شاخَ الليلُ حتى أطلقَت إرهاصاتُ فجره بلابلَ صمته؛ طيورًا تغادر أوكارها في طلب الرزق، وتُسبّح ربّها العظيم قبل أن يستيقظ الناس. وكانت ريحُ منتصف كانون، مثقلةً ببردٍ قارس، تَعصفُ بما بقي من خُصلات الظلام، وتدفعها نحو البحر، قبل أن يرتفع أذان الفجر نديًّا من بعيد، يدعو النائمين إلى خير العمل.
كان مختار قد سبق عصافير الصباح. يمشي خلف أبيه في الطريق المحاذي للساحل، بين أَجَمٍ من نخيلٍ شاهق، وقد انحنى الصبيّ قليلًا تحت وطأة البرد، وغاصت ذقنه في ياقة ثوبه الخفيف. لم يجاوز العاشرة، ولم تكن قدماه الصغيرتان قد ألفتا هذه الساعة التي يلتبس فيها آخر الليل بأوّل النهار.
كانت رهبة الصمت، وعويل الريح بين سعف النخيل، وشدّة الظلمة، تُوقظ في خياله خوفًا طفوليًّا غذّته حكايات جدّته. تذكّر كيف كان يغفو في حضنها كلّ ليلة، فيما تتسلّل العفاريت والجنّ من حكاياتها، ثم تختفي ما إن تضمّه إليها. نظر إلى يد أبيه المتقدّمة أمامه. همّت يده أن تطلبها بحثًا عن شيءٍ من الأمان، ثم أحجمت. كان الأب صارمًا، لا يرى في الطريق موضعًا للدلال، ولا في البحر متّسعًا لخوف الصبيان. فطوى مختار يده على نفسها، وأسرع الخطى خلفه.
كان البحر يزبد غاضبًا من لطم الريح، ويتطاول موجُه ليصفع ما يخاله خصمًا. وعلى الشاطئ، كان بعض الصقيع يُدثّر الرمل بطبقةٍ قطنيةٍ لامعة، امتدّت حتى غطّت قاربهما الصغير، فبدا كشيءٍ نسيه الشتاء تحت كفنه الأبيض.
بدأ نهارٌ جديدٌ في حياة الصبي.
أزاح مع أبيه ما تراكم فوق القارب، ثم دفعاه إلى الماء. وما إن استقرّا فيه حتى أسرع مختار إلى تطبيق ما تعلّمه في الرحلات السابقة؛ جلس قبالة والده، وأخذ يزيح بيديه العاريتين أكوام الثلج ليبلغ الأسماك المجمّدة، يقطعها ويُلقمها الشصوص طُعمًا لصيدٍ يُقيم أودَ العائلة الكبيرة. كانت أطرافه تتجمّد حتى تكاد تفقد حركتها، فإذا اشتدّ عليها الصقيع غمسها في ماء البحر. كان الماء باردًا، لكنّه بدا أدفأ من الهواء الذي عضّ أصابعه، فتستعيد يداه بعض الحياة، ثم يعود إلى عمله.
علا البحر وهبط، وعوت الريح وصفّرت، وظلّ القارب الصغير يدفع ثمن صراعهما؛ يصعد فوق موجةٍ ثم يهوي في جوف أخرى، فيكاد الاضطراب يخلع قلب الصبي. وكان مختار ينظر إلى الأفق، حيث لا يظهر إلا سوادٌ يخفّ قليلًا، ويبتهل إلى الله أن يكون حظّهم من الرزق في ذلك اليوم مُعينًا. كان الصيد قد ندر في الأيام الأخيرة، وضاق ما في البيت من طعام، وصار انتظار الأب على المائدة أطول من الطعام نفسه. كان مختار يعرف، على صغر سنّه، أنّ القارب لا يخرج إلى البحر طلبًا للمغامرة، بل لأنّ خلفه أفواهًا لا تُطعمها الريح، ولا يردّ جوعها جمال الفجر.
أغمض عينيه لحظةً. تدفّقت في خاطره صورٌ متباينة، ثم صفا ذهنه في تأمّلٍ بدا كحلمٍ لم يختره. رأى سمكةً تعوم فوق سطح الماء، وتتّجه نحو القارب في هدوء، حتى إذا دنت مدّ يده والتقطها. فتح عينيه، وهزّ رأسه ضاحكًا من نفسه. لا بدّ أنّ الحاجة الشديدة إلى المال، وندرة الصيد، هما اللتان رسمتا له هذا الوهم. فالسمك يُطلب ولا يطلب، ويُطارَد ولا يأتي إلى أيدي الصيادين طائعًا.
لكنّ الخاطر لم يفارقه.
ظلّ يراقب ما تسمح به العتمة من سطح البحر، حتى لمح شيئًا يتحرّك بعيدًا. اعتدل في جلسته، وحدّق طويلًا، ثم انتفض صائحًا: توقّف يا أبي، إنّها سمكةٌ تسبح نحونا!
نظر الأب إليه، وخشي أن يكون الرّهق والبرد قد عبثا برأسه. رقّ له، وقال إنّ السمك لا يأتي إلى الناس، وإنّ العتمة لا تسمح برؤية شيءٍ في مثل تلك الساعة. لكنّ مختار ظلّ يشير إلى الموضع نفسه: أراها يا أبي، واللهِ أراها!
هال الأبَ يقينُ ابنه، فخفّف سير القارب، وأرسل بصره إلى الماء. وبعد لحظات، رأى شيئًا يلمع على سطحه، ويقترب في استسلامٍ عجيب. كانت سمكةً حيّة. لم تكن كبيرة، لكنّها جاءت وحدها، كما رآها الصبي في خاطره، حتى دنت من حافة القارب. مدّ الأب يده فقبض عليها، وظلّ لحظةً ينظر إليها وهي تضطرب بين أصابعه، وقد اجتمع في وجهه الفرح والرّهبة. ردّد بصوتٍ خافت: سبحان الله.
بلغا موضع الصيد، وبدأت المراسم المألوفة. ألقيا الشصوص، ومدّا الخيوط، ثم جلسا ينتظران ما يكتبه الله لهما. طال الانتظار. ارتفعت الشمس قليلًا، لكنّ دفأها ظلّ عاجزًا عن اختراق الريح. مرّت ساعةٌ ولم يتحرّك شيء، ثم أخرى، حتى أوشك الرجاء أن ينطفئ، وأوشكت النهاية أن تغرز في تعبهما طعنة إحباطٍ جديدة.
وفجأةً شُدّ الخيط بقوّةٍ جبّارة.
اهتزّ القارب، واندفعت الشصوص من مكامنها كطلقاتٍ متعاقبة. انتفض الأب وصاح بمختار أن يرتدّ إلى الخلف ويلزم الحذر. كان الصبي يعرف ما ينبغي عليه فعله، لكنّ قوّة الشدّ هذه المرّة أربكته؛ لم يرَ من قبل شيئًا يجرّ القارب بدل أن يجرّه القارب. استمات الأب في تثبيت الخيط، وتعلّق مختار بما حوله، فيما انطلق القارب فوق الماء إلى حيث شاء الصيد المجهول. مرّت ساعةٌ كأنّها دهر. ثم لحقتها أخرى.
كان الشيء تحت الماء يثور حينًا، ويغوص حينًا، ويجرّ القارب وراءه كأنّه لعبةٌ صغيرة. وكلّما خفتت حركته حسبا أنّه استسلم، ثم يعود فينتفض بقوّةٍ تكاد تقلبهما. وأخيرًا خارت قواه.
بدأ الأب يشدّه رويدًا، ويجمع الخيط بيدين تورّمتا من البرد والجهد. وحين ارتفع أولُ جزءٍ منه قرب السطح، عقد الذهول عينيهما ولسانيهما. كان قِرشًا ضخمًا، يفوق حجمه حجم القارب.
ظلّ مختار يحدّق فيه، ولا يكاد يصدّق أنّ هذا الجسد الهائل هو الذي كان يطوف تحت قدميه. عجزا عن رفعه، فربطاه إلى جانب القارب، حتى مال بهما وكاد الماء يغمر حافته.
تجمهر الواقفون على الشاطئ يرقبون القارب العائد من بعيد، والقارب غائصٌ في الماء يميل لجهة اليمين بشكل كبير حتى خالوا أنّه امتلأ بالسمك. بعضهم نظر بفضول، وبعضهم بحسد، وبعضهم يحسب في سرّه ما قد يربحه الرجل من صيده. وما إن دنا القارب حتى ظهر القرش الممدّد إلى جانبه.
تعالت الأصوات، وتكاثر الناس، واحتاج إخراجه إلى البرّ عشرة رجال. ظلّ القوم يدورون حوله، يلمسون جلده الخشن، ويتأمّلون فمه المفتوح وصفوف أسنانه، فيما كان مختار يقف إلى جوار أبيه، وقد نسي البرد والتعب، وتخيّل ما سيحمله إلى البيت من طعامٍ ومال. تفرّق الجمع قليلًا حين جاء كبير تجّار السمك. شقّ طريقه بين الواقفين، وألقى على القرش نظرةً سريعة، ثم نظر إلى السمكة الصغيرة التي جاءت إليهما في عرض البحر. قلّبها بيده، وقدّر وزنها، وقال بلهجةٍ حاسمة: عشر ليراتٍ في هذه السمكة. أمّا القرش فلا حاجة لي به، فلا طلب على لحمه.
ثم مضى، كأنّ ذلك الجسد الهائل لم يكن إلا حجرًا قذفه البحر إلى الشاطئ.
سقطت الفرحة من عيني مختار. وبعد أن ابتعد التاجر الكبير، تقدّم رجلٌ من صغار التجّار، يدور في السوق على ما يزهد فيه غيره. تفحّص القرش طويلًا، ثم قال: أشتريه بقِرْش.
توقّف الزمن في رأس الصبي.
أبعدَ كلّ ذلك البرد، والخوف، والساعتين اللتين جرّ فيهما القرش قاربهما نحو المجهول، يُباع هذا الصيد الهائل بقِرْشٍ واحد؟ نظر إلى أبيه. كانت عيناه معلّقتين بالقرش، وقد استقرّ فيهما حزنٌ ثقيل. عرف أنّ الأب يرى، مثله، ظلم الثمن، وأنّه يحسب في نفسه ما أنفقه من طُعم، وما أهلكه من قوّة، وما خاطر به من حياة. ومع ذلك، قال بسخريةٍ مريرة: حسنًا، خذه بقِرْش.
اضطرب مختار: يا أبي…
اشتدّ وجه الأب، وأمره بالصمت. لكنّ الصبي لم يستطع. طلب منه ألّا يبيع، وأن يدعه يقطّع القرش ويبيعه في السوق أجزاءً. كان يرى في ضخامته مالًا كثيرًا، ولا يفهم كيف يسلّمه أبوه لرجلٍ لا يكاد يدفع فيه شيئًا. قال الأب إنّ لحم القرش ممّا يزهد فيه الناس، وإنّ تجّار السوق لن يسمحوا لصبيٍّ صغير أن يبيع بينهم ما لا يريدون له أن يُباع.
صمت مختار.
لكنّ عينيه ظلّتا تتكلّمان بكلّ ما أصاب قلبه من قهرٍ وأسى. راقب التاجر وهو يجرّ القرش بعيدًا، فكأنّه لم يكن يجرّ صيدهما، بل يقتطع من جسد أبيه تعب النهار كلّه. أخرج الرجل سكّينه، وشقّ بطن القرش. وما إن انفتح جوفه حتى تجمّد الجميع في أماكنهم. انشقّ البطن عن صيدٍ وفيرٍ ابتلعه القرش قبل وقوعه في الشصّ. أخذت الأسماك تتساقط من جوفه واحدةً بعد أخرى، سليمةً طازجة، حتى امتلأت بها الأرض أمام التاجر. كان ثمنها ربما يزيد عن مائتي ليرة.
شهق مختار، ثم صرخ بأبيه. كانت عيناه تنتقلان بين الأسماك المتناثرة والقرش الواحد الذي استقرّ في يد أبيه ثمنًا لها جميعًا. هبّ نحو التاجر يريد أن يستردّ البيع، لكنّ يد أبيه أمسكت كتفه. قال له برفقٍ حازم: لا يا بُنيّ. لا يرجع الحرّ في بيعٍ تمّ، ولو ظهر بعده ما ظهر. هي أرزاقٌ وأقدار، فلا يدفعنّنا السخط إلى أن نَزِلّ، أو نَضِلّ، أو ننقض عهدًا، أو نخون أمانة.
نظر مختار إلى أبيه، ثم إلى التاجر الذي تحوّل وجهه من الاحتقار إلى الطمع، وانحنى يجمع الخير الذي لم يشتره في ظنّه حين دفع القِرْش. كانت الأسماك تلمع فوق الرمل، فيما ظلّ القرش الواحد ساكنًا في كفّ الأب.
عاد الرجل بصيده القليل، وعاد التاجر بما لم يتعب فيه، وظلّ الصبي يمشي بينهما بقلبٍ لم يعرف أيّهما أعجب: رزقٌ خرج من جوف رزق، أم رجلٌ استطاع أن يرى الظلم بعينيه، ثم يمنع الظلم من أن يدخل يديه. ولم يفهم مختار يومها كيف يمكن لإنسانٍ أن يكون أفقرَ أهل الشاطئ مالًا، وأغناهم نفسًا، في اللحظة نفسها.
