الأدبوحي الخاطر

ابتسامة

حِينَ يُطِلُّ بَدْرُ وَجْهِكِ الصَّبُوحِ عَلَى لَيْلِ اغْتِرَابِي، بَعْدَ طَوِيلِ انْتِظَارٍ وَعَظِيمِ اشْتِيَاقٍ، يُشْرِقُ بِالبَهْجَةِ الخَاطِرُ، وَتَعْبَقُ بِالدِّفْءِ المَشَاعِرُ، وَتَرِقُّ بِالنَّجْوَى الشَّغَافُ؛ كَأَنَّ حُضُورَكِ لَيْسَ إِطْلَالَةَ وَجْهٍ عَلَى وَجْهٍ، بَلْ عَوْدَةُ رُوحٍ مِنْ مَنَافِي الوَحْشَةِ إِلَى وَطَنٍ كَانَ يَسْكُنُهَا قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ لَهُ اسْمًا، وَكَأَنَّ العُمْرَ، وَقَدْ أَعْيَاهُ التَّرَحُّلُ فِي قَفْرِ الأَيَّامِ، وَجَدَ فِي طَلَّتِكِ ظِلًّا يَلُمُّ شَتَاتَهُ، وَمَاءً يَغْسِلُ عَنْ خُطَاهُ غُبَارَ المَسَافَاتِ.

وَفِي بَهِيِّ الحُضُورِ تَتَفَتَّقُ المَآقِي أَزَاهِيرَ رَبِيعٍ حَافِلٍ، وَعَلَى وَجَنَاتِ الحُبُورِ يَسِيلُ نَدَاهَا وَأَرِيجُهَا طُقُوسَ مُهْجَةٍ فِي مَوَاسِمِ بَهْجَةٍ؛ فَتَشْخَصُ الرُّوحُ تَتَأَمَّلُ فِي جَمَالِكِ الوَثِيرِ، وَتَتَبَتَّلُ فِي مِحْرَابِ دَلَالِكِ الأَثِيرِ، وَتَقِفُ اللُّغَةُ عِنْدَ أَعْتَابِكِ مُطْرِقَةً، كَأَنَّهَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَحْصُرَ فِي حُرُوفِهَا مَا أَطْلَقَهُ اللهُ فِي مَلَامِحِكِ مِنْ سِحْرٍ لَا يُحَدُّ، وَمِنْ دَهْشَةٍ لَا يَسْتَوْفِيهَا وَصْفٌ وَلَا يَحْتَوِيهَا بَيَانٌ.

وَتَبْتَسِمِينَ؛ فَيَتَهَاتَفُ القَلْبُ اسْتِبَاءً، وَتَتَهَافَتُ النَّفْسُ اشْتِهَاءً، وَقَدْ زَلْزَلَهَا الأَلَقُ، وَأَغْرَاهَا العَبَقُ، وَأَوْهَاهَا السِّحْرُ المُقِيمُ بَيْنَ الجَفْنِ وَالحَدَقِ. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ تَنْفَرِجُ فِيهَا شَفَتَاكِ عَنْ قَبَسٍ مِنْ بَهْجَةٍ، حَتَّى تَشْعُرَ الرُّوحُ أَنَّ فِيهَا مِنَ الهَشَاشَةِ مَا يَجْعَلُهَا تُبْعَثُ بِبَسْمَةٍ، وَتَمُوتُ بِعُبُوسٍ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ، عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ صَلَابَةٍ وَاتِّزَانٍ، قَدْ يَكُونُ فِي حَضْرَةِ مَنْ يُحِبُّ أَرَقَّ مِنْ جَنَاحِ فَرَاشَةٍ، وَأَضْعَفَ مِنْ دَمْعَةٍ تَعَلَّقَتْ بِهُدْبٍ ثُمَّ خَشِيَتِ السُّقُوطَ.

وَلَا يَكَادُ الوَقَارُ يَنْهَرُ القَلْبَ حَتَّى يَعْذِلَهُ الحَنِينُ وَيَقْهَرَهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِجَنَاحَيْهِ؛ الشَّوْقِ وَالتَّوْقِ؛ فِي آفَاقٍ تَتَّسِعُ، وَخَيَالَاتٍ تَرْتَفِعُ، لَا يَحُدُّهَا فِي الكَوْنِ مَدَارٌ، وَلَا يَرُدُّهَا عَنِ الصَّبِّ انْتِهَارٌ. فَيَخْلَعُ القَلْبُ عَنْهُ رِدَاءَ الحَذَرِ، وَيَمْضِي إِلَيْكِ عَارِيًا إِلَّا مِنْ صِدْقِهِ، لَا يَخْشَى أَنْ تَرَيْ فِيهِ مَا أَخْفَاهُ عَنِ العَالَمِينَ، وَلَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّ بَسْمَةً وَاحِدَةً مِنْكِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ فِي حُصُونِهِ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ جُيُوشُ الخَيْبَةِ وَعَوَادِي السِّنِينَ.

فَمَا أَعْجَبَ هَذِهِ الرُّوحَ الَّتِي تَسْكُنُ هَذَا الطِّينَ! كَيْفَ يَسْرِي بِهَا أَثَرُ البَسْمَةِ مُدْهِشًا لِلنَّفْسِ، مُرْعِشًا لِلحِسِّ، مُنْعِشًا بِالأُنْسِ، مُعَرِّشًا السَّكِينَةَ فِي الحَشَا؛ كَأَنَّ الابْتِسَامَةَ لَيْسَتْ حَرَكَةً عَابِرَةً فِي مَلَامِحِ الوَجْهِ، بَلْ رُوحٌ صَغِيرَةٌ تَنْفَلِتُ مِنْ بَيْنِ الشِّفَاهِ، فَتَدْخُلُ صُدُورَ العَاشِقِينَ، وَتُرَتِّبُ فِيهَا مَا بَعْثَرَهُ القَلَقُ، وَتُصَالِحُ فِيهَا مَا خَاصَمَهُ الأَلَمُ، وَتَرُدُّ إِلَى مَرَايَا النَّفْسِ صُوَرَتَهَا الَّتِي شَوَّهَتْهَا أَصَابِعُ الحُزْنِ. أَسَارِيرُ تَنْفَرِجُ فَتُفَرِّجُ بِهَا كُلَّ زَفْرَةِ ضِيقٍ، وَتُبْهِجُ بِهَا قَلْبَ كُلِّ صَدِيقٍ، وَتُزِيلُ بِهَا انْقِبَاضَةَ الوَحْشَةِ، وَتَصُبُّ بِهَا مِنْ أَبَارِيقِ الدَّهْشَةِ السُّلَافَ فِي العُرُوقِ. وَكَأَنَّمَا خُلِقَتْ بَسْمَتُكِ مِنْ بَقِيَّةِ فَرَحٍ نَجَا مِنْ أَحْزَانِ الأَرْضِ، وَتَخَبَّأَ فِي ثَغْرِكِ لِيَخْرُجَ حِينَ يَبْلُغُ التَّعَبُ مِنِّي مَبْلَغَهُ، فَيَقُولَ لِقَلْبِي: مَا زَالَ فِي الحَيَاةِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُفْتَحَ لَهُ نَوَافِذُ الرَّجَاءِ.

ابْتِسَامَتُكِ جَمِيلَةٌ؛ كَأُقْحُوَانِ المُرُوجِ فِي أَيَّارَ، يَنْتَشِرُ أَبْيَضَ فَوْقَ بِسَاطٍ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، أَوْ كَفُصُوصِ لُؤْلُؤٍ مَنْثُورَةٍ فِي طَبَقِ عُنَّابٍ نَاضِجٍ لَذِيذٍ، أَوْ كَرَشْفَةِ سَاغِبٍ لَاغِبٍ مِنْ كَأْسٍ لَا غَوْلٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ. هِيَ جَمِيلَةٌ لَا لِتَنَاسُقِ الثَّغْرِ وَحْدَهُ، وَلَا لِبَهَاءِ اللَّآلِئِ المُنَضَّدَةِ فِيهِ، بَلْ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ دَاخِلِكِ مَا لَا تَحْمِلُهُ المَلَامِحُ المُتْقَنَةُ إِذَا خَلَتْ مِنَ الرُّوحِ؛ تَحْمِلُ صِدْقًا يَتَقَطَّرُ، وَحَيَاءً يَتَعَطَّرُ، وَحَنَانًا يَمُرُّ عَلَى القَلْبِ كَنَسِيمٍ عَرَفَ مَوْضِعَ الجُرْحِ، فَلَمْ يَمَسَّهُ إِلَّا بِمَا يُبْرِئُهُ.

فَيَا لَسِحْرٍ يُسَافِرُ بِالخَيَالِ إِلَى المُحَالِ، وَيَا لَخَمْرٍ يُثْمِلُ وَلَا يُسْكِرُ مِنْ حُمَيَّا سُلَافَةِ الشُّعُورِ! خَمْرٌ لَا تَذْهَبُ بِالعَقْلِ، بَلْ تَرُدُّهُ إِلَى حِكْمَةِ القَلْبِ، وَلَا تُوقِعُ فِي الخَطَلِ، بَلْ تُنْقِذُ الرُّوحَ مِنْ يَبَاسِهَا، وَتُعَلِّمُهَا أَنَّ بَعْضَ الجُنُونِ رُشْدٌ لَا يَفْقَهُهُ العَاقِلُونَ، وَأَنَّ بَعْضَ السِّحْرِ حَقِيقَةٌ عَجَزَتِ اللُّغَةُ عَنْ تَفْسِيرِهَا فَسَمَّتْهُ سِحْرًا.

وَيَنْتَشِي القَلْبُ؛ فَيُرَبِّتُ بِكَفِّ الأَمَلِ عَلَى كَتِفِ الأَلَمِ، وَيُسْرِجُ ذُبَالَةَ الوَجْدِ لِيُضِيءَ دَرْبَ العُمْرِ بِرَبِيعٍ مِنْ وِدَادٍ. وَتَنْهَضُ فِي دَاخِلِهِ أُمْنِيَاتٌ كَانَ يَحْسَبُهَا قَدْ دُفِنَتْ تَحْتَ رُكَامِ الخَيْبَةِ، فَتَنْفُضُ عَنْ أَجْنِحَتِهَا غُبَارَ السِّنِينَ، وَتُحَلِّقُ نَحْوَكِ؛ كَأَنَّ بَسْمَتَكِ نِدَاءٌ سِرِّيٌّ لِكُلِّ مَا كَادَ يَمُوتُ فِيَّ أَنْ يَعُودَ إِلَى الحَيَاةِ.

ابْتِسَامَتُكِ بَخِيلَةٌ؛ كَنَقْرَةِ عُصْفُورِ الدَّوْحِ مِنْ مَاءِ غَدِيرٍ، أَوْ كَوَمْضَةِ بَرْقٍ بَعِيدٍ لَا تَكَادُ تَلْمَحُهَا العَيْنُ إِلَّا أَثَرًا؛ فَلَا هِيَ أَرْوَتِ اللَّعَسَ، وَلَا هِيَ أَمْحَلَتِ الحَدْسَ، وَلَا هِيَ أَنْجَعَتِ اليَقِينَ. تَمُرُّ سَرِيعَةً كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهَا الزَّمَنُ، وَتَخْتَبِئُ بَيْنَ شَفَتَيْكِ كَطِفْلَةٍ عَبِثَتْ بِقَلْبٍ ثُمَّ لَاذَتْ بِثَوْبِ الحَيَاءِ، وَتَتْرُكُنِي أُفَتِّشُ عَنْهَا فِي مَلَامِحِكِ، كَمَنْ رَأَى نَجْمًا هَوَى فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ ظَلَّ يُحَدِّقُ فِي مَوْضِعِهِ لَعَلَّهُ يَعُودُ.

وَلَسْتُ إِخَالُهُ إِلَّا البُخْلَ الوَحِيدَ الَّذِي يُحْمَدُ وَيُنْشَدُ؛ لَا يَضِنُّ إِلَّا لِيَجُودَ فِي الأَوْصَالِ لَهْفَةً، وَلَا يَحْتَجِبُ إِلَّا لِيَزِيدَ بِالإِقْبَالِ رَأْفَةً، وَلَا يَقِلُّ إِلَّا لِيَكْثُرَ أَثَرُهُ فِي القَلْبِ. فَلَوْ دَامَتِ الابْتِسَامَةُ عَلَى شَفَتَيْكِ دَوَامَ النَّهَارِ، لَرُبَّمَا أَلِفَهَا النَّاظِرُ وَنَقَصَتْ مِنْ دَهْشَتِهَا العَادَةُ؛ وَلَكِنَّهَا تَأْتِي قَلِيلًا كَمَا يَأْتِي المَطَرُ فِي أَرْضٍ عَطْشَى، فَلَا تَسْقِي التُّرَابَ فَحَسْبُ، بَلْ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَحْلُمُ بِالمَوْسِمِ القَادِمِ.

وَإِنَّ العَيْنَ لَا تَبْرَحُ بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَخَيَالٍ، وَلَا يَزَالُ القَلْبُ بَيْنَ قُنُوطٍ وَرَجَاءٍ، حَتَّى إِذَا عَادَ البَرْقُ هَمَى الشَّوْقُ، وَاشْتَعَلَ الغَرَامُ، وَانْفَتَحَ فِي صَدْرِ اللَّيْلِ بَابٌ مِنْ رَجَاءٍ. وَأَعْلَمُ عِنْدَهَا أَنَّ البَسْمَةَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَى شَفَتَيْكِ لَيْسَتْ مِنْ حَوَادِثِ المَلَامِحِ، بَلْ مِنْ أَقْدَارِ قَلْبِي؛ تَأْتِي حِينَ تَشَاءُ، وَتَمْضِي حِينَ تَشَاءُ، وَتَتْرُكُنِي بَعْدَهَا أَعِيشُ عَلَى ذِكْرَى وَمْضَتِهَا كَمَا يَعِيشُ الغَرِيبُ عَلَى رَائِحَةِ وَطَنٍ عَبَرَتْهَا الرِّيحُ.

ابْتِسَامَتُكِ خَجُولَةٌ؛ كَظَبْيَةٍ نَافِرَةٍ فِي خَمَائِلِ الشَّوْقِ الحَالِمِ ذَاتَ أَصِيلٍ، لَا تُرَى إِلَّا لَمْحًا وَهِيَ تَفِرُّ جَفُولًا إِلَى حَيْثُ عَالَمُهَا الفَرِيدُ. تَبْدَأُ فِي طَرَفِ الثَّغْرِ كَسِرٍّ صَغِيرٍ تَرَدَّدَ فِي الخُرُوجِ، ثُمَّ تَتَّسِعُ قَلِيلًا، وَتُطْرِقُ العَيْنَانِ كَأَنَّهُمَا تَخْشَيَانِ أَنْ يَفْضَحَا مَا أَظْهَرَتْهُ الشِّفَاهُ، وَيَسْرِي فِي وَجَنَتَيْكِ مِنْ لَوْنِ الخَفَرِ مَا يَجْعَلُ الوَرْدَ نَفْسَهُ يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْتَضَحَ فَقْرُهُ إِلَى ذَلِكَ الحَيَاءِ.

وَابْتِسَامَتُكِ بَرِيئَةٌ كَابْتِسَامِ الوَلِيدِ فِي حِضْنِ الوَرْدِ؛ تَأْتَلِقُ بِصِدْقِهَا، فَتَتَسَلَّلُ فِي الحَنَايَا كَضِيَاءِ فَجْرٍ حَاكَ بُرْدَتَهُ مِنْ حَرِيرِ النَّقَاءِ، وَوَشَّاهَا بِعَقِيقِ الوَفَاءِ. لَا مَكْرَ فِيهَا وَلَا تَصَنُّعَ، وَلَا تَعْرِفُ مِنْ فُنُونِ الإِغْرَاءِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى سَجِيَّتِهَا؛ فَتُغْرِي بِعَفْوِيَّتِهَا، وَتَفْتِنُ بِطُهْرِهَا، وَتَأْسِرُ القَلْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمُدَّ إِلَى أَسْرِهِ يَدًا. تَأْتَلِقُ عَلَى شِفَاهٍ أَدْمَتْهَا الثَّنَايَا حَيَاءً، وَأَبْرَأَتْهَا أَمْسِيَاتُ الرِّفْقِ وَسَمَاوَاتُ الدَّفْقِ مِنْ طُمَأْنِينَةِ الفُؤَادِ؛ فَأَرَاهَا حِينَ تَبْتَسِمُ كَجُرْحٍ جَمِيلٍ أَزْهَرَتْ عَلَى حَافَّتِهِ زَهْرَةٌ، وَكَسِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ الرَّحْمَةِ اخْتَارَ ثَغْرَكِ لِيَتَجَلَّى فِيهِ. وَمَا أَشَدَّ مَا يَحْتَاجُ هَذَا العَالَمُ المُتْعَبُ إِلَى ابْتِسَامَةٍ كَابْتِسَامَتِكِ؛ لَا تَحُلُّ مَشَاكِلَهُ، وَلَا تَرُدُّ مَا ضَاعَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهَا تُذَكِّرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ بَعْدُ كُلَّ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ.

وَابْتِسَامَتُكِ حَنُونَةٌ؛ تَمُرُّ عَلَى قَلْبِي كَيَدِ أُمٍّ عَلَى جَبِينِ طِفْلٍ أَرْهَقَتْهُ الحُمَّى، فَلَا تَنْزِعُ مِنْهُ الأَلَمَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنَّهَا تَجْعَلُهُ أَقْدَرَ عَلَى احْتِمَالِهِ. تَقُولُ لِي مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ: إِنَّ فِي آخِرِ التَّعَبِ رَاحَةً، وَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وَإِنَّ القَلْبَ الَّذِي صَبَرَ عَلَى طُولِ الغِيَابِ لَا بُدَّ أَنْ يُجَازَى بِلَحْظَةٍ مِنْ لِقَاءٍ تَرُدُّ إِلَيْهِ مَا أَخَذَتْهُ مِنْهُ السِّنُونُ.

وَابْتِسَامَتُكِ وَفِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا عَادَتْ وَجَدَتْنِي فِي المَوْضِعِ نَفْسِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ، وَوَجَدْتُهَا فِي المَوْضِعِ نَفْسِهِ مِنَ القَلْبِ. لَمْ تُبْلِهَا العَادَةُ، وَلَمْ يَسْلُبْهَا تَكْرَارُ الرُّؤْيَةِ بَهَاءَهَا؛ فَبَعْضُ الجَمَالِ يَزْدَادُ أُلْفَةً كُلَّمَا رَأَيْنَاهُ، وَبَعْضُهُ يَزْدَادُ دَهْشَةً كُلَّمَا أَلِفْنَاهُ، وَابْتِسَامَتُكِ تَجْمَعُ بَيْنَ الأُلْفَةِ وَالدَّهْشَةِ؛ فَتَبْدُو لِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَأَنَّهَا أَوَّلُ ابْتِسَامَةٍ، وَكَأَنَّ قَلْبِي لَمْ يَتَعَلَّمْ قَبْلَهَا كَيْفَ يَفْرَحُ.

فَابْتَسِمِي؛ لَا لِأَنَّنِي أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تَحْمِلِي عَنْ قَلْبِي أَوْزَارَهُ، وَلَا لِأَنَّنِي أَجْعَلُ فَرَحِي رَهْنًا بِثَغْرِكِ، بَلْ لِأَنَّ ابْتِسَامَتَكِ هِبَةٌ مِنَ الجَمَالِ، وَالهِبَاتُ خُلِقَتْ لِتُبْذَلَ فِي وَقْتِهَا. ابْتَسِمِي لِيَعْرِفَ اللَّيْلُ أَنَّ فِي آخِرِهِ فَجْرًا، وَلِيَعْرِفَ الحُزْنُ أَنَّهُ لَيْسَ سَيِّدَ القَلْبِ وَإِنْ طَالَتْ إِقَامَتُهُ، وَلِيَعْرِفَ العُمْرُ أَنَّ فِيهِ مِنَ البَهْجَةِ مَا يَكْفِي لِيُغْفَرَ لَهُ مَا أَسَاءَ. ابْتَسِمِي؛ فَإِنَّ بَسْمَتَكِ لَا تَمُرُّ عَلَى الوَجْهِ وَحْدَهُ، بَلْ تَمُرُّ عَلَى رُوحِي، فَتُرَتِّبُ فَوْضَاهَا، وَتُعِيدُ إِلَى أَشْيَائِهَا أَسْمَاءَهَا، وَتَضَعُ فِي يَدِ الأَمَلِ مِفْتَاحًا آخَرَ لِبَابٍ ظَنَنْتُهُ قَدْ أُغْلِقَ. ابْتَسِمِي؛ فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الوُجُودِ وَجْهٌ إِذَا ابْتَسَمَ لَكَ شَعَرْتَ أَنَّ الحَيَاةَ، عَلَى كُلِّ مَا فِيهَا، مَا زَالَتْ تُحْسِنُ الاعْتِذَارَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى