جناحا العزة؛ كبرياء يصون ورحمة ترفع
فِي مَدَارِجِ المَعَارِجِ الرُّوحِيَّةِ، حَيْثُ تَتَخَفَّفُ النُّفُوسُ الفَارِهَةُ مِنْ لُزُوجَةِ الطِّينِ، وَتَغْتَسِلُ مِنْ غُبَارِ العُبُورِ، وَتَلْتَحِفُ بِسَنَاءِ العُصُورِ الَّتِي لَا يَبْلَى ضَوْؤُهَا فِي مَهَبِّ الزَّمَنِ، تَنْتَصِبُ العِزَّةُ كَجَبَلٍ أَشَمَّ لَا تُزَلْزِلُهُ عَوَاصِفُ الصَّغَارِ، وَلَا تَسْتَخِفُّهُ رِيَاحُ العَابِرِينَ، وَلَا تَخْدَشُ صَخْرَهُ مَخَالِبُ الأَيَّامِ حِينَ تَسْتَبِدُّ بِقُلُوبِ الضُّعَفَاءِ. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ العِزَّةَ، فِي عُرْفِ الأَرْوَاحِ العَمِيقَةِ الَّتِي صَاغَتْ مَقَاسَاتِهَا مِنْ هَنْدَسَةِ الجَلَالِ، لَيْسَتْ تِمْثَالًا أَصَمَّ يُعْبَدُ فِي مَحَارِيبِ العُزْلَةِ، وَلَا صَلَابَةً جَافَّةً تَتَحَوَّلُ مَعَ الأَيَّامِ إِلَى حَجَرٍ بَارِدٍ، بَلْ هِيَ كَيْنُونَةٌ حَيَّةٌ تَتَنَفَّسُ بِرِئَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا تَشْهَقُ كِبْرِيَاءً يَصُونُ المَقَامَ، وَالأُخْرَى تَزْفِرُ رَحْمَةً نَدِيَّةً تَمْسَحُ عَلَى جِرَاحِ الأَرْضِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ هَيْبَةَ السَّمَاءِ.
هَذَا هُوَ الوَجْهُ الآخَرُ لِلْعِزَّةِ؛ ذَلِكَ الوَجْهُ الأَرُسْتُقْرَاطِيُّ النَّبِيلُ الَّذِي يَتَجَاوَزُ خُشُونَةَ القُوَّةِ المُجَرَّدَةِ لِيُلَامِسَ سِدْرَةَ الإِنْسَانِيَّةِ المُشِعَّةِ، وَيُدْرِكَ أَنَّ السِّيَادَةَ لَا تَكْتَمِلُ حِينَ تَرْتَفِعُ فَوْقَ النَّاسِ فَحَسْبُ، بَلْ حِينَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَنْحَنِيَ لِتَرْفَعَ مَنْ تَعَثَّرَ دُونَ أَنْ تَنْقُصَ قَامَتُهَا. إِنَّ النَّفْسَ الكَبِيرَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الدَّوْسِ عَلَى الرِّقَابِ لِتُثْبِتَ عُلُوَّهَا، وَلَا إِلَى تَكْثِيرِ الخُصُومِ لِتُقْنِعَ نَفْسَهَا بِفَرَادَتِهَا، بَلْ تَحْمِلُ العَالَمَ عَلَى كَتِفَيْهَا حِينَ يَلْزَمُ الحَمْلُ، وَتَتَرَفَّعُ عَنْهُ حِينَ يَصِيرُ الِاخْتِلَاطُ بِوَحْلِهِ خِيَانَةً لِنَقَاءِ المَعْنَى. وَهُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الفَاصِلِ الدَّقِيقِ بَيْنَ الرِّفْعَةِ وَالرَّحْمَةِ، يَصِيرُ المَعْنَى الهَارِبُ دَافِعًا لِتَحَرُّرِ الكِيَانِ مِنْ ثِقَلِهِ الطِّينِيِّ، فَيَغْدُو الإِنْسَانُ مَحْضَ نَظْرَةٍ تَرْمُقُ الأَبَدَ، وَمَحْضَ قَلْبٍ يَعْرِفُ أَنَّ أَعْلَى العُلُوِّ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ نُبْلِ الحُنُوِّ.
إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الكِبْرِيَاءِ وَالغُرُورِ هُوَ ذَاتُ الفَرْقِ بَيْنَ نَجْمٍ يَحْتَرِقُ بِذَاتِهِ لِيَهَبَ الكَوْنَ ضِيَاءَهُ، وَبَيْنَ شِهَابٍ طَائِشٍ يَسْتَمِدُّ بَرِيقَهُ مِنْ عُنْفِ الِاحْتِكَاكِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى رَمَادٍ تُذْرِيهِ الرِّيَاحُ. الغُرُورُ، فِي تَشْرِيحِهِ الثَّقَافِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، مَرَضُ الأَوَانِي الفَارِغَةِ؛ ضَجِيجٌ يَفْتَعِلُهُ النَّقْصُ الدَّاخِلِيُّ لِيُدَارِيَ خَوَاءَهُ عَنْ أَعْيُنِ المُبْصِرِينَ، وَاسْتِجْدَاءٌ مُسْتَمِرٌّ لِلتَّصْفِيقِ فِي مَسْرَحٍ بَائِسٍ لَا يَعْرِفُ سِوَى المُخَاتَلَةِ. أَمَّا الكِبْرِيَاءُ الأَصِيلُ، فَهُوَ أَخْلَاقُ الكَرَامَةِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا؛ اعْتِدَادٌ هَادِئٌ يَنْبُعُ مِنْ كَثَافَةِ الجَوْهَرِ وَعُمْقِ المَعْرِفَةِ، غَيْرُ عَابِئٍ بِمَدَائِحِ الغَوْغَاءِ وَلَا بِمَذَمَّتِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعِيرُ قِيمَتَهُ مِنْ أَلْسِنَةٍ تَتَقَلَّبُ كَمَا تَتَقَلَّبُ الرِّيحُ فِي أَفْنِيَةِ الخَرَابِ.
الكِبْرِيَاءُ الأَصِيلُ أَنْ تَبْنِيَ فِي أَعْمَاقِكَ قَصْرًا عَالِيَ الشُّرُفَاتِ مِنَ المَجْدِ، مُمْتَدَّ الرَّدَهَاتِ مِنَ الحِكْمَةِ، حَصِينَ الأَسْوَارِ بِعِزَّةٍ لَا تُلِينُهَا الأَهْوَاءُ وَلَا تُرْهِقُهَا المُسَاوَمَاتُ. صَاحِبُ العِزَّةِ لَا يَنْظُرُ إِلَى الخَلْقِ مِنْ عَدَسَةِ التَّعَالِي، بَلْ مِنْ شُرْفَةِ الإِشْفَاقِ عَلَى طِينِيَّتِهِمْ، وَعَلَى مَا فِيهِمْ مِنْ ضِيقٍ وَتَعَجُّلٍ وَانْكِسَارٍ وَتَطَاوُلٍ يُخْفِي جُوعًا قَدِيمًا إِلَى المَعْنَى. هُوَ يُقَدِّمُ نَقْدًا حَيًّا لِتَفَاهَةِ الزَّمَانِ مِنْ خِلَالِ وُجُودِهِ الفَارِهِ، كَقَلْعَةٍ صَامِدَةٍ تُرَاقِبُ زَبَدَ البَحْرِ وَهُوَ يَغْزُو صُخُورَهَا، فَيَتَكَسَّرُ عَلَيْهَا دُونَ أَنْ يَمَسَّ مِنْ جَلَالِهَا قِيدَ أُنْمُلَةٍ.
وَمِنْ رَحِمِ هَذِهِ الكِبْرِيَاءِ البَاذِخَةِ يُولَدُ التَّوَاضُعُ الحَقِيقِيُّ؛ كَمَا يُولَدُ الشَّفَقُ مِنْ صَدْرِ الشَّمْسِ، مُتَوِّجًا النَّهَارَ بِأَلْوَانِ الرِّفْقِ قَبْلَ الرَّحِيلِ. فَالتَّوَاضُعُ لَيْسَ أَنْ تَنْحَنِيَ حَتَّى تَنْكَسِرَ، وَلَا أَنْ تَمْحُوَ مَعَالِمَ تَفَوُّقِكَ إِرْضَاءً لِعُقَدِ النَّاقِصِينَ، وَلَا أَنْ تُصَغِّرَ مَا فِيكَ مِنْ فَضْلٍ كَيْ يَسْتَرِيحَ مَنْ أَتْعَبَهُ وُجُودُ الفَضْلِ فِي غَيْرِهِ؛ فَهَذَا لَيْسَ تَوَاضُعًا، بَلْ جَرِيمَةٌ جَمَالِيَّةٌ فِي حَقِّ المَوْهِبَةِ وَالِاصْطِفَاءِ. التَّوَاضُعُ السِّيَادِيُّ هُوَ انْحِنَاءَةُ السُّنْبُلَةِ المَلْأَى بِحَبَّاتِ الذَّهَبِ؛ انْحِنَاءَةٌ تَنْطِقُ بِوَفْرَةِ العَطَاءِ وَثِقَلِ الحِكْمَةِ، لَا بِضَعْفِ السَّاقِ وَلَا بِخَوْفِ الرِّيحِ.
هُوَ أَنْ تَمْلِكَ أَجْنِحَةً قَادِرَةً عَلَى عُبُورِ المَجَرَّاتِ، ثُمَّ تَخْتَارَ بِإِرَادَتِكَ الحُرَّةِ أَنْ تَهْبِطَ إِلَى بَسَاتِينِ البُسَطَاءِ، لِتَغْرِسَ فِي أَرْوَاحِهِمْ شَتْلَةَ أَمَلٍ، أَوْ لِتَمْسَحَ عَنْ عُيُونِهِمْ غُبَارَ الحَيْرَةِ، أَوْ لِتَجْعَلَ مِنْ حُضُورِكَ مِظَلَّةً لِقَلْبٍ أَنْهَكَهُ الهَجِيرُ. ذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَ العَظِيمَةَ الَّتِي غُذِّيَتْ بِالخُلُقِ الكَرِيمِ، وَتَرَفَّعَتْ عَنْ دَلَسِ الغَايَاتِ الخَسِيسَةِ وَدَنَسِ الغِوَايَاتِ الرَّخِيصَةِ، تَجِدُ فِي نُزُولِهَا مِنْ أَبْرَاجِهَا العَاجِيَّةِ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ السِّيَادَةِ، لَا انْتِقَاصًا مِنَ القَدْرِ. إِنَّهَا تُخَالِطُ النَّاسَ كَمَاءِ المُزْنِ حِينَ يَهْمِي عَلَى صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ؛ لَا يَتَلَوَّثُ بِتُرَابِهَا، بَلْ يُطَهِّرُهُ وَيَسْتَنْبِتُ فِيهِ زَهْرَ الحَيَاةِ، فِي كِيمِيَاءَ عَجِيبَةٍ تَجْعَلُ مِنَ التَّوَاضُعِ طَقْسًا عُلْوِيًّا يُمَارَسُ عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ.
وَفِي طَيَّاتِ هَذِهِ الهَنْدَسَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَكْمُنُ إِنْسَانِيَّةُ الأَقْوِيَاءِ كَسِرٍّ بَلِيغٍ لَا يَفُكُّ طَلَاسِمَهُ إِلَّا مَنْ ذَاقَ لَوْعَةَ الِاحْتِرَاقِ فِي مَوَاقِدِ التَّجْرِبَةِ. فَالأَقْوِيَاءُ حَقًّا هُمُ الَّذِينَ شَيَّدُوا مَنَاعَتَهُمْ مِنْ رَمَادِ خَيْبَاتِهِمْ، وَتَجَرَّعُوا كُؤُوسَ المَرَارَةِ حَتَّى صَارَتْ أَسْيَافُ الخُطُوبِ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى شِغَافِهِمْ. إِنَّهُمْ لَا يَقْسُونَ عَلَى ضَعْفِ الآخَرِينَ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ فِي كُلِّ ارْتِجَافَةِ خَوْفٍ، وَفِي كُلِّ دَمْعَةِ عَجْزٍ، انْعِكَاسًا لِهَشَاشَةِ الطِّينِ البَشَرِيِّ الَّذِي جَاهَدُوا طَوِيلًا لِكَيْ يَتَجَاوَزُوهُ دُونَ أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ. إِنْسَانِيَّتُهُمْ طَافِحَةٌ بِرَحْمَةٍ شَرِسَةٍ؛ رَحْمَةٍ لَا تَتَمَايَعُ فِي أَحْضَانِ العَاطِفَةِ المُبْتَذَلَةِ، وَلَا تَتَحَوَّلُ إِلَى دَلَالٍ يُفْسِدُ الضَّعِيفَ، بَلْ تَقِفُ كَحَائِطِ صَدٍّ مَتِينٍ تَتَكَسَّرُ عَلَيْهِ عَوَاصِفُ الأَذَى قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قُلُوبَ المُسْتَضْعَفِينَ.
وَإِنَّ قُلُوبَهُمُ المَحْفُورَةَ بِوَجَعٍ نَبِيلٍ، وَحَنِينٍ لَا يَبْلَى لِطُهْرٍ غَائِبٍ، تَتَّسِعُ لِتَكُونَ وَطَنًا لِلْمُشَرَّدِينَ عَاطِفِيًّا وَفِكْرِيًّا؛ يَمْنَحُونَ الدِّفْءَ مِنِ احْتِرَاقِ حَطَبِهِمُ السِّرِّيِّ، وَيَبْتَسِمُونَ فِي وَجْهِ الحَيَاةِ بِشَفَتَيْنِ أَدْمَتْهُمَا نَوَائِبُ الدَّهْرِ. هَذِهِ القُلُوبُ المَلَائِكِيَّةُ، عَظِيمَةُ الوُدِّ، عَمِيمَةُ الوَفَاءِ، الَّتِي تَنْسُجُ مِنْ حَرِيرِ الحُنُوِّ شَالَ دِفْءٍ يُوَشِّي المَشَاعِرَ بِزُمُرُّدِ الحَنِينِ، هِيَ وَحْدَهَا القَادِرَةُ عَلَى تَحْوِيلِ أَلَمِ اليُتْمِ الكَوْنِيِّ وَالِافْتِقَادِ الجَارِحِ إِلَى مِظَلَّةٍ تَأْوِي إِلَيْهَا العَصَافِيرُ المُهَاجِرَةُ مِنْ خَرِيفِ الأَيَّامِ، بَحْثًا عَنْ رَبِيعٍ صَادِقٍ لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ.
وَلَا تَقْتَصِرُ رَحْمَتُهُمْ عَلَى الضُّعَفَاءِ المُثْقَلِينَ بِهُمُومِ البَقَاءِ، بَلْ تَمْتَدُّ، فِي لَفْتَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ حَصِيفَةٍ، إِلَى الرَّحْمَةِ بِالقَادِرِينَ. فَالقَادِرُ، فِي عُرْفِ الأَقْوِيَاءِ، مُكَابِدٌ فِي طَبَقَةٍ أُخْرَى؛ يَحْمِلُ خُيَلَاءَ قُوَّتِهِ كَقَيْدٍ ذَهَبِيٍّ يُدْمِي مِعْصَمَهُ فِي صَمْتٍ، وَيُخْفِي تَحْتَ دِرْعِ السِّيَادَةِ وَحْشَةً لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ عَرَفَ ثَمَنَ القِمَمِ. العِزَّةُ البَصِيرَةُ تَرْحَمُ هَذَا القَادِرَ مِنْ غُرُورِهِ إِذَا طَغَى، وَمِنْ وَحْشَتِهِ إِذَا اسْتَوْحَشَ فِي قِمَّتِهِ الجَلِيدِيَّةِ؛ تُقَدِّمُ لَهُ العُذْرَ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ لِسَانُهُ، وَتُعِينُهُ عَلَى ثِقَلِ مَوَاهِبِهِ كَيْ لَا تَنْقَلِبَ لَعْنَةً عَلَيْهِ، وَتُذَكِّرُهُ، وَلَوْ بِالصَّمْتِ، أَنَّ القُوَّةَ الَّتِي لَا تَتَعَلَّمُ الرِّفْقَ تَنْتَهِي إِلَى وَحْشَةٍ لَا تُطَاقُ.
هُوَ التَّرَفُّعُ عَنِ الِانْتِقَامِ حِينَ تُتَاحُ الفُرْصَةُ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى المُسِيءِ مِنْ قُبْحِ فِعْلِهِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنِ السَّحْقِ لَا عَجْزًا، بَلْ لِأَنَّ الرُّوحَ الكَبِيرَةَ تَأْنَفُ أَنْ تَتَوَسَّخَ بِانْتِصَارٍ صَغِيرٍ. هُنَا، يَتِمُّ اسْتِبْدَالُ شَهْوَةِ السَّحْقِ بِاسْتِحْقَاقِ الِاحْتِوَاءِ؛ فَالمُعَاقَبَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلنَّاقِصِ المُتَجَبِّرِ أَنْ يُتْرَكَ لِيَغْرَقَ فِي بِئْرِ نَقْصِهِ، بَيْنَمَا تُحَلِّقُ أَنْتَ بِرُوحِكَ فِي سَمَاءٍ لَا يَسْتَطِيعُ وُصُولَهَا حَتَّى فِي أَحْلَامِهِ. وَهَكَذَا يُصْبِحُ العَفْوُ دَلِيلًا عَلَى القُدْرَةِ، وَالتَّغَافُلُ بُرْهَانًا عَلَى التَّفَرُّدِ، وَالرَّحِيلُ عَنْ وَحْلِ المُهَاتَرَةِ أَبْلَغَ مِنْ أَلْفِ صَيْحَةٍ فِي وَجْهِ الطِّينِ.
رُقِيُّ النَّفْسِ إِذًا لَيْسَ وِجْهَةً يَنْتَهِي إِلَيْهَا دَرْبُ السَّائِرِينَ، بَلْ حَالَةٌ انْبِعَاثِيَّةٌ مُسْتَدَامَةٌ؛ وِلَادَةٌ تَتَكَرَّرُ كُلَّمَا نَضَجَتِ الرُّؤْيَا وَاحْتَرَقَتِ المَرَاحِلُ. هِيَ النَّفْسُ الَّتِي اكْتَمَلَتْ فِيهَا دَوَائِرُ الإِبْدَاعِ الفِكْرِيِّ، فَلَمْ يَعُدْ لِضَجِيجِ المَادَّةِ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ، وَلَا لِبَرِيقِ الغِوَايَاتِ عَلَى بَصِيرَتِهَا حُكْمٌ. هَذِهِ الأَرْوَاحُ الكَبِيرَةُ تَعِيشُ فِي مَجَرَّاتِهَا الخَاصَّةِ، تَغْزِلُ مِنْ جُيُوبِ الأَسَى مَعَانِيَ مُخْمَلِيَّةً تُدْهِشُ العُقُولَ، وَتَنْحَتُ مِنْ حِجَارَةِ العَقَبَاتِ سُلَّمًا مِنْ نُورٍ تَعْرُجُ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ البَيَانِ. لَا تَنْتَظِرُ الإِنْصَافَ مِنْ قُضَاةِ الأَرْضِ، بَلْ تَصْنَعُ إِنْصَافَهَا بِأَيْدِيهَا حِينَ تُرَتِّلُ قَصَائِدَ وُجُودِهَا عَلَى مَسَامِعِ الزَّمَانِ.
إِنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ الحَيَاةَ الخَالِيَةَ مِنَ الإِبَاءِ عَدَمٌ مُتَحَرِّكٌ، وَأَنَّ العِزَّةَ الَّتِي لَا يُخَالِطُهَا نَدَى الرَّحْمَةِ قَبْرٌ مُزَخْرَفٌ، وَأَنَّ التَّوَاضُعَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَى مَحْوِ الذَّاتِ لَيْسَ فَضِيلَةً، بَلْ خِيَانَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي أُودِعَ فِي الرُّوحِ. لِذَلِكَ تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا، وَلَكِنَّ خُطُوَاتِهَا تُوقِظُ التَّارِيخَ؛ تَبْتَسِمُ بِخَفَرٍ، وَلَكِنَّ ابْتِسَامَتَهَا تُذِيبُ جَلِيدَ اليَأْسِ فِي صُدُورِ المَنْكُوبِينَ؛ تَصْمُتُ كَأَنَّهَا لَا تَقُولُ شَيْئًا، وَإِذَا بِصَمْتِهَا يُعِيدُ تَرْتِيبَ الهَوَاءِ مِنْ حَوْلِهَا. هِيَ شَاهِدَةُ الحَقِّ وَحَارِسَةُ الهَيْبَةِ، الَّتِي فَهِمَتْ أَنَّ العِزَّةَ الفَارِهَةَ وَالتَّوَاضُعَ الجَلِيلَ لَيْسَا ضِدَّيْنِ يَتَنَافَرَانِ، بَلْ جَنَاحَا الرُّوحِ السَّمَاوِيَّةِ؛ بِهِمَا مَعًا تَتَعَالَى عَنْ سَفَاسِفِ الطِّينِ، وَتُحَلِّقُ فِي مَلَكُوتِ المَعْنَى، وَفْقَ إِيقَاعٍ لَا يُجِيدُ عَزْفَهُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ فِي قَلْبِهِ بَيْنَ جَبَلٍ لَا يَنْحَنِي، وَغَيْمَةٍ لَا تَبْخَلُ بِالمَطَرِ.
