الأدبسرديات

بمعروف

أشعلت ماريا الشمعةَ المعطّرة العاشرة، فانضمّ لهيبُها الصغير إلى أخواته، وامتدّ على الجدران ضوءٌ دافئٌ يرتجف كلّما مسَّ زجاجَ النافذة عصفُ الريح. أحكمت أطراف شالها المخمليّ فوق ثوبها الحريريّ، وأسندت خدّيها إلى راحتيها، تتأمّل الثلوج وهي تهبط في رفقٍ على المدينة. كان البياض يتراكم فوق الأرصفة وأغصان الشجر، ويمحو آثار المارّة، كأنّ السماء تُهيّئ الأرض لبدايةٍ لا تعرفها.

أعدّت لجوزيف متّكأً فوق الأريكة الوثيرة، وزيّنت المائدة بما يحبّ من طعام، وأطلقت من زاويةٍ بعيدة موسيقى هادئةً اعتاد أن يستريح إليها. ثم أجالت النظر في الغرفة مرّةً أخيرة، تتفقّدُ التفاصيل الصغيرة التي لا يلحظها غالبًا، لكنها كانت تراها لغتها الأصدق في محبّته.

عشرُ سنواتٍ مضت منذ التقته. لم يكن حبّهما عاصفةً عابرةً، بل بناءً بطيئًا تعاقبت عليه الفصول، ورسخت أساساته بالمودّة والرحمة والاحترام. أسعدها جوزيف، وأحاطها بحياةٍ آمنةٍ أحبّتها، وما مسّها منه سوءٌ قطّ، حتى حين كان يضيق أو يتبرّم. ظلّ معها سمحًا كريمًا، يصون ضعفها، ويستبقي للودّ مكانه إذا غضب. ومع ذلك، كان فراغٌ خفيّ يتّسع في صدرها منذ أشهر.

لم يكن له شكلٌ واضح، لكنّه كان حاضرًا في شروده، وفي انكسار صوته حين يجيبها، وفي تلك النظرات التي كانت تهرب منها كلّما حاولت أن تستقرّ في عينيه. أحيانًا كانت تلمح وراء جفنيه دمعًا حبيسًا، فتتظاهر بأنّها لم تره، لعلّه يجد طريقه إليها من غير أن تجرحه بالسؤال. مدّت يدها إلى صورتهما الموضوعة قرب النافذة. كانا فيها يبتسمان تحت شمسٍ قديمة، يوم لم يكن في القلب غيرُ اليقين. رفعت الصورة، وقبّلت ابتسامته، ثم أعادتها إلى موضعها برفق.

لم يكن أكثر ما يؤلمها أنّه يخفي عنها شيئًا، بل أنّه يتألّم بعيدًا عنها. تمنّت لو يصارحها بما يثقله، فتُهدهد روحه، وتجمع شتات قلبه، وتدفع عنه ما تستطيع. ما من أحدٍ، في يقينها، كان أحرصَ على راحته منها. سمعت صوت المفتاح في الباب، فمسحت سريعًا بقايا دمعٍ لم تشعر بانحداره، ورسمت على شفتيها بسمةً تستقبله بها.

دخل جوزيف محمّلًا ببرد الخارج. تلقّته رائحة الطعام، ودفء الشموع، والموسيقى التي يحبّها. نظر إلى الغرفة، ثم إليها، وابتسم ابتسامةً امتزج فيها الامتنان بالحزن. قبّل جبينها، وضمّها طويلًا، كأنّه يستبقي في ذراعيه شيئًا يخشى فقده. تناولا الطعام في حديثٍ قليل. وكانت تراقب عينيه كلّما انصرفتا عنها، حتى جلسا متجاورين فوق الأريكة، وعاد الصمت ثالثًا بينهما.

وضعت يدها فوق يده. قالت في همسٍ رقيق: اشتقتُ إليك يا جوزيف.
أجابها أنّه اشتاق إليها أكثر، لكنّ صوته لم يَسْلَم من رجفةٍ صغيرة. بحثت عيناها عن عينيه الهاربتين، حتى اصطادتهما بنظرةٍ ودمعة. عندئذٍ أدرك أنّ الصمت لم يَعُد سترًا، بل صار جرحًا آخر يُضيفه إلى جرحها. أطرق طويلًا، ثم أخبرها.

كانت زميلةً له في العمل، تشاركه من الأفكار والميول ما لم يظنّ يومًا أنّه يفتقده. بدأ الأمر حديثًا عابرًا، ثم صداقةً لم يحذرها، ثم وجد قلبه يميل حيث لم يأذن له. قاوم، وابتعد، وحاولت هي أن تبتعد، غير أنّ المسافة لم تُطفئ ما نشأ بينهما. لم يقل إنّ الأخرى أجمل، ولا أرقّ، ولا أحقّ بالحبّ. ظلّ يؤكّد أنّ ماريا موضعُ مودّته وعِشرته ووفائه، لكنّ قلبه، على رغم ذلك، تعلّق بأخرى، وصار موزّعًا بين رغبتين، يؤلمه أن يظلم إحداهما، ويعجز عن اقتلاع الأخرى.

كان كلّ اعترافٍ يهوي في صدرها كقطعة ثلج. ومع ذلك، لم تقاطعه. بقيت يدها فوق يده، وإن أخذت أصابعها ترتجف. كانت تسمع ما يقوله، وتسمع وراءه أشهرًا من صراعه، وخوفه من جرحها، وعجزه عن الجمع بين صدقه معها وصدقه مع نفسه. حين فرغ، مال نحوها وضمّها، وقد خذلته عيناه.
اعتذر منها. قال إنّها أغدقت عليه من الحبّ، واحتملت نزقه، وشاركت حياته بحلوها ومرّها، وإنّه ما أراد أن يؤذيها أو يجازي وفاءها بجرح.

أبعدت رأسها قليلًا، ونظرت إليه من خلال دمعها. لم يكن الصفح سهلًا، ولم تكن قد تحوّلت فجأةً إلى امرأةٍ لا تغار ولا تتألّم. كان قلبها يُنتزع منها وهي جالسةٌ إلى جواره، وكانت تتمنّى، في قاع ضعفها، لو أنّ المرأة الأخرى لم توجد قطّ. غير أنّها أحبّته أكثر ممّا أحبّت امتلاك صورته، ولم تُرِد أن تجعل وفاءه القديم قيدًا يعاقَب به إلى آخر العمر.
قالت بصوتٍ كاد ينكسر: ليت القانون يسمح أن أبقى زوجتك، وتكون هي لك زوجًا، فأحترم وجودها في حياتك ما دامت تُسعد قلبك ولا تهدم ما بيننا. لكنّ القانون والكنيسة لا يتركان لنا إلا بابًا واحدًا، ولا بدّ أن يخرج أحدنا منه.
أمسك يدها بقوّة، فتابعت: لا أريد أن تختارني خوفًا من ذنبي، ولا أن تختارها شفقةً عليها. اختر حيث ترى حياتك، ولا تحمل منّي عتابًا يجعل سعادتك خيانةً لذكراي.

بكى جوزيف. أما هي، فابتسمت من وراء دمعها، لا لأنّ قلبها لم ينكسر، بل لأنّها رفضت أن تجعل من انكساره سلاحًا. بعد أيام، اتصلت بالمرأة الأخرى.
حدّثتها عن جوزيف كما تتحدّث أمٌّ عن شيءٍ تخشى عليه. ذكرت لها ما يحبّ وما يكره، صمته حين يحزن، وطريقته في إخفاء التعب، وحاجته إلى مَن يردّه إلى نفسه إذا غلبه العمل. أوصتها به خيرًا، وتمنّت لهما السعادة، ثم استأذنتها أن تبقى صديقةً بعيدةً تطمئنّ عليهما بين الحين والحين.

ولمّا أغلقت الهاتف، وجدت جوزيف واقفًا عند الباب، لا يقوى على الاقتراب. رفعت صورتهما القديمة من جوار النافذة، وضمّتها إلى صدرها.
«هل تسمح لي أن أحتفظ بها؟ ليست حجّةً عليك، بل ذكرى عهدٍ كان جميلًا.»

عانقها، وقبّل رأسها، واختلطت دموعهما. وخلف النافذة، ظلّ الثلج يهبط في هدوء، يمحو آثار الخارجين، ولا يمحو الطريق الذي مضوا فيه.

كان نهارُ المدينة الأخرى شتويًّا كذلك، حتى كادت الصخور تتفطّر من برده. لملم يوسف أوراقه بعد يومٍ جامعيّ طويل، وارتدى معطفه الثقيل، ثم أسرع في مراجعة بعض الملفّات على مكتبه في عمادة الكليّة. كان ينتظره بعد قليل لقاءٌ في إحدى القنوات الفضائيّة حول دراسةٍ جديدة أعدّها، ولم يبقَ لديه من الوقت إلا ما يكفي لتوقيع الأوراق وترتيب أفكاره.

وضعت زميلته أمامه ملفَّ طالبٍ يرجو الإعفاء من الرسوم لظرفه العسير، ثم أضافت أوراقًا جمعتها له حول دراسته. وقبل أن يطلب شيئًا، كانت قد أعدّت له القهوة، ورتّبت ما يحتاج إليه في اللقاء. شكرها بابتسامة، ثم انهمك في عمله.

كانت أستاذةً تشاركه تخصّصه وبعض مسؤولياته الجامعيّة. لم يبدأ ميله إليها من دهشة الجمال، بل من ألفة العقل، ومن ذلك الاهتمام الهادئ الذي لا يطالب بثمنه كلّ ساعة. وجد معها حديثًا يوقظ فكره، وتعاونًا يخفّف أعباءه، وتقديرًا لا يضطرّ معه إلى الدفاع عن قيمته. لم يكن غافلًا عمّا ينشأ في قلبه.

كان متزوّجًا من مريم منذ عشر سنوات، زواجًا رتّبته الأسرتان، ثم اجتهد هو أن يصنع له روحًا بعد أن صُنعت له صيغته. أحبّها، وتودّد إليها، وحفظها في غيابها وحضورها، وألزمته أخلاقه أن يحتمل نزقها، وأن يجد لها العذر بعد العذر. لكنّ العشرة عندها تحوّلت مع الزمن إلى عادةٍ لا امتنان فيها.

كانت ترى ما يقدّمه حقًّا ناقصًا، وما يعجز عنه جُرمًا كاملًا. كلّما أحسن إليها نسيت الإحسان عند أول خيبة، وكلّما احتمل غضبها عدّت احتماله اعترافًا بأنّها على حقّ. وكان توقير الناس له يزيدها استخفافًا، كأنّها تريد أن تثبت أنّ الرجل الذي يراه الآخرون كبيرًا يصغر بكلمةٍ منها.

في تلك الليلة، اشترى لها طاقة وردٍ أنيقةً في طريق عودته. كان قد تركها في الليلة السابقة غاضبةً من سببٍ لم يستطع أن يحدّده، وأراد أن يعود إلى البيت بيدٍ تحمل الودّ، لا بلسانٍ يستعيد الخصومة.
دخل مبتسمًا.
وجدها تحتسي قهوتها بعبوسٍ ظاهر، وشعرها مضطرب، وثيابها على غير ما اعتاد منها. جلس إلى جوارها، وحاول أن يضمّها، فدفعته عنها. قدّم لها الورد، فتناولته بطرف يدها، ونظرت إليه كما يُنظر إلى عذرٍ رخيص.
«أهذا كلّ ما قدرتَ عليه؟»
أخبرها أنّه لم يجد في يومه المزدحم أكثر من الورد، وأنّ ابتسامتها عنده أثمن من كلّ هديّة. لكنّ الكلمات الرقيقة لم تزدها إلا ضيقًا. اتهمته بأنّه يشتري رضاها بحديثٍ مكرور، وبوردٍ لا قيمة له، وأنّ حياته معها لم تكن يومًا كما تستحقّ.

حاول أن يذكّرها بعشر سنواتٍ لم يحرمها فيها حقًّا، ولم يقسُ عليها، ولم يُسلمها إلى حاجةٍ أو مهانة. غير أنّها استدعت الخُطّاب الذين رفضتهم قبل زواجه، وعدّدت مَن كانوا، في ظنّها، خيرًا منه وأقدر على منحها حياةً تليق بجمالها. ثم نظرت إليه في شيءٍ من الاحتقار:
«مَن كان سيقبل بك غيرُ حمقاء مثلي؟»

صمت يوسف.
نظر إلى الورد في يدها، وإلى العبوس الذي غطّى الوجه الذي طالما حاول أن يستبقي ابتسامته. شعر أنّ شيئًا ظلّ يؤجّل الاعتراف به أعوامًا قد وقف أمامه واضحًا: لم تَعُد المسألة غضبًا عابرًا، بل حياةً كاملةً يُطلب منه فيها أن يثبت كلّ يوم أنّه يستحقّ البقاء. كان يراجع نفسه دائمًا، ويحاسبها قبل أن يحاسبها، لكنه اكتشف أنّ محاسبة النفس إذا انفرد بها طرفٌ واحد تحوّلت إلى محكمةٍ لا تنتهي جلساتها.

رفع رأسه وقال بهدوء: هناك امرأةٌ تقبل بي، وهي راضيةٌ راغبةٌ، ولعلّه قد حان الوقت لأتزوّجها.

سقطت العبارة عليها كإهانةٍ لم يخطر لها أنّه يملك حقّ توجيهها. صرخت بالخيانة والغدر، وتوعّدته إن لم يتراجع ويعتذر. فأخبرها أنّه لم يخدعها، وأنّه لن يتخلّى عنها، ولن يهضم حقّها، وأنّ الذي أباح له زواجه بها أباح له زواجًا آخر، ما دام قادرًا على العدل وحفظ الحقوق.

لم تسمع من كلامه إلا أنّ امرأةً أخرى رأت فيه ما أنكرت هي وجوده. أسرعت إلى صورتهما المعلّقة في زاويةٍ مهملة من الجدار. نزعتها بعنف، وألقتها على الأرض، ثم داست إطارها حتى تشظّى الزجاج وتفرّقت ابتسامتاهما تحت قدميها. أمسكت الهاتف، وأخذت تبحث عن أرقام أهلها. كان الورد قد سقط إلى جوار شظايا الصورة.

وفي الليلة التالية، اعترضه رجالٌ قرب منزله. لم يمنحوه فرصةً لسؤالٍ أو دفاع. انهالت عليه الضربات، ثم تركوه على قارعة الطريق، ينزف من رأسه، ويتحسّس في صدره جرحًا لم يكن له موضعٌ ظاهر. بعد أيام، كان جالسًا في بيته يقرأ عنوانًا صحفيًّا عن «أستاذٍ جامعيّ تعرّض لهجومٍ همجي من مجهولين». وإلى جوار الصحيفة، استقرّ إخطارٌ من المحكمة يطالبه بالمثول في دعوى نفقةٍ ومخالعة.

رفع بصره إلى الجدار. ظلّ موضع الصورة أكثر بياضًا من بقيّته، مستطيلًا خاليًا يشهد أنّ شيئًا كان هناك ثم انتُزع. وعلى الأرض، بقيت شظيّةٌ صغيرة من الزجاج لم ينتبه إليها أحد. كانت تعكس جزءًا من وجهه، وتُعيده إليه مكسورًا كلّما تحرّك الضوء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى