحُبَّ فَوْقَ مَهَانَةِ الالْتِصَاقِ وَوَهْمِ الامْتِلَاكِ. وَلِهٰذَا لَمْ أُحِبَّكِ بِقَلْبِي وَحْدَهُ؛ أَحَبَّكِ فِكْرِي وَهُوَ يَرَى فِيكِ مَا يُنْصِفُهُ، وَأَحَبَّكِ ذَوْقِي وَهُوَ يَجِدُ فِيكِ مِعْيَارَهُ، وَأَحَبَّكِ وَعْيِي وَهُوَ يَطْمَئِنُّ إِلَى أَنَّ هٰذَا الشُّعُورَ لَمْ يَنْبُتْ فِي تُرْبَةِ وَهْمٍ عَابِرٍ. أَحَبَبْتُكِ جُمْلَةً؛ لَا جُزْءًا تَسْتَقِلُّ بِهِ العَيْنُ عَنِ العَقْلِ، وَلَا خُلُقًا يَنْفَصِلُ فِيهِ الإِعْجَابُ عَنِ الشَّوْقِ. أَحْبَبْتُ فِيكِ اتِّسَاقَ الأَجْزَاءِ، وَتَنَاسُبَ الظَّاهِرِ وَالخَفِيِّ، وَذٰلِكَ الوَحْيَ الصَّامِتَ الَّذِي يَقُولُ لِمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْكِ إِنَّ الحُسْنَ حِينَ يَسْكُنُ عَقْلًا نَاضِجًا يَتَحَوَّلُ مِنْ زِينَةٍ إِلَى قِيمَةٍ.
وَالحُبُّ الَّذِي يُولَدُ مِنْ هٰذَا التَّآلُفِ لَا تَسْتَهْلِكُهُ الأَيَّامُ؛ فَالزَّمَنُ يَأْكُلُ مَا عَلِقَ بِالسَّطْحِ، وَيَصْقُلُ مَا رَسَخَ فِي الجَوْهَرِ. كُلَّمَا امْتَدَّ بِهِ العُمْرُ ازْدَادَ قُوَّةً وَصِبًى، كَأَنَّ سِنِينَ المَوَدَّةِ لَا تُضَافُ إِلَى عُمْرِهِ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ إِلَيْهِ مِنْ شَبَابِهِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ فِي البِدَايَةِ. لَا يَهِنُ وَلَا يُوهِنُ، وَلَا يَمِيلُ وَلَا يَزُولُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى زِينَةٍ يُغَيِّرُهَا الزَّمَنُ، وَلَا عَلَى لَذَّةٍ يُخْمِدُهَا الاعْتِيَادُ. بُنِيَ عَلَى مَعْرِفَةٍ تَتَجَدَّدُ، وَصُحْبَةٍ تَكْشِفُ كُلَّ يَوْمٍ وَجْهًا آخَرَ مِنَ الجَمَالِ، وَوَفَاءٍ يَمْنَحُ القَلْبَ أَمَانًا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يَزْدَادَ حُرِّيَّةً وَعُمْقًا.
هُوَ شَجَرَةٌ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَقِفُ جُذُورُهَا عِنْدَ تُرَابِ الفُؤَادِ؛ تَتَخَلَّلُ ذَرَّاتِ الجَسَدِ، وَتَنْسَابُ فِي دَقَائِقِ الرُّوحِ، وَتَسْتَوْدِعُ فِي كُلِّ خَلِيَّةٍ ذِكْرَى مَنْ نُحِبُّ. وَأَغْصَانُهَا لَا تَرْتَفِعُ فِي سَمَاءِ الخَيَالِ وَحْدَهَا؛ تَمْتَدُّ فِي الأَخْلَاقِ وَالمَوَاقِفِ، فَتُنْبِتُ وُدًّا حِينَ يَجِفُّ الكَلَامُ، وَوَفَاءً حِينَ تَضْطَرِبُ الطُّرُقُ، وَرِفْقًا حِينَ يَسْهُلُ عَلَى الغَضَبِ أَنْ يَتَوَحَّشَ. قَدْ تُقَطَّعُ بَعْضُ أَغْصَانِهَا، وَتَنْهَتِكُ أَوْرَاقُهَا، وَتُزْهَقُ أَزْهَارُهَا وَبَتَلَاتُهَا؛ غَيْرَ أَنَّ الجُذُورَ الَّتِي شَرِبَتْ مِنْ مَاءِ اليَقِينِ تَظَلُّ حَيَّةً فِي العُمْقِ. تَمْكُثُ تَحْتَ رُكَامِ العَتَبِ وَرِيحِ الخِصَامِ، ثُمَّ تُخْرِجُ مِنْ مَوْضِعِ الجُرْحِ غُصْنًا آخَرَ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ الحَقَّ لَا يَنْتَقِمُ مِنَ الشَّجَرَةِ كُلِّهَا لأَنَّ الرِّيحَ كَسَرَتْ غُصْنًا. وَتَعْبَقُ أَزْهَارُهُ فِي حَنَايَا الرُّوحِ حَتَّى يَصِيرَ لِلحَيَاةِ عِطْرٌ لَا يُدْرَكُ مَصْدَرُهُ، وَلِلحُضُورِ أَثَرٌ يَبْقَى بَعْدَ الغِيَابِ. يَعِيشُ نَقِيًّا سَرْمَدِيًّا، لَا بِأَنَّهُ يَقْهَرُ المَوْتَ وَالزَّمَنَ، وَإِنَّمَا بِأَنَّهُ يُدْخِلُ مَنْ نُحِبُّ فِي تَكْوِينِنَا، فَلَا يَعُودُ الغِيَابُ قَادِرًا عَلَى فَصْلِهِ عَنَّا.
يَا قُرَّةَ العَيْنِ وَبَهْجَةَ الفُؤَادِ، كَمْ تَفْتِكُ بِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَبْتَعِدِينَ فِيهَا، وَكَمْ يَتَّسِعُ الفَرَاغُ بَعْدَكِ حَتَّى يَضِيقَ بِالعَالَمِ كُلِّهِ. لَا تَبْتَعِدِينَ عَنِّي فَيَبْقَى مَكَانُكِ خَالِيًا؛ تَأْخُذِينَ مَعَكِ المَكَانَ نَفْسَهُ، وَتَتْرُكِينَنِي أُقَلِّبُ خُطَايَ فِي مَسَافَةٍ فَقَدَتْ جِهَاتِهَا. وَأَنَا أَرَاكِ كُلَّ الحَيَاةِ، لَا لأَنَّ الحَيَاةَ تَخْلُو مِنْ سِوَاكِ، وَلٰكِنْ لأَنَّكِ المَعْنَى الَّذِي يَرُدُّ إِلَى أَجْزَائِهَا وَحْدَتَهَا. أَرَاكِ كُلَّ الأَمَلِ، لأَنَّ الأَمَلَ فِيكِ لَا يَعِدُنِي بِغَدٍ مَجْهُولٍ؛ يَهَبُنِي سَبَبًا لِأَسْتَحِقَّ الغَدَ وَأَسْعَى إِلَيْهِ.
فَدَعِينِي أَسْكُنُ هُنَاكَ حَيْثُ تَكُونِينَ، لَا ضَيْفًا عَلَى أَيَّامِكِ، وَلَا ظِلًّا يُثْقِلُ خُطْوَكِ؛ دَعِينِي سَكِينَةً تَأْنَسِينَ إِلَيْهَا إِذَا أَوْحَشَتْكِ الطُّرُقُ، وَيَدًا لَا تُقَيِّدُكِ حِينَ تَمْتَدُّ إِلَيْكِ، وَصَوْتًا يَحْمِلُكِ إِلَى نَفْسِكِ حِينَ تَتَكَاثَرُ حَوْلَكِ أَصْوَاتُ الغُرَبَاءِ. دَعِينِي أَتْبَعُكِ لَا تَبَعِيَّةَ مَنْ أَضَاعَ إِرَادَتَهُ، وَإِنَّمَا صُحْبَةَ مَنْ وَجَدَ فِي طَرِيقِكِ وِجْهَتَهُ. دَعِينِي أَسْتَنْشِقُ هَوَاكِ فِي رَوَابِي أَضْلُعِكِ، وَأَجْعَلُ مِنْ صَدْرِكِ الوَادِعِ مَرْفَأً لِكُلِّ سَفِينَةٍ أَتْعَبَهَا البَحْرُ فِيَّ.
نَعَم، أُحِبُّكِ؛ وَلَكِنَّ لَكِ فِي فُؤَادِي مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الحُبِّ وَأَعْظَمُ مِنَ الحَنِينِ. فَالحُبُّ شُعُورٌ، وَأَنْتِ صِرْتِ نِظَامَ شُعُورِي؛ وَالحَنِينُ اشْتِيَاقٌ إِلَى غَائِبٍ، وَأَنْتِ حَاضِرَةٌ فِيَّ حَتَّى حِينَ تَغِيبِينَ عَنِّي.
لَكِ فِي قَلْبِي مَقَامٌ لَا يَسَعُهُ اسْمٌ وَاحِدٌ؛ فَأَنْتِ الحَبِيبَةُ حِينَ يَفِيضُ الوَجْدُ، وَالصَّدِيقَةُ حِينَ يَحْتَاجُ العَقْلُ إِلَى مَنْ يُصْغِي إِلَيْهِ، وَالسَّكَنُ حِينَ تَتْعَبُ الرُّوحُ، وَالمِرْآةُ حِينَ أَخْشَى أَنْ أَضِلَّ عَنْ نَفْسِي. هُوَ الفُؤَادُ عَرْشُكِ، وَالعَقْلُ جُنْدُكِ، وَالرُّوحُ حَاجِبُكِ؛ غَيْرَ أَنَّ مُلْككِ فِيَّ لَا يُشْبِهُ مُلْكَ المُتَسَلِّطِينَ. أَنْتِ المَلِيكَةُ الَّتِي لَا تَحْكُمُ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا بِمَا تَبْعَثُهُ فِي رَعِيَّتِهَا مِنْ رِضًا أَنْ تُطِيعَ. أَمْرُكِ رِفْقٌ، وَنَهْيُكِ حَيَاءٌ، وَسُلْطَانُكِ مَوَدَّةٌ تَجْعَلُ العُصْيَانَ عَلَيْهَا خِيَانَةً لِلنَّفْسِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ خِيَانَةً لَكِ. فَمُرِي تُجَابِي، وَاحْكُمِي تُطَاعِي؛ لَا لأَنَّنِي أَلْغَيْتُ عَقْلِي فِي حَضْرَتِكِ، وَإِنَّمَا لأَنَّ عَقْلِي نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ لَكِ هٰذَا المَقَامَ. وَافْتَدِي، تَفْتَدِكِ مِنِّي الرُّوحُ؛ لأَنَّ مَنْ وَجَدَ فِي امْرَأَةٍ وَطَنَهُ لَمْ يَعُدْ يَرَى البَذْلَ لَهَا خَسَارَةً، وَلَا الوَفَاءَ لَهَا قَيْدًا.
أَنْتِ المَلِيكَةُ وَالوَطَنُ؛ المَلِيكَةُ لأَنَّ لَكِ فِيَّ أَمْرًا لَا يُرَدُّ، وَالوَطَنُ لأَنَّنِي كُلَّمَا ارْتَحَلْتُ عَنْكِ عُدْتُ إِلَيْكِ أَكْثَرَ غُرْبَةً عَمَّا سِوَاكِ. وَبَيْنَ المَلِيكَةِ وَالوَطَنِ يَسْتَقِرُّ الحُبُّ فِي أَرْفَعِ صُوَرِهِ؛ طَاعَةً لَا تُذِلُّ، وَانْتِمَاءً لَا يُلْغِي، وَقُرْبًا يَجْعَلُ الإِنْسَانَ أَكْثَرَ حُرِّيَّةً لأَنَّهُ وَجَدَ مَنْ يَأْمَنُ عِنْدَهُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ. وَإِذَا كَانَ القَلْبُ يَهَبُكِ الحَيَاةَ، فَالعَقْلُ يَهَبُ هٰذِهِ الهِبَةَ خُلُودَهَا؛ فَهُوَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلحُبِّ عَهْدَهُ حِينَ تَضْطَرِبُ المَشَاعِرُ، وَيَرُدُّهُ إِلَى جَوْهَرِهِ حِينَ تُعَكِّرُهُ الحَوَادِثُ. وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لِلقَلْبِ، فِي سَاعَةِ الغَضَبِ، إِنَّ مَنْ أَحْبَبْتَهَا فِي الرِّضَا هِيَ نَفْسُهَا مَنْ تَخْتَلِفُ مَعَهَا الآنَ، فَلَا تُحَوِّلِ العَابِرَ إِلَى حُكْمٍ عَلَى العُمْرِ كُلِّهِ. هٰكَذَا يَظَلُّ الحُبُّ فَتِيًّا؛ لَا لأَنَّ الخِلَافَ لَا يَمَسُّهُ، وَلَا لأَنَّ الأَيَّامَ لَا تَخْتَبِرُهُ، وَإِنَّمَا لأَنَّ لَهُ فِي العَقْلِ نَبْعًا يَغْسِلُ عَنْهُ غُبَارَ السَّاعَاتِ، وَفِي الوَفَاءِ جَذْرًا يَرُدُّ إِلَيْهِ خُضْرَتَهُ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ فَصْلٌ قَاسٍ.
وَلَقَدْ عَلَّمْتِنِي أَنَّ الحُبَّ الَّذِي يَبْدَأُ مِنَ العَقْلِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ جُنُونًا؛ يَكُونُ أَعْمَقَ جُنُونًا، لأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يَفْعَلُ ثُمَّ يَخْتَارُهُ. لَا يَسْقُطُ فِي الحَبِيبِ سُقُوطَ الغَافِلِ، وَإِنَّمَا يَمْشِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى كُلَّ مَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ تَبِعَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِطُمَأْنِينَةٍ: هٰذَا مَكَانِي. فَأَنَا لَمْ أُحِبَّكِ لِأَنَّ قَلْبِي غَلَبَنِي؛ أَحْبَبْتُكِ لأَنَّ قَلْبِي وَعَقْلِي وَرُوحِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْكِ، وَلَمْ يَجِدْ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي حُكْمِ الآخَرِ مَا يَسْتَدْرِكُهُ. اخْتَارَكِ العَقْلُ، فَاطْمَأَنَّ القَلْبُ. وَأَحَبَّكِ القَلْبُ، فَأَشْرَقَ العَقْلُ. وَسَكَنْتِ الرُّوحَ، فَغَدَوْتِ لِيَ الحَيَاةَ كُلَّ الحَيَاةِ.
