الشعر

خارج المدار

لَيْلٌ بِلَا جَدْوَى يُحَدِّقُ فِي النَّهَارْ
عَيْنٌ تَرَى حُلُمًا، وَعَيْنٌ فِي انْهِمَارْ
لُجَجٌ مِنَ الرُّؤْيَا تُبَعْثِرُ ذَاكِرَةْ
وَالشَّمْعُ يَنْزِفُ ضَوْءَهُ رَقْصَ احْتِضَارْ
فَأَرَى الخَيَالَ حَقِيقَةً
وَأَصُوغُ مِنْ طِينِ السُّكُونِ حَدِيقَةً
وَأَمُرُّ فِي حُزْنِ السَّدِيمِ مُرَتِّلًا
عِشْقًا تُؤَرِّخُهُ النُّجُومُ بِصَمْتِهَا
وَتُطِلُّ مِنْ أَعْمَاقِهِ رُوحُ المَجَرَّةِ فِي وِقَارْ

مُتَفَرِّدٌ،
لَا كَيْ أُخَالِفَ مَا يَرَى العُشَّاقُ،
بَلْ لِأَرَى الَّذِي لَا يُسْتَظَلُّ لَهُ أَمَلْ
فِي لُجَّةِ المَعْنَى أُفَتِّشُ عَنْ مَدَى
عَنْ جَمْرِ نُطْقٍ لَا يُسَافِرُ فِي الصَّدَى
إِلَّا لِيُحْرِقَ فِي دَمِي مَا قَدْ ذَهَلْ
حَتَّى إِذَا نَطَقَ الجَمَالُ تَكَشَّفَتْ أَسْرَارُهُ
عَنْ لُؤْلُؤِ الإِطْرَاقِ، فَانْعَتَقَ المُحَارْ
مُتَوَهِّجٌ،
هَذَا الفَرَاغُ بِمُقْلَتَيْكِ يُحِيطُ بِي
وَبِسِرِّكِ العُلْوِيِّ يَزْدَادُ اتِّسَاعَا
يَا قِبْلَةَ الوَعْيِ الَّذِي
لَمْ يَحْوِهِ قَبْلٌ وَلَا بَعْدٌ
وَلَمْ يَخْرِقْ لِمَنْ مَخَرَ الشِّرَاعَا
إِنِّي نَحَتُّكِ فِي المَدَى أُمْنِيَّةً
لَا كَيْ أُزَيِّنَ وَحْدَتِي،
بَلْ كَيْ أَرَى فِي طَيْفِكِ المَعْنَى
مَتَى ضَلَّتْ بِأَعْمَاقِي بَرَاءَةُ الابْتِكَارْ

أَنَا مَنْ غَدَا لِطُقُوسِ رُوحِكِ سَادِنَا
وَأَنَا الَّذِي نَحَتَ الغَمَامَ مَآذِنَا
وَبَنَى بِجَوْفِ النَّجْمِ أَلْفَ مَدِينَةٍ
لِأُقِيمَ فِي مِحْرَابِ حُبِّكِ أَلْفَ دَارْ
وَأَصُوغَ مِنْ صَلْصَالِ سِحْرِكِ لَوْحَةً
لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى الجِدَارْ
بَلْ تَسْتَحِثُّ المُسْتَحِيلَ،
وَتَسْتَفِزُّ الصَّخْرَ،
نَحْوَ هَيَاكِلِ الضَّوْءِ الَّتِي تَأْبَى الفَنَاءَ
تَهُزُّهَا أَشْوَاقُ مَا بالقَلْبِ نَاءَ
تَقُولُ لِلأَشْيَاءِ: قُومِي،
إِنَّ فِي عَيْنَيْهِ سِرًّا
لَا يُعَرَّى، لَا يُدَثَّرُ، لَا يُعَارْ

أَأَقُولُ طَيْرٌ؟
بَلْ هُوَ النَّبْضُ الَّذِي
فِي رُوحِكِ النَّشْوَى شَدَا
قَلْبُ الرَّبِيعِ اسْتَلَّ مِنْ شَفَتَيْكِ أَسْرَارَ النَّدَى
فَتَبَسَّمَتْ عَيْنُ المُنَى
وَتَنَفَّسَ الطِّينُ الشَّذَى وَتَمَرَّدَا
أَرَأَيْتِ كَيْفَ النَّهْرُ يَجْرِي فِي العُرُوقِ مُسَبِّحًا
وَيَمُدُّ فِي الغُصْنِ الوَلِيدِ زُهُورَنَا مُتَرَنِّحًا؟
هَذِي الزُّهُورُ قَصَائِدٌ خَضْرَاءُ
حِينَ مَرَرْتِ فِي لُغَةِ انْبِهَارْ
وَبَقِيَّةٌ مِنْ سُنْبُلَاتٍ
حِينَ تَلْمِسُهَا يَدَاكِ، تَصِيرُ قَمْحًا لِلْجِيَاعِ بِلَا بَوَارْ
هَذِي الزُّهُورُ هِيَ ابْتِسَامُكِ عِنْدَمَا
مَسَّتْ شِفَاهُكِ هَذِهِ الأَشْجَارَ
فَانْبَثَقَ النَّضَارْ
وَتَفَتَّحَتْ فِي كَفِّ صَمْتِكِ غَابَةٌ عُذْرِيَّةً
وَمِنَ ابْتِسَامِكِ فِي النَّمَارِقِ شَهْرَيَارْ

يَا سِرَّ هَذَا الكَوْنِ فِي مَلَكُوتِهِ
يَا آيَةً عَبَرَتْ دَمِي
مَا الطَّيْرُ إِلَّا صَرْخَةٌ مَبْحُوحَةٌ
مِنْ وَجْدِنَا
لِتُذِيبَ هَذَا الكَوْنَ فِي ثَلْجٍ وَنَارْ
فِي مُقْلَتَيْكِ تَعَانَقَتْ سُبُلُ النُّهَى
وَتَصَالَحَتْ أَضْدَادُهَا،
وَتَرَاكَضَتْ حُجُبُ المَعَانِي فِي فَمِي
خَيْلٌ مُضَمَّرَةٌ تَشُقُّ سَتَائِرَ الغَيْبِ
فِي غَسَقِ المَسَارْ
أَنَا لَمْ أُقَبِّلْ فِيكِ طِينًا زَائِلًا
أَنَا قَدْ لَثَمْتُ الشَّمْسَ فِي شَفَتَيْكِ
فَانْدَلَعَ النَّهَارْ

بَيْنِي وَبَيْنَكِ بَرْزَخٌ
مِنْ لَازَوَرْدِ الرُّوحِ، مِنْ عَبَقِ العُصُورْ
هِيَ نَظْرَةٌ تَهْوِي بِهَا الأَوْثَانُ فِي عُمْقِ السُّهَى
وَتُطِلُّ فِي كَوْنِ الجَمَادِ كَأَنَّهَا نُورٌ وَقُورْ
مَا كُنْتِ أُنْثَى فِي خَيَالِي إِنَّمَا
كُنْتِ الوُجُودَ بِذَاتِهِ
وَالوَعْيَ حِينَ يَفِيضُ مِنْ طُهْرِ السُّطُورْ
يَا مَنْ إِذَا مَسَّتْ يَدَاكِ كَآبَتِي
ذَابَتْ جِبَالُ الحُزْنِ فِي نَهْرِ الحَنَانِ
كَأَنَّهَا مَحْضُ انْدِثَارْ
وَغَدَا صَدَى مِيقَاتِنَا مُتَرَدِّدًا
مَا ذَاكَ بُعْدٌ كَيْ أَئِنَّ،
وَلَا اقْتِرَابٌ كَيْ أُرَى فِيهِ الحُضُورْ
يَا ذَاتَ نُورْ
يَا لُجَّةَ السَّحْرِ الَّتِي غَرِقَتْ بِهَا
سُفُنُ العُقُولِ فَمَا رَأَتْ إِلَّا الهُدَى
أَنَا مَنْ رَأَى فِيكِ الخُلُودَ مُجَسَّمًا
فِي عِشْقَنَا الأَبَدِيِّ يَا بِنْتَ الخَيَالِ العَذْبِ
يَا غَيْثَ القِفَارْ
يَا ذُرْوَةَ الإِبْدَاعِ،
يَا عِشْقًا يُعِيدُ صِيَاغَةَ الأَقْدَارِ فِي أُفُقِ القَرَارْ

أَنَا مَا عَشِقْتُكِ مِثْلَمَا يَهْوَى البَشَرْ
بَلْ قَدْ عَشِقْتُكِ حِينَ صِرْتِ لِيَ المَجَرَّةَ وَالمَدَارْ
أَنَا قَدْ عَشِقْتُ تَجَلِّيًا
نَسَجَ الوُجُودَ بِأَسْرِهِ،
ثُمَّ اصْطَفَاكِ لَيَ الدِّثَارْ
فَإِذَا ارْتَحَلْتِ فَكُلُّ هَذَا الكَوْنِ طَعْنَةُ غَادِرٍ
وَإِذَا بَقِيتِ تَعَانَقَ العُشْبُ النَّدِيُّ مَعَ النُّجُومِ
لِيُضِيءَ هَذَا اللَّيْلَ كَوْكَبُكِ النُّضَارْ
وَيُحِيلَ قَفْرَ الرُّوحِ بُسْتَانَ افْتِخَارْ
وَتَرَكْتُ خَلْفِي أَيْنَ؟ كَيْفَ؟
وَجِئْتُ أَسْكُنُ فِي جَحِيمِكِ جَنَّةً
تُجْنَى بِهَا أَشْهَى الثِّمَارْ
فَجَحِيمُكِ العُلْوِيُّ أَرْحَمُ مِنْ بُرُودِ الوَقْتِ
حِينَ يَمُرُّ بِي، وَأَنَا بِلَا عَيْنَيْكِ، أَرْصِفَةَ انْتِظَارْ

يَا زَهْرَةً نَبَتَتْ عَلَى شَفَةِ السُّكُوتِ بِلَا جَوَابْ
يَا شُعْلَةً لَمْ تَدْنُ مِنْهَا قَطُّ ذَاكِرَةُ التُّرَابْ
يَا مَنْ إِذَا مَرَّتْ عَلَى كَتِفِ الخَيَالِ
تَفَتَّحَتْ فِي الرُّوحِ أَرْوِقَةُ السَّحَابْ
يَا قَطْرَةً مِنْ كَوْثَرِ الأَزَلِ الخَفِيِّ
بِطُهْرِهَا سَقَتِ العُرُوقَ
فَأَنْبَتَتْ فِي دَاخِلِي سِرَّ اخْضِرَارْ
عُودِي، فَإِنَّ الرُّوحَ بَعْدَكِ غُرْبَةٌ
عَنْ كُلِّ آيَاتِ البَقَاءْ
وَحْدِي أُسَائِلُ عَنْكِ أَسْرَارَ السَّنَابِلِ
وَالكَوَاكِبِ فِي الفَضَاءْ
مُتَشَظِّيًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَرَى
فِيهَا مَلَامِحَ مِنْ حَيَاتِي
أَنْتِ مَنْ فِيهَا يُحَدِّقُ فِي جِهَاتِي
فَارْحَمِي ظَمَأَ الحِصَارْ

لَا تَرْحَلِي،
أَنَا ذُبْتُ فِيكِ كَأَحْرُفٍ سَكْرَى
مَتَى ارْتَشَفَتْ نَبِيذِكِ صَحْوَةً
تَنْسَى مَعَاجِمَهَا،
وَتَسْكُنُ فِي ابْتِدَاءِ النُّطْقِ،
لَا تَرْضَى لِمَعْنَاهَا انْحِسَارْ
أَنَا صِرْتُ أَنْتِ
فَمَنْ يُسَائِلُ يَا أَنَا؟
يَا أَعْظَمَ الأَسْرَارِ فِي هَذَا الوُجُودْ
حُبِّي وَحُبُّكِ خَارِجَ الأَزْمَانِ،
خَارِجَ رِبْقَةِ التَّكْوِينِ،
يَا إِكْلِيلَ غَارْ
قَدْ صَاغَهُ رَبُّ الجَمَالِ
لِيَسْتَقِرَّ عَلَى جَبِينِ الكَوْنِ
يُوقِظُ فِي الهَوَى سِرَّ انْصِهَارْ
فَإِذَا تَسَاقَطَ كُلُّ وَهْمٍ بَائِدٍ
وَانْحَلَّ فِي طِينِ السُّكُونِ ضَجِيجُهُ
بَقِيَتْ حُرُوفُكِ فِي دَمِي شَمْسًا وَظِلَّا،
كُلُّ شَيْءٍ فِيكِ أَحْلَى
فَارْتَقِي فِي القَلْبِ جَذْلَى
وَامْلَئِي البُسْتَانَ نِسْرِينًا وَفُلَّا
لَيْسَ إِلَّا، لَيْسَ إِلَّا
أَنْتِ دَارِي،
أَنْتِ مَائِي، أَنْتِ نَارِي،
أَنْتِ مَنْفَايَ المُقَدَّسُ،
أَنْتِ أَسْرَارِي الَّتِي لَمْ تَحْكِهَا شَفَةُ الحِوَارْ
نَحْنُ الحَقِيقَةُ وَالطَّرِيقَةُ والهُدَى
نَحْنُ القَصِيدَةُ وَالصَّدَى
نَحْنُ المَدَى، نَحْنُ النَّدَى
نَحْنُ الأَنَامِلُ وَالمَعَاصِمُ وَالسِّوَارْ
نَحْنُ الشَّرَابُ
وَمَا عَدَانَا فِي الوُجُودِ هُوَ السَّرَابْ
نَحْنُ الخُلُودُ
وَكُلُّ شَيْءٍ دُونَنَا مَحْضُ اخْتِيَارٍ مُسْتَعَارْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى