ممالك الجمال المهمل
عَلَى حَافَّةِ الصَّمْتِ العَمِيقِ، حَيْثُ يَتْعَبُ الوُجُودُ مِنْ ضَجِيجِ العَابِرِينَ المَأْخُوذِينَ بِالقُشُورِ، وَتَضِيقُ الرُّوحُ بِمَوَاكِبِ الجَلَالِ المُفْتَعَلِ وَالهَيَاكِلِ المُصْطَنَعَةِ، يَنْبَثِقُ سِرُّ البَهَاءِ المَكْنُونِ مِنْ أَصْغَرِ الأَشْيَاءِ، كَأَنَّ الكَوْنَ، حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ أَعْمَقَ مَا عِنْدَهُ، لا يَصْرُخُ فِي مَيَادِينِ العَظَمَةِ، بَلْ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ قَطْرَةٍ، أَوْ يَسْتَوْدِعُ سِرَّهُ فِي رَجْفَةِ ضَوْءٍ، أَوْ يَطْوِي جَلَالَهُ كُلَّهُ فِي انْحِنَاءِ غُصْنٍ صَغِيرٍ أَتْعَبَهُ الحَنِينُ إِلَى جُذُورِهِ.
لَيْسَ الجَمَالُ الحَقِيقِيُّ، فِي مِيزَانِ البَصِيرَةِ، مُقِيمًا فِي هَامَاتِ القُصُورِ الشَّاهِقَةِ، وَلا فِي ضَجِيجِ المَشَاهِدِ الَّتِي تَفْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى العَيْنِ فَرْضًا، بَلْ يَتَوَارَى فِي خَفَايَا النَّبْضِ، وَيَسْكُنُ المَوَاضِعَ الَّتِي لا يَبْلُغُهَا إِلَّا مَنْ غَسَلَتِ الدَّهْشَةُ عَيْنَيْهِ، وَرَقَّقَ الحُبُّ سَمْعَهُ، وَعَلَّمَتْهُ الخِبْرَةُ أَنَّ أَشْرَفَ المَعَانِي لا تَحْتَاجُ إِلَى ضَخَامَةٍ كَيْ تُصْبِحَ عَظِيمَةً. هُنَاكَ، حَيْثُ يَنْعَقِدُ لِوَاءُ الدَّهْشَةِ لِلأَشْيَاءِ الضَّئِيلَةِ، يَتَجَلَّى لِلرُّوحِ جَمَالُ مَا لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي غَمْرَةِ انْشِغَالِهِمْ بِالصَّخَبِ العَقِيمِ.
إِنَّ العَظَمَةَ لا تَقُومُ عَلَى الضَّخَامَةِ، بَلْ عَلَى الكَثَافَةِ الشُّعُورِيَّةِ الَّتِي تَمْنَحُ الجُزْءَ قُدْرَةَ الاِحْتِوَاءِ عَلَى الكُلِّ، فَيَغْدُو المَجَازُ حَقِيقَةً تَمْشِي عَلَى أَقْدَامٍ مِنْ نُورٍ، وَيَتَحَوَّلُ الصَّمْتُ إِلَى سِيمْفُونِيَّةٍ بَاذِخَةٍ لا تَسْمَعُهَا إِلَّا الآذَانُ الَّتِي طَهَّرَهَا العِشْقُ مِنْ صَخَبِ العَادِيِّ وَالمُتَكَرِّرِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا صَغُرَ ضَئِيلًا، وَلا كُلُّ مَا اتَّسَعَ جَلِيلًا؛ رُبَّ ذَرَّةٍ أَوْسَعُ مِنْ صَحْرَاءَ، وَرُبَّ صَمْتٍ أَعْمَقُ مِنْ خُطْبَةٍ، وَرُبَّ لَمْحَةٍ عَابِرَةٍ تَحْمِلُ مِنَ الخُلُودِ مَا لا تَحْمِلُهُ سِنُونٌ مُتَرَادِفَةٌ مِنَ الحُضُورِ البَارِدِ.
إِنَّ قُوَّةَ المَشْهَدِ الصَّغِيرِ تَتَجَاوَزُ، فِي سَطْوَتِهَا الوِجْدَانِيَّةِ، عُتُوَّ العَوَاصِفِ وَاصْطِفَاقَ الرُّعُودِ. فَقَطْرَةُ نَدًى غَافِيَةٌ عَلَى بَتَلَةِ أُقْحُوَانَةٍ فِي خَلْوَةِ الفَجْرِ، قَدْ تَعْكِسُ خَرَائِطَ السَّمَاءِ بِأَكْمَلِهَا، وَتَجْعَلُ مِنْ حَدَقَةِ المُتَأَمِّلِ بَحْرًا صَغِيرًا تَسْبَحُ فِيهِ النُّجُومُ. وَرَجْفَةُ نُورٍ شَارِدَةٌ تَتَسَلَّلُ مِنْ شُقُوقِ نَافِذَةٍ عَتِيقَةٍ، تَصْنَعُ مِهْرَجَانًا مِنَ الظِّلَالِ عَلَى جِدَارِ الرُّوحِ، وَتُعَلِّمُ القَلْبَ أَنَّ الضِّيَاءَ لا يَحْتَاجُ إِلَى سَمَاءٍ وَاسِعَةٍ كَيْ يَكُونَ ضِيَاءً، بَلْ يَكْفِيهِ أَحْيَانًا شَقٌّ صَغِيرٌ فِي جِدَارٍ قَدِيمٍ.
وَتِلْكَ الانْحِنَاءَةُ الوَجِلَةُ لِغُصْنٍ أَتْعَبَهُ الحَنِينُ إِلَى تُرْبَتِهِ الأُولَى، لَيْسَتْ حَرَكَةً عَابِرَةً فِي مَشْهَدٍ طَبِيعِيٍّ عَادِيٍّ، بَلْ كَائِنٌ شُعُورِيٌّ حَيٌّ، لَهُ أَجْنِحَةٌ مِنْ رَجَاءٍ، وَأَنْيَابٌ مِنْ حَنِينٍ، وَقَلْبٌ خَفِيٌّ يَنْبِضُ بِلَهْفَةٍ تُؤَكِّدُ الفَنَّ الكَامِنَ فِي اليَوْمِيِّ الَّذِي نَحْسَبُهُ رَتِيبًا مُمِلًّا، بَيْنَمَا هُوَ فِي جَوْهَرِهِ مَسْرَحٌ تَتَعَانَقُ فِيهِ الأَضْدَادُ لِتُولَدَ الدَّهْشَةُ. فِي هَذَا المِحْرَابِ الدَّقِيقِ، يَقِفُ العَارِفُونَ وُقُوفَ المُتَبَتِّلِينَ، يَلْتَقِطُونَ أَنْفَاسَ المَعْنَى مِنْ شِفَاهِ العَدَمِ، فَيُدْرِكُونَ أَنَّ الكَوْنَ قَدْ يُخْتَزَلُ فِي لَمْحَةِ طَرْفٍ، أَوْ فِي تَنْهِيدَةِ خَاطِرٍ سَاهِمٍ، أَوْ فِي صَمْتٍ تَرَكَتْهُ كَلِمَةٌ لَمْ تُقَلْ.
وَمَا الذَّاكِرَةُ الإِنْسَانِيَّةُ، فِي عُمْقِهَا الدَّفِينِ، إِلَّا وِعَاءٌ نَبِيلٌ لا يَعْبَأُ كَثِيرًا بِرُكَامِ الأَحْدَاثِ الكُبْرَى، بَلْ يَحْرُسُ بِيَقَظَةِ السَّادِنِ ذَلِكَ الوَقْعَ الخَفِيَّ الَّذِي يَتَرَسَّخُ فِي القَلْبِ نَقْشًا سِرِّيًّا عَصِيًّا عَلَى قَوَانِينِ المَحْوِ وَالانْدِثَارِ. إِنَّهَا لا تَحْفَظُ مَا كَانَ أَكْثَرَ صَخَبًا، بَلْ مَا كَانَ أَعْمَقَ أَثَرًا؛ لا مَا مَرَّ فِي المَيَادِينِ تَحْتَ رَايَاتِ الجَلَبَةِ، بَلْ مَا تَسَلَّلَ إِلَى الدَّاخِلِ مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ ثُمَّ أَقَامَ فِيهِ كَأَنَّهُ وَطَنٌ.
لَقَدْ صَاغَتْ هَذِهِ الجُزْئِيَّاتُ المُتَنَاهِيَةُ فِي الصِّغَرِ هُوِيَّةَ الوَجْدِ فِي نُفُوسِنَا. فَرُبَّ رَائِحَةِ عِطْرٍ قَدِيمٍ عَبَرَتْ كَرِحْلَةِ بَرْقٍ فِي زِحَامِ الأَيَّامِ، فَأَيْقَظَتْ فِي الفُؤَادِ أُمَمًا مِنَ الحَنِينِ المَنْسِيِّ، وَرُبَّ بَقَايَا لَحْنٍ شَجِيٍّ تَسَرَّبَ مِنْ قِيثَارَةِ الصُّدْفَةِ فِي مَسَاءٍ غَرِيبٍ، فَأَعَادَ تَرْتِيبَ نَبَضَاتِ القَلْبِ عَلَى إِيقَاعِ عُمْرٍ مَضَى، وَرُبَّ لَفْتَةِ جِيدٍ تَمَايَلَتْ كَغُصْنِ بَانٍ، فَصَارَتْ فِي دَفْتَرِ الرُّوحِ فَصْلًا كَامِلًا مِنْ فُصُولِ البَهَاءِ.
ذِكْرَيَاتٌ لا تَسْتَأْذِنُ فِي الدُّخُولِ، وَلا تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا بُرْهَانًا عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ تَدْخُلُ مَالِكَةً، وَتَجْلِسُ فِي صَدْرِ الرُّوحِ كَأَنَّهَا لَمْ تَغِبْ قَطُّ. حَوَادِثُ تَتَقَزَّمُ أَمَامَهَا خُطُوبُ الدَّهْرِ، وَزِلْزَالٌ يَخْتَلِجُ فِي قَطْرَةِ مَاءٍ، وَمَجَرَّةٌ كَامِلَةٌ تَسْتَتِرُ فِي رَائِحَةِ وَرَقَةٍ قَدِيمَةٍ، أَوْ فِي حَافَّةِ صُورَةٍ بَاهِتَةٍ، أَوْ فِي مَقْعَدٍ خَالٍ كَانَ يَعْرِفُ يَوْمًا دِفْءَ مَنْ جَلَسَ عَلَيْهِ.
يَا لَهَا مِنْ مُفَارَقَةٍ قُدْسِيَّةٍ أَنْ يَكُونَ الأَخْفَتُ صَوْتًا هُوَ الأَبْقَى صَدًى فِي أَرْوِقَةِ الوِجْدَانِ! إِنَّنَا حِينَ نَغُوصُ فِي مُحِيطَاتِ أَرْوَاحِنَا، نُبْصِرُ الحَقِيقَةَ العَارِيَةَ: هَذِهِ الأَشْيَاءُ العَابِرَةُ الَّتِي لا تَزْعُمُ خُلُودًا، هِيَ وَحْدَهَا الَّتِي تَمْلِكُ سِرَّ الخُلُودِ الشُّعُورِيِّ. إِنَّهَا تَمْرُقُ كَشِهَابٍ سَرِيعٍ، لَكِنَّهَا لا تَمَسُّ جَسَدَ اللَّحْظَةِ لِتَمْضِيَ، بَلْ تَنْقُشُ بِأَظَافِرِ الرِّقَّةِ عَلَى جُدْرَانِ الرُّوحِ وَشْمًا لا يَبْلَى. ابْتِسَامَةٌ مَوْءُودَةٌ عَلَى شَفَتَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، خُطْوَةٌ تَرَدَّدَتْ فِي مَحَطَّةِ وَدَاعٍ ثُمَّ تَرَاجَعَتْ، زِرٌّ انْقَطَعَ مِنْ قَمِيصِ الشَّوْقِ، رِسَالَةٌ خُطَّتْ بِيَدٍ حَائِرَةٍ وَطُوِيَتْ قَبْلَ أَنْ تُبْعَثَ؛ كُلُّهَا أَدِلَّةُ وُجُودٍ نَاطِقَةٌ تُؤَسِّسُ مَمْلَكَةً مِنَ المَعَانِي لا قِبَلَ لِأَسَاطِيلِ الحُرُوفِ بِفَتْحِهَا أَوْ تَرْجَمَتِهَا.
أَقِفُ شَاهِدًا بَصِيرًا عَلَى سُفُوحِ هَذَا الشُّعُورِ المُتَدَفِّقِ، مُتَسَرْبِلًا بِعَظَمَةِ التَّأَمُّلِ، فَلا أَرَى الذَّاتَ مَكْسُورَةً أَمَامَ سَطْوَةِ الفَقْدِ أَوْ ضِيقِ التَّجْرِبَةِ، بَلْ أَرَاهَا قَلْعَةً شَامِخَةً تَحْتَضِنُ تِلْكَ الذَّرَّاتِ المُشِعَّةَ بِالكِبْرِيَاءِ الوِجْدَانِيِّ. فَمَا الحُبُّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيسًا لِلَحْظَةِ صَمْتٍ بَالِغَةِ النُّطْقِ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ؟ وَمَا الغَرَامُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قُدْرَةَ البَصِيرَةِ عَلَى الْتِقَاطِ طَيْفِ المَحْبُوبِ فِي رَجْفَةِ المَاءِ كُلَّمَا صَافَحَ وَجْهَ النَّسِيمِ؟
إِنَّ الرُّوحَ العَالِيَةَ لا تَسْتَجْدِي الغَيْثَ مِنَ الغَمَامِ المُتَرَاكِمِ الكَثِيفِ، بَلْ تَسْتَحِقُّهُ بِمَا فِيهَا مِنْ شَفَافِيَّةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّلَقِّي، وَتَكْتَفِي بِقَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ تَنْعَكِسُ فِيهَا مَجَرَّاتُ الأَكْوَانِ، لِتَجْعَلَ مِنْهَا سَلْسَبِيلًا يَرْوِي ظَمَأَ الأَزَلِ، وَطُوفَانًا يَغْسِلُ دَرَنَ الأَيَّامِ الكَالِحَةِ. فَلَيْسَ الفَيْضُ فِي كَثْرَةِ المَاءِ، بَلْ فِي قُدْرَةِ القَلْبِ عَلَى أَنْ يَشْرَبَ مَعْنَى القَطْرَةِ وَيَجْعَلَهَا بَحْرًا.
ثَمَّةَ تَآلُفٌ سِرِّيٌّ بَيْنَ دَقَائِقِ الأَشْيَاءِ وَعَظَائِمِ النُّفُوسِ؛ فَحِينَ تَعْبُرُ، أَيُّهَا الطَّيْفُ المُحَلَّى بِالهَيْبَةِ، فِي مَمَرَّاتِ الوَقْتِ، لا يَعْنِينِي ضَجِيجُ الخُطَى مِنْ حَوْلِكَ، بَلْ يَعْنِينِي إِيقَاعُ خُطْوَتِكَ أَنْتَ حِينَ تَتَعَثَّرُ بِشَوْقٍ كَتُومٍ لَمْ يَبُحْ بِهِ لِسَانُكَ. يَعْنِينِي ذَلِكَ الانْكِسَارُ العَابِرُ فِي نَظْرَتِكَ عِنْدَمَا يُلامِسُهَا شُعَاعُ شَمْسٍ خَجُولٍ قُبَيْلَ المَغِيبِ، وَتِلْكَ السَّكْتَةُ الصَّغِيرَةُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ، حِينَ يَصِيرُ مَا لَمْ يُقَلْ أَثْقَلَ وَأَصْدَقَ مِمَّا قِيلَ.
إِنَّنَا حِينَ نُعَظِّمُ التَّفَاصِيلَ، لا نُدَاعِبُ هَوَامِشَ الحَيَاةِ، بَلْ نُمَارِسُ سِيَادَتَنَا عَلَى الزَّمَنِ. نُوقِفُ نَزِيفَ العُمْرِ المُنْفَلِتِ بَيْنَ يَدَيْ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مُكَثَّفَةٍ، نَقْبِضُ عَلَيْهَا بِجَمْرِ الوَجْدِ المُتَّقِدِ، حَتَّى نُحِيلَهَا مِشْكَاةً سَرْمَدِيَّةً تُضِيءُ دَيَاجِيرَ مَا سَيَأْتِي مِنْ غَيَاهِبِ الأَيَّامِ. نَحْنُ الَّذِينَ نَجْعَلُ لِكُوبِ القَهْوَةِ المُهْمَلِ عَلَى طَاوِلَةِ اللِّقَاءِ سِيرَةً طَوِيلَةً مِنَ الانتِظَارِ، وَنَمْنَحُ لِزَاوِيَةِ الكِتَابِ المَثْنِيَّةِ حُرْمَةَ الوَثِيقَةِ التَّارِيخِيَّةِ، وَنَسْمَعُ فِي احْتِكَاكِ مِفْتَاحٍ قَدِيمٍ بِبَابٍ مُغْلَقٍ مَا لا تَسْمَعُهُ الحُشُودُ فِي مَوَاكِبِ الخِطَابَةِ.
فَيَا سَيِّدَةَ الغِيَابِ الحَاضِرِ وَالحُضُورِ الغَائِبِ، يَا مَنْ انْحَلَّتْ فِي عَيْنَيْهَا أَطْيَافُ الجَمَالِ المَخْفِيِّ، عِنْدَمَا تَضِيقُ عَنَّا الأَمَاكِنُ الفَسِيحَةُ، تَتَّسِعُ لَنَا دَقَائِقُ الأَشْيَاءِ لِتَحْتَوِيَنَا أُمَّةً مُكْتَمِلَةً. إِنِّي حِينَ أَرْنُو إِلَى الأُفُقِ الغَائِرِ لا أَبْحَثُ عَنْ شَمْسٍ بَازِغَةٍ تَخْطَفُ أَبْصَارَ العَامَّةِ، بَلْ أَبْحَثُ عَنْ تِلْكَ النَّجْمَةِ الدَّقِيقَةِ النَّائِيَةِ الَّتِي تُشَارِكُنِي سِرَّ الأَرَقِ النَّبِيلِ، وَتُعَاهِدُنِي عَلَى أَنْ تَحْفَظَ مِيثَاقَ الصَّمْتِ البَلِيغِ بَيْنَ رُوحَيْنِ عَظُمَتَا فِي وِجْدَانِهِمَا، فَتَرَاقَتَا فَوْقَ رُكَامِ هَذَا العَالَمِ السَّطْحِيِّ الهَشِّ.
ذَلِكَ هُوَ الوَطَنُ الَّذِي لا تَمَسُّهُ تَقَلُّبَاتُ الفُصُولِ؛ وَطَنُ التَّفْصِيلِ حِينَ يَصِيرُ كَوْنًا، وَوَطَنُ اللَّمْحَةِ حِينَ تَصِيرُ عُمْرًا، وَوَطَنُ الصَّمْتِ حِينَ يَصِيرُ أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ البَيَانِ. هُنَاكَ يَكُونُ الفِكْرُ طَوْعَ يَدِ الشُّعُورِ، وَيَكُونُ الجَمَالُ قُدْسًا لا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ تَطَهَّرَ بِفَيْضِ المَحَبَّةِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ رَذَاذَ الجَلَالِ مَخْبُوءٌ فِي أَصْغَرِ تَفَاصِيلِ الوُجُودِ.
وَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَبْلُغَ الإِنْسَانُ مَرْتَبَةً لا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى صَوْتٍ عَالٍ كَيْ يَثْبُتَ لَهُ المَعْنَى، وَلا إِلَى مَشْهَدٍ هَائِلٍ كَيْ يُصَدِّقَ وُجُودَ الجَمَالِ. يَكْفِيهِ أَنْ تَمُرَّ نَسْمَةٌ عَلَى سِتَارٍ قَدِيمٍ، أَوْ أَنْ يَرَى غُبَارًا خَفِيفًا يَرْقُصُ فِي شُعَاعِ صَبَاحٍ، أَوْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ رَائِحَةُ مَكَانٍ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَهُ، فَيَعْرِفَ أَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَزَلْ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَهَبَهُ دَهْشَتَهَا مِنْ أَضْيَقِ الأَبْوَابِ.
هَكَذَا تُصْبِحُ التَّفَاصِيلُ، فِي عُرْفِ الرُّوحِ اليَقِظَةِ، مَفَاتِيحَ سِرِّيَّةً لِمَمَالِكِ المَعْنَى؛ لا تُفْتَحُ بِالقُوَّةِ، وَلا تُنَالُ بِالعَجَلَةِ، بَلْ تُوهَبُ لِمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَقِفَ طَوِيلًا أَمَامَ الشَّيْءِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْشِفَ لَهُ عَنْ رُوحِهِ الكُبْرَى. فَطُوبَى لِقَلْبٍ لا يَخْدَعُهُ البَهْرَجُ عَنْ الجَوْهَرِ، وَلا تَسْتَفِزُّهُ الضَّخَامَةُ حَتَّى يَنْسَى قَدَاسَةَ الدَّقِيقِ، وَلا يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ مَعْجِزَةً صَغِيرَةً تَمُرُّ قُرْبَهُ فِي ثَوْبٍ عَادِيٍّ، وَهِيَ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا نَسَبًا سَمَاوِيًّا لا تَرَاهُ إِلَّا العُيُونُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَدَبَ الدَّهْشَةِ.
فَلَيْسَتِ الحَيَاةُ، فِي أَجْمَلِ مَا فِيهَا، مَجْمُوعَةَ أَحْدَاثٍ كُبْرَى تُعْلَنُ عَلَى مَنَابِرِ الزَّمَنِ، بَلْ هِيَ تِلْكَ الحَبَّاتُ الصَّغِيرَةُ مِنَ النُّورِ، نَلْتَقِطُهَا مِنْ حَوَافِّ الأَيَّامِ، وَنُخَبِّئُهَا فِي جُيُوبِ الرُّوحِ، فَإِذَا أَظْلَمَ الدَّرْبُ أَخْرَجْنَا مِنْهَا قِنْدِيلًا. وَإِذَا ضَاقَ العَالَمُ، وَاسْتَعْلَتْ قَسْوَتُهُ، وَتَجَبَّرَتْ أَصْوَاتُهُ، عُدْنَا إِلَى قَطْرَةِ نَدًى، وَرَجْفَةِ ضَوْءٍ، وَرَائِحَةِ عِطْرٍ عَابِرٍ، وَصَمْتِ نَظْرَةٍ لَمْ تَقُلْ كُلَّ مَا فِيهَا، فَنَجِدُ فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ مَا لا تُعْطِينَا إِيَّاهُ المَدَائِنُ كُلُّهَا مِنْ سَكِينَةٍ وَمَعْنًى وَخَلَاصٍ.
