بين الإيمان الموروث والإيمان المختار
الانتقال من عادة الانتماء إلى بصيرة العبودية
يولد الإنسان قبل أن يختار اسمه، ولغته، وبلده، والبيت الذي تتفتح فيه عيناه، والحكايات التي تُروى له عن العالم، والكلمات التي يتعلم بها معنى الخير والخوف والرجاء. ويولد كثير من المسلمين في بيوتٍ يسمعون فيها الأذان قبل أن يفهموا الصلاة، ويرون المصحف قبل أن يقرؤوا آياته، ويحفظون اسم الله قبل أن يدركوا معنى الألوهية، ويتعلمون أن الإسلام دينهم كما يتعلمون أن العربية لغتهم وأن هَذِه الأرض وطنهم. يدخل الدين إلى النفس أولًا من باب الألفة؛ صوت الأم، وصلاة الأب، ورمضان، والعيد، والمسجد، والدعاء عند الخوف، وذكر الموت والجنة والنار، ثم يكبر الإنسان وهو يحمل إيمانًا لم يختر بدايته، كما لم يختر أكثر البدايات التي صنعت كيانه.
وليس في ذلك عيب، بل هو من سنن التكوين الإنساني؛ فلا يبدأ أحد حياته من فراغ، ولا يستطيع الطفل أن يؤسس رؤيته للوجود بنفسه قبل أن تهيئ له الأسرة والمجتمع لغةً يرى بها الأشياء. الموروث الديني قد يكون نعمةً عظيمة، لأنه يضع الإنسان منذ صغره في بيئةٍ تتجه به إلى الله، ويمنحه المعاني الأولى للرحمة والحرام والحلال والغاية والمصير. وكم من إنسان حفظه إيمان أسرته من تيهٍ طويل، وأعطته العادة الصالحة طريقًا إلى العبادة قبل أن يكتمل وعيه بفلسفتها وأسرارها. لكن النعمة التي تبدأ طريقًا قد تتحول إلى حجاب إذا ظن الإنسان أن مجرد وصول الدين إليه يكفيه عن أن يصل هو إليه. فثمة فرقٌ دقيق بين أن يرث المرء الإسلام وبين أن يصبح الإسلام رؤيته المختارة للوجود، وبين أن يعرف أنه مسلم لأنه ولد في بيتٍ مسلم وبين أن يعي لماذا يعبد الله، ولماذا يصدق الوحي، وما الذي يعنيه أن يكون مسلمًا في ضميره وسلوكه وموقفه من الحياة.
الإيمان الموروث لا يُنْقَدُ لمجرد أنه موروث، وإنما لأنه قد لا يصبح يقينًا راسخًا لمجرد أنه قديم في الأسرة. فالإنسان قد يرث حقيقة، كما قد يرث خطأ، وقد يتلقى عقيدةً صحيحةً بطريقةٍ لا تمنحه القدرة على فهمها أو الدفاع عنها أو العيش بمقتضاها. والحق لا يفقد حقانيته لأن صاحبه أخذه من أبويه، لكن صاحبه قد يبقى بعيدًا عن نوره إذا لم ينتقل من الحفظ إلى الفهم، ومن الاعتياد إلى الحضور، ومن هوية الجماعة إلى مسؤولية الفرد. ولهذا لا يكفي السؤال: هل ما ورثته صحيح؟ بل ينبغي أن يسبقه أو يصاحبه سؤالٌ آخر: هل أصبح ما ورثته حاضرًا في وعيي، أم ما زلت أحمله كما يحمل الإنسان اسم العائلة؛ يعرف أنه له، لكنه لم يختر معناه ولم يختبر أثره؟
“ثمة فرق دقيق بين أن يرث المرء الإسلام وبين أن يصبح الإسلام رؤيته المختارة للوجود.”
إن بعض الناس مثلاً لا يعرف من إيمانه إلا أنه نقيض إيمان الآخرين. يشعر بأنه مسلم لأنه ليس تابعًا لدينٍ آخر، أو لأنه ينتمي إلى بيئةٍ لها لباسها وأعيادها وعاداتها ومفرداتها. وحين يُسأل عن الله لا يجد في نفسه إلا عباراتٍ حفظها، وحين يُسأل عن معنى العبادة لا يتجاوز أن يقول إنها واجبات، وحين يواجه شبهةً أو ألمًا أو تناقضًا أخلاقيًّا يكتشف أن البناء الذي ظنه إيمانًا كان في قسمٍ منه غلافًا اجتماعيًّا لم ينفذ إلى أعماقه. وقد يكون الإنسان محافظًا على كثيرٍ من الشعائر، لكنه يؤديها كما تؤدي عادات الحياة اليومية؛ يكرر الحركة ويغيب عنه المعنى. يصلي لأن وقت الصلاة جاء، ويصوم لأن الناس يصومون، ويتجنب بعض المحرمات لأن المجتمع يستنكرها، ثم لا يشعر أن هَذِه الأعمال تعيد بناء قلبه أو نظرته أو علاقته بالله. فإذا ابتعد عن البيئة التي تحرس عاداته، ضعفت ممارسته؛ لأنه كان يستمد انتظامه من عين المجتمع أكثر مما يستمده من يقظة الضمير.
وهذا هو الفرق بين الدين بوصفه ثقافةً اجتماعية والدين بوصفه حقيقةً وجودية. الثقافة الدينية تمنح الإنسان طقوسًا ورموزًا ولغةً وانتماء، أما الإيمان الحي فيمنحه تفسيرًا لنفسه وللعالم، ويضعه أمام الله بوصفه مسؤولًا لا مجرد عضوٍ في جماعة. الثقافة قد تقول له كيف يحتفل، وكيف يلبس، وما العبارات التي يرددها، أما الإيمان فيسأله: من ربك في السر؟ ماذا تفعل حين تتعارض مصلحتك مع الحق؟ وأين يقف الله في قراراتك حين تغيب أعين الناس؟ وليس المقصود احتقار التدين الشعبي أو العادات الدينية؛ فكثيرٌ منها أوعيةٌ تحفظ المعنى وتنقله. لكن الوعاء لا يغني عن الماء، والشكل لا يضمن الروح. قد تحفظ الأسرة الصلاة في جسد الطفل، وهذا خير، لكن عليها أن تفتح له طريق فهمها كي لا تتحول بعد سنواتٍ إلى حركةٍ ثقيلة. وقد تعلمه حرمة الكذب، لكن عليها أن تربطها بمراقبة الله وكرامة النفس، لا بالخوف من الفضيحة وحده. وقد تعلمه الانتماء إلى الإسلام، لكن عليها أن تجعله يعرف أن الإسلام أمانةٌ أخلاقية ومعرفية، لا مجرد اسمٍ يرفعه حين يخاصم غيره.
إن أخطر ما يصيب الدين حين يتحول إلى عادةٍ ثقافية هو أن الإنسان يفقد الإحساس بدهشته. تصبح أسماء الله مألوفةً إلى حد الغياب، وتُقرأ الآيات التي لو نزلت على جبلٍ لتصدع من خشية الله من غير أن يتحرك القلب، وتتحول الصلاة من لقاءٍ إلى توقيت، والتوبة من انقلابٍ باطني إلى عبارة، والذكر من حضورٍ إلى أصواتٍ تتكرر على اللسان. لا لأن المعاني فقدت عظمتها، بل لأن الألفة حين تخلو من التجدد قد تغطي الأشياء حتى لا نعود نراها. وهنا تظهر الحاجة إلى الإيمان المختار. وليس معنى الإيمان المختار أن يخترع الإنسان لنفسه دينًا يناسب ذوقه، أو أن يضع الوحي أمام محكمة رغباته فيقبل منه ما يريحه ويرفض ما يكلفه. فالإيمان في التصور الإسلامي استجابةٌ لحقٍّ سابق على الإنسان، لا صناعةٌ ذاتية للحقيقة. نحن لا نختار أن يكون الله حقًّا، كما لا نختار أن تكون الشمس موجودة؛ إنما نختار موقفنا من الحق حين يتبين لنا، ونختار هل نخضع له أم نهرب منه، وهل نجعل حياتنا شاهدةً عليه أم نكتفي بمعرفته من بعيد.
“الفرق بين الدين بوصفه ثقافة اجتماعية والدين بوصفه حقيقة وجودية هو المسافة بين العادة ويقظة الضمير.”
الإيمان المختار يكون في الجانب العقائدي؛ وهو أن يعيد الإنسان امتلاك ما ورثه بوعي، وأن ينتقل من إسلام البيئة إلى إسلام البصيرة، ومن قول الناس له «هذا هو الحق» إلى معرفته هو لماذا يراه حقًّا، ومن الطاعة التي تحرسها العادة إلى العبودية التي يحملها الحب والمعرفة واليقين. وهو لا يبدأ بالشك في كل شيء لمجرد إثبات الاستقلال، كما يفعل من يتوهم أن العقل الحر لا يولد إلا بعد تحطيم الموروث كله. فليس النضج في أن يرفض الإنسان ما جاءه من آبائه، كما أنه ليس في أن يقبله كله؛ النضج هو أن يزن الموروث بميزان الوحي والعقل الصحيح، فيحفظ الحق الذي وصل إليه، وينزع عنه ما تراكم حوله من عاداتٍ بشرية وتأويلاتٍ متعصبة ومخاوف اجتماعية.
لقد ذم القرآن أقوامًا لمجرد أنهم اتبعوا آباءهم في الباطل، فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. ولم يكن العيب في وجود الآباء أو في التعلم منهم، بل في جعل سبقهم دليلًا نهائيًّا يغني عن البرهان. فالقرآن لَمْ يَأْتِ ليقطع الإنسان عن تاريخه، بل ليحرره من عبادة التاريخ، وليجعل الحق حاكمًا على الموروث لا تابعًا له. وفي الوقت نفسه لا يقدم الإسلام العقل بوصفه إلهًا جديدًا يشرع للوجود من ذاته، بل بوصفه أمانةً ووسيلةً للفهم والتدبر والتمييز. يقول القرآن: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، و﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. وهذه الدعوات لا تجعل الإيمان نقيضًا للتفكير، بل تكشف أن إيمانًا يخشى السؤال عن أصوله ومعانيه هو إيمانٌ لم يدرك بعد ثقة الوحي بنفسه. فالوحي لا يطلب من الإنسان أن يعطل عقله كي يؤمن، بل أن يحرره من الهوى والتقليد والسطحية كي يرى. العقل في الإسلام ليس خصمًا للوحي، لأن الوحي يخاطبه ويقيم عليه الحجة؛ وليس سيدًا فوق الوحي، لأنه محدودٌ بحدود الإنسان وقدرته وتجربته. العلاقة الصحيحة ليست صراعًا بين عقلٍ ووحي، بل لقاءٌ بين نور الهداية وأداة الفهم؛ الوحي يدل العقل على ما لا يستقل بإدراكه، والعقل يفقه خطاب الوحي ويميز دلالاته ويكشف زيف ما نُسب إليه.
ومن هنا يجب التفريق بين التسليم والتبصر. التسليم في مقامه الصحيح ليس استقالة العقل، بل ثمرة المعرفة والثقة. يسلم المؤمن لله لأنه عرف قدره، وأدرك محدودية نفسه، واطمأن إلى حكمة من يخضع له. أما التسليم الذي يسبق كل فهمٍ ويمنع كل سؤال، فقد يكون في كثيرٍ من الأحيان خضوعًا لسلطة الأب أو الشيخ أو الجماعة، لا خضوعًا لله. ثمة تسليمٌ يولد من العجز والخوف، وتسليمٌ يولد من المعرفة. الأول يقول: لا تسأل لأن السؤال خطر. والثاني يقول: اسأل بصدق، ثم اعرف أين تنتهي قدرتك، ولا تجعل قصورك مقياسًا للحقيقة. الأول يخشى أن ينهار الإيمان إذا فُتح له باب التفكير، والثاني يعلم أن الحق لا يخاف النظر المنصف، وأن العقل كلما تحرر من الهوى اقترب من موضعه الصحيح في العبودية.
ولذلك فإن التبصر لا يناقض التسليم، بل يطهره. فالإنسان الذي لم يفكر قد يسلم لما ورثه، لكنه قد يسلم غدًا لما يغلبه إعلاميًّا أو اجتماعيًّا. أما الذي عرف لماذا يؤمن، وقرأ الوحي، وتأمل دلائل الخلق، وفهم معنى النبوة، واختبر أثر العبادة والذكر والتوبة، فإن تسليمه لا يكون طاعةً عمياء، بل وفاءً لحقيقةٍ عرفها قلبه وعقله. وقد قص القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. لم يكن سؤال إبراهيم خروجًا من الإيمان، بل طلب انتقالٍ من مرتبةٍ في اليقين إلى مرتبةٍ أعمق. وهذه الآية تفتح للمتلقي المسلم بابًا بالغ الأهمية؛ قد يكون السؤال ابن الإيمان لا عدوه، وقد يطلب المؤمن الفهم لا لأنه ينكر، بل لأنه يريد أن يعبد الله على بصيرةٍ أكمل.
“التبصر لا يناقض التسليم بل يطهره؛ فالتسليم الذي يولد من المعرفة وفاء لحقيقة عرفها القلب والعقل.”
لكن السؤال نفسه يحتاج إلى أخلاق. فليس كل شكٍّ بحثًا عن الحقيقة، كما أن ليس كل يقينٍ ثمرة برهان. قد يسأل الإنسان ليهتدي، وقد يسأل ليهرب من التكليف، أو ليمنح شهوته تبريرًا فلسفيًّا. وقد يتمسك آخر بما ورثه لا لأنه مطمئن إلى الحق، بل لأنه يخشى أن يخسر مكانته أو علاقته بالجماعة. لذلك لا يكفي تحرير العقل من سلطة الموروث، بل يجب تحريره كذلك من سلطة الهوى. العقل النقدي داخل الإيمان ليس عقلًا يتلذذ بهدم كل شيء، بل عقلٌ يميز. يفرق بين الوحي وتفسير البشر له، وبين الدين والعادات التي لبست ثوبه، وبين الثابت الذي يقوم عليه الإسلام والاجتهاد التاريخي الذي يتغير، وبين حرمة السؤال وسوء أدبه، وبين احترام العلماء وتحويلهم إلى معصومين، وبين وحدة الأمة وإسكات العقول.
وقد ورثت مجتمعاتٌ مسلمة كثيرًا من الأقوال والممارسات التي اختلط فيها الدين بالعرف، حتى أصبح نقد العرف يبدو لبعض الناس نقدًا للإسلام. قد تُفرض صورةٌ اجتماعية للأسرة أو السلطة أو المرأة أو التربية أو الطاعة، ثم تُقدم على أنها حكم الدين النهائي، مع أنها في قسمٍ منها نتاج بيئةٍ وتاريخٍ واجتهادٍ بشري. فإذا حاول شابٌّ أو باحث أن يميز بين النص والتقاليد اتُّهم بأنه يعبث بالثوابت، لأن المجتمع يخشى فقدان سلطته أكثر مما يخشى تشويه الدين. ومن هنا فإن إعادة بناء الإيمان على وعيٍ شخصي لا تعني الفردانية الدينية التي تجعل كل إنسانٍ مرجع نفسه، بل تعني أن يتحمل كل فردٍ مسؤوليته أمام الله في فهم ما يستطيع فهمه، وطلب العلم ممن يثق بدينه وأمانته، وعدم تحويل الجماعة إلى بديلٍ عن الضمير. المؤمن جزءٌ من أمة، ويتعلم من علمائها، ويعبد مع جماعته، لكنه سيقف أمام الله فردًا؛ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
إن الجماعة تسند الإيمان، لكنها لا تؤمن بدلًا من الإنسان. والأسرة تفتح الطريق، لكنها لا تستطيع أن تمشيه عنه. والعالم يبين الدليل، لكنه لا يملك أن يضع اليقين في القلب. لذلك لا بد أن يمر الإيمان في لحظةٍ ما من سؤال الفرد: ماذا يعني هذا الحق لي؟ كيف يعيد ترتيب حياتي؟ وهل أنا مسلمٌ لأن الناس من حولي مسلمون، أم لأنني رأيت في الإسلام جوابًا صادقًا عن الله والإنسان والوجود؟ غالبًا ما يأتي هذا السؤال عند لحظة اضطراب؛ سفرٌ يخرج الإنسان من بيئته، أو دراسةٌ تعرضه لأفكار جديدة، أو ألمٌ يهز تصوره البسيط عن العناية الإلهية، أو ظلمٌ يرتكبه متدينون، أو شبهةٌ علمية أو أخلاقية، أو مشاهدة تناقضٍ بين الخطاب الديني وسلوك أصحابه. عندها يتبين مقدار ما كان في الإيمان من وعي، ومقدار ما كان فيه من حماية البيئة. قد يخاف الآباء والمربون هذه اللحظة، لكن الهروب منها لا يلغيها. الشاب الذي لا يجد في بيته أو مسجده مكانًا آمنًا للسؤال سيبحث عن الجواب في أماكن أخرى، وقد يجد من يحترم سؤاله لكنه يقوده إلى جوابٍ مضلل، بينما يكون أهل الدين قد خسروا قلبه لأنهم عاقبوه على صدقه.
إن السؤال الذي يُقمع لا يموت؛ ينزل إلى أعماق النفس ويتحول إلى صدعٍ صامت. وقد يستمر الإنسان في الصلاة والعبادات، لكنه يشعر من داخله أن أجزاءً من إيمانه لم تعد متصلةً بعقله. يعيش ازدواجًا بين ما يعلنه وما يخفيه، ويخشى أن يواجه نفسه، لأن المجتمع علمه أن الشبهة فضيحة لا مرحلةً تحتاج إلى علمٍ وصبر. والتعليم الديني الذي يصور الإيمان بناءً زجاجيًّا يتحطم من سؤالٍ واحد يسيء إلى الإيمان نفسه. فالحق أرسخ من أن يخاف السؤال، لكن السؤال يحتاج إلى من يحسن فهمه، ويميز بين الشبهة الفلسفية والجرح النفسي، وبين أزمة الدليل وأزمة الثقة، وبين من يشك في وجود الحكمة ومن تألم لأنه لم ير الحكمة في مصيبته.
وإنَّ كثيرًا من أسئلة الإيمان ليست عقليةً خالصة، وإن ظهرت في صورة حجج. قد يسأل الإنسان: لماذا يسمح الله بالألم؟ لكنه في أعماقه لا يطلب نظريةً في الشر، بل يبحث عن معنى لموت شخصٍ يحبه. وقد يعترض على الدين لأنه رأى متدينًا يظلم أمه أو يحتقر إنسانًا، فيكون مدخل العلاج إعادة الفصل بين الله وسوء تمثيل بعض عباده له، لا إغراقه في براهين لا تلامس جرحه. ولهذا فإن الإيمان المختار لا يُبنى بالبرهان العقلي وحده، وإن كان البرهان ضروريًّا، ولا بالتجربة الروحية وحدها، وإن كانت التجربة حياة الإيمان. إنه بناءٌ تتآزر فيه المعرفة والعبادة والأخلاق والتجربة. يعرف الإنسان أصول ما يؤمن به، ثم يختبرها في الحياة؛ يقرأ عن الرحمة، ثم يجد أثرها في التوبة، ويؤمن بالحكمة، ثم يتعلم الصبر حين تغيب عنه تفاصيلها، ويعرف أن الصلاة صلة، ثم يجاهد حتى تنتقل من عادة الجسد إلى يقظة القلب.
“السؤال الذي يُقمع لا يموت، بل ينزل إلى أعماق النفس ويتحول إلى صدع صامت.”
التجربة الفردية هنا لا تنشئ الحقيقة، لكنها تجعلها معيشة. فالماء لا يصبح ماءً لأن العطشان شربه، لكنه لا يعرف معنى الري معرفةً كاملة حتى يذوق. وكذلك الإيمان؛ يمكن أن يعرف الإنسان أحكامه وبراهينه من الكتب، لكن ثمة معرفةً لا تنفتح إلا حين يصدق في الدعاء، أو يقوم من ذنبٍ بالتوبة، أو يتخلى عن منفعةٍ خوفًا من الله، أو يجد في القرآن جوابًا يخاطب حاله كما لو أنه نزل عليه في تلك الساعة. وهذه التجربة يجب أن تبقى منضبطةً بالوحي، حتى لا يتحول الشعور إلى مصدر تشريع. فما يراه الإنسان في نفسه قد يختلط بالوهم والهوى والانفعال، وليس كل سكينةٍ دليل حق، كما أن ليس كل مشقةٍ دليل باطل. لكن إلغاء التجربة من الدين يحوله إلى منظومة معلومات جافة، وفصل التجربة عن الوحي يحوله إلى روحانيةٍ سائلة يصنع فيها كل إنسان إلهه على صورته.
الإيمان المختار إذن هو لقاء الأصل الإلهي بالتجربة الإنسانية؛ الوحي يقدم الحقيقة والميزان، والعقل يتدبر ويفهم، والقلب يذوق ويطمئن، والسلوك يشهد على صدق الدعوى. فإذا انفصلت هذه الأبعاد ظهر الخلل؛ علمٌ بلا خشوع، أو عاطفةٌ بلا ميزان، أو طقوسٌ بلا معنى، أو أخلاقٌ بلا عبودية. ولكي ينشأ هذا الإيمان لا بد من إصلاحٍ عميقٍ في التربية الدينية. فمناهج كثيرة ما تزال تقيس نجاحها بمقدار ما يحفظ الطالب من تعريفاتٍ وأحكام، لا بمقدار ما يفهم من مقاصدها ويرتبط بها. يتعلم الطفل أركان الصلاة، لكنه قد لا يتعلم لماذا يحتاج الإنسان إلى الوقوف بين يدي الله كل يوم. ويحفظ نواقض الوضوء، لكنه لا يفهم الطهارة بوصفها إعدادًا للجسد والروح للقاء. ويدرس الإيمان بالقدر، لكنه لا يجد من يعلمه كيف يمنحه القدر توازنًا بين العمل والتسليم.
لا ينبغي إلغاء الحفظ؛ فالحفظ وعاءٌ للعلم، والقرآن نفسه يُحفظ في الصدور. لكن الحفظ إذا لم يتبعه فهمٌ وتدبرٌ وتطبيق قد يصنع ذاكرةً دينية لا عقلًا مؤمنًا. والمطلوب ليس نقل المناهج من التلقين إلى الفوضى، بل من التلقين المنفرد إلى تعلمٍ يجمع النص والمعنى والسؤال والممارسة. وينبغي أن يتعلم الطالب منذ مراحله الأولى الفرق بين الثابت والمتغير، وبين النص القطعي والاجتهاد، وبين الدين والعرف، وبين احترام الرأي الفقهي والقول بعصمته. وينبغي أن يعرف أن تاريخ المسلمين ليس هو الإسلام نفسه؛ فيه عدلٌ وظلم، واجتهادٌ وخطأ، وورعٌ واستعمالٌ للدين في السياسة. فإذا عُلّم التاريخ بوصفه عصرًا كاملًا من القداسة، انهار وعيه حين يكتشف تناقضاته، وقد يظن أن كشف خطأ المسلمين كشفٌ لخطأ الإسلام. كما ينبغي تدريسه أدب الاختلاف قبل إغراقه في نتائج الخلاف. يعرف أن العلماء قد يختلفون مع صدقهم، وأن اختلاف الاجتهاد لا يعني ضياع الحقيقة ولا فساد الدين، وأن امتلاك الحجة لا يبيح احتقار المخالف. فالعقل الذي لا يعرف إلا جوابًا واحدًا لكل مسألةٍ اجتهادية يصبح إيمانه هشًّا أمام تنوع التراث نفسه.
ويجب أن تدخل مهارات التفكير النقدي إلى التعليم الديني بوصفها حارسةً للفهم، لا خطرًا عليه؛ التحقق من النسبة، وفهم السياق، والتمييز بين الدليل والدعوى، وبين الارتباط والسبب، وبين النص وتطبيقه، وبين قوة العبارة وقوة البرهان. فكم من خطابٍ ضعيف الدليل يحمي نفسه بجلال المفردات، وكم من عادةٍ تُفرض باسم الدين لأن المتلقي لم يتعلم كيف يسأل: ما مصدر هذا القول؟ وما مرتبته؟ وهل هو نص أم تفسير؟ وهل هو حكمٌ عام أم مرتبط بسياق؟
ولا يكفي إصلاح الكتاب إذا بقي المعلم خائفًا من السؤال. نحتاج إلى مربين يعرفون أن قول «لا أعلم» أمانة، وأن السؤال الصعب لا يهدم هيبتهم، وأن مهمتهم ليست الانتصار في مناظرةٍ مع الطالب، بل مساعدته على الوصول إلى الحق. المعلم الذي يسخر من السائل قد ينتصر لحظةً أمام الصف، لكنه يخسر ثقة عقلٍ كامل. كما ينبغي إنشاء مساحاتٍ آمنة للشباب يتحدثون فيها عن شكوكهم وتجاربهم من غير تشهيرٍ ولا اتهام. ليس كل ما يقال في تلك المساحات يصلح أن يلقى على العامة بلا علم، لكن حماية المجتمع لا تكون بدفن الأسئلة، بل بتوجيهها إلى أهل المعرفة والحكمة. وقد كان العلماء عبر التاريخ يكتبون في الشبهات والاعتراضات، ولم يروا مجرد وجودها إعلانًا عن هزيمة الدين.
ويحتاج الخطاب الديني كذلك إلى أن يربط الأحكام بمقاصدها ومعانيها، من غير أن يجعل المقصد ذريعةً لإلغاء النص. فالمسلم حين يفهم أن العبادة تبني حريته من الهوى، وأن الحلال والحرام يصونان الإنسان والمجتمع، وأن الأخلاق ليست إضافاتٍ تجميلية بل ثمرة الإيمان، يصبح التزامه أكثر وعيًا. أما إذا قُدِّم له الدين قائمة أوامر منفصلة عن الحكمة، فقد يلتزم زمن الخوف ثم يترك حين يشعر أنه تحرر من سلطة المربي.
“ومن هنا فإن تجديد الإيمان لا يبدأ من العقل وحده، بل من إصلاح المثال الأخلاقي. فالدليل يفتح باب الاقتناع، لكن السلوك قد يفتح القلب أو يغلقه. “
والأسرة هي البداية في هذا الإصلاح. على الوالدين أن يفرقا بين حماية إيمان الطفل وبين حماية صورتهما أمامه. لا ينبغي أن يجيبا عن كل سؤالٍ بجوابٍ مصنوع كي يظهرا عالمين، ولا أن يحولا سؤال الابن إلى اتهامٍ لتربيتهما. يستطيع الأب أن يقول: هذا سؤالٌ مهم، فلنبحث فيه معًا. وبهذا يتعلم الابن أن الإيمان رحلة معرفةٍ مشتركة، لا سورًا يحرسه الكبار من فضول الصغار. وينبغي للأسرة أن تقدم نموذجًا يصدق الخطاب. فالطفل الذي يسمع أباه يتحدث عن الرحمة ثم يراه قاسيًا سيتعلم أن الدين أقوال، والذي يسمع عن العدل ثم يرى التمييز بين الأبناء سيشك في المعنى قبل أن يملك لغة التعبير عن شكه. وكثيرٌ من أزمات الشباب مع الدين ليست مع النص، بل مع الصورة المتناقضة التي قدمها المتدينون له.
ومن هنا فإن تجديد الإيمان لا يبدأ من العقل وحده، بل من إصلاح المثال الأخلاقي. فالدليل يفتح باب الاقتناع، لكن السلوك قد يفتح القلب أو يغلقه. وقد يكون إنصاف عالمٍ في اختلافه، ورحمة أبٍ في تربيته، وصدق معلمٍ في اعترافه، أبلغ في تثبيت الإيمان من خطبةٍ طويلة عن وجوب الطاعة. ومع ذلك ينبغي الحذر من جعل الإيمان المختار مشروعًا ينتهي عند لحظة اقتناعٍ فكرية. فالإيمان في الإسلام ليس قرارًا ذهنيًّا يُتخذ مرةً ثم يُحفظ في الذاكرة، بل عهدٌ يتجدد ويقوى ويضعف. قد يختار الإنسان إيمانه بوعي في شبابه، ثم يتحول بعد سنواتٍ إلى عادة جديدة إذا ترك المجاهدة والتدبر. ولذلك فالمطلوب ليس انتقالًا واحدًا من الموروث إلى المختار، بل تجديدٌ مستمر للاختيار داخل العبادة والحياة.
كل صلاةٍ واعية اختيارٌ جديد، وكل توبةٍ عودةٌ مختارة، وكل موقفٍ يتخلى فيه الإنسان عن هواه لله إعادة تأسيسٍ لإيمانه. واليقين لا يعني غياب كل سؤالٍ أو اضطراب، بل وجود أصلٍ يعود إليه الإنسان كلما اضطربت نفسه، ومعرفةٍ بأن الطريق إلى الله لا يقوم على انفعالٍ عابر، بل على صدقٍ ومجاهدة وصحبةٍ وعلم.
وقد يظن بعض الناس أن الإيمان الموروث أكثر أمانًا لأنه لا يفتح أبواب الأسئلة، لكن ما لا يُختبر في الوعي قد ينهار عند أول اختبارٍ في الواقع. والجيل الذي يعيش في عالمٍ مفتوح لا يمكن حمايته بمنع الأفكار من الوصول إليه؛ فالأفكار ستصل عبر الهاتف والجامعة والعمل والسفر. الحماية الحقيقية هي أن يمتلك معيارًا يقرأ به ما يصل، وأن يكون قد عرف إيمانه من داخله، لا من خلال الصور التي يصنعها خصومه أو المدافعون الضعفاء عنه. كما قد يظن آخرون أن الإيمان المختار يقتضي المرور بمرحلة إنكارٍ أو تمرد، وهذا غير صحيح. ليس على الإنسان أن يضيع كي يثبت أنه اهتدى، ولا أن يهدم البيت كي يثبت أنه اختار السكن فيه. قد ينتقل المؤمن من الموروث إلى الوعي بهدوءٍ داخل الدين نفسه؛ يقرأ ويتأمل ويسأل ويعبد، حتى يصبح ما تلقاه من أسرته حقيقةً شهدها بقلبه وعقله.
الإيمان المختار لا يحتقر الآباء، بل يحقق أجمل ما أرادوه. فالوالد الصادق لا يريد ابنًا يكرر كلماته بلا فهم، بل يريد أن يلقى الله مؤمنًا ولو غاب الوالد والمجتمع والرقابة. وأعظم وفاءٍ للموروث الصالح أن نحوله من أمانةٍ محمولة إلى حياةٍ متجددة، لا أن نحفظ شكله حتى تجف روحه. إن الموروث يشبه المصباح الذي يناوله الأب لابنه في أول الطريق؛ قد يكون فيه نورٌ حقيقي، لكن الابن يحتاج أن يفتح عينيه ليرى به، وأن يعرف كيف يحمله ويحميه من الريح. فإن حمله مغمض العينين لم ينتفع بالنور، وإن أطفأه لمجرد أنه أخذه من أبيه سار في الظلام وهو يظن أن الاستقلال هو رفض كل ما سبق. ليس المطلوب إذن إيمانًا بلا جذور، ولا موروثًا بلا سؤال. المطلوب جذورٌ تمنح العقل ثباتًا، وعقلٌ يمنع الجذور من التحول إلى قيود، ووحيٌ يحكم كليهما، وتجربةٌ تجعل الحق حيًّا في النفس.
الإيمان الموروث باب، وليس البيت كله. وهو بذرة، لا الشجرة المكتملة. وقد يكون أول رحمةٍ تصل إلى الإنسان، لكنه يحتاج أن يسقيها بالعلم والعبادة والتفكر والصدق حتى تصير يقينًا يخصه من غير أن يكون من اختراعه. فنحن لا نختار الحقيقة بمعنى أننا نصنعها، بل نختار أن نفتح لها قلوبنا، وأن نتحمل مقتضاها، وأن نخرج بها من ذاكرة الجماعة إلى سريرة الفرد، ومن دفء البيت الأول إلى امتحان الحياة الواسع.
وحين يفعل المسلم ذلك لا يعود دينه مجرد إجابةٍ عن سؤال الهوية: من أنت؟ بل يصبح جوابًا عن سؤال الوجود: لماذا أنت هنا، ولمن تعيش، وإلى أين تمضي؟ عندها لا يصلي لأن المسلمين يصلون فحسب، بل لأنه عرف حاجته إلى الله. ولا يتمسك بالإسلام لأن آباءه كانوا مسلمين فقط، بل لأنه رأى فيه الحق الذي كان آباؤه يرجون أن يورثوه إياه. ولا يخاف السؤال، لأنه لا يعبد ما لا يعرف، ولا يتكبر بالعقل، لأنه يعرف أن العقل نفسه نعمةٌ من الله وحدوده جزءٌ من حقيقته. وبذلك يتحول الإيمان من اسمٍ نولد تحته إلى عهدٍ ننهض إليه، ومن ميراثٍ محفوظ إلى اختيارٍ متجدد، ومن عادةٍ تحرسها الجماعة إلى بصيرةٍ تصحب الإنسان حين ينفرد بربه، فلا يكون مسلمًا لأن العالم من حوله قال له ذلك فحسب، بل لأنه أبصر الطريق، ثم اختار أن يسير فيه.

