أثر اللغة الأسرية في بناء صورة الذات
حين تسكن الكلمات الملامح في صفات وطباع
لا يستقبل الطفل الكلمات كما يستقبلها الراشد؛ فالراشد يسمعها بعد أن تشكلت في داخله صورةٌ ما عن نفسه، فيقبل منها ويرد، ويشك ويقارن، ويستطيع، ولو بدرجات متفاوته، أن يقول لمن يصفه: لست كما تقول. أما الطفل فتسبقه الكلمات إلى موضعٍ لم يُبنَ بعد، وتنزل فيه قبل أن تتكون أدوات الاعتراض عليها؛ ولذلك لا يسمع أباه حين يقول له: «أنت غبي» بوصفها رأيًا غاضبًا صدر في لحظة، ولا يسمع أمه حين تردد: «أنت لا يعتمد عليك» بوصفها مبالغةً عابرة، بل قد يستقبل العبارة الأولى كما لو كانت خبرًا عن ماهيته، ويضم الثانية إلى مواد الصورة التي يصنع بها نفسه، ثم تمضي السنوات وتغيب الأصوات من البيت، ولا تغيب بالضرورة من رأسه. وهنا تكمن خطورة اللغة الأسرية؛ فهي لا تصف الطفل فحسب، بل تشارك في إنشائه، ولا تقف عند حدود اللحظة التي قيلت فيها، بل قد تمتد خفيةً إلى الطريقة التي يفهم بها قدراته، ويقرأ بها فشله، ويستقبل بها المحبة، ويختار بها أصدقاءه وعلاقاته ومهنته، بل وإلى السقف الذي يضعه لنفسه قبل أن يجرب بلوغه. فالبيت هو المرآة الأولى التي يرى الإنسان فيها وجهه المعنوي، وإذا كانت المرآة مشوهةً احتاج عمرًا طويلًا حتى يكتشف أن بعض ما ظنه عيبًا في وجهه لم يكن إلا اعوجاجًا في الزجاج.
وليس المقصود أن الطفل صفحةٌ بيضاء تكتب الأسرة فيها ما تشاء، فالطبع والاستعدادات والخبرات اللاحقة والرفاق والمدرسة والمجتمع كلها تشارك في تكوين الشخصية؛ غير أن للكلمة الأسرية منزلةً مخصوصة لأنها تأتي من الجهة التي يستمد منها الطفل الأمان والتفسير معًا. الأب والأم في سنواته الأولى ليسا شخصين يحبهما فقط، بل هما من أهم المصادر التي يعرف من خلالها العالم ونفسه؛ فإذا قالت له هَذِه السلطة المحبوبة إنك شجاع أو أمين أو قادر، وقع الكلام في موضعٍ غير الموضع الذي تقع فيه مجاملة عابر، وإذا قالت له إنك تافه أو فاشل أو عبء، فقد يصدّق الحكم قبل أن يمتلك محكمةً داخلية يستطيع الطعن أمامها فيه.
ومن هنا لا تكون الكلمات التي تبني مجرد عبارات مديح، كما لا تكون الكلمات التي تهدم محصورةً في الشتائم الصريحة؛ فقد يفسد المديح كما يفسد الذم إذا كان كلاهما يصب على «هوية الطفل» حكمًا جامدًا لا يربطه بالفعل والجهد والسياق. أن تقول له في كل مرة: «أنت عبقري» قد يبدو بناءً لثقته، لكنه قد يربط قيمته بصورةٍ ينبغي أن يحافظ عليها، فيخشى لاحقًا من التجربة التي قد تكشف أنه ليس عبقريًّا في كل شيء؛ بينما القول: «أعجبني صبرك على هَذِه المسألة، حاولت أكثر من مرة حتى وصلت» يرد التقدير إلى فعلٍ يمكن فهمه وتكراره، ولا يحول الطفل إلى سجين لقبٍ ينبغي له إثباته كل يوم. وكذلك الفرق بعيد بين أن نقول: «أنت مهمل»، وأن نقول: «أهملت ترتيب أغراضك اليوم»؛ وبين «أنت كذاب» و«ما قلته لم يكن صحيحًا»؛ وبين «أنت أناني» و«أخذت الشيء كله ولم تترك لأخيك نصيبه». قد يبدو الفرق في ظاهر اللغة يسيرًا، لكن أثره التربوي عميق؛ لأن الصيغة الأولى تنقل الحكم من السلوك إلى الهوية، أما الثانية فتحاصر الخطأ في موضعه، فتسمح للطفل بأن يراه ويصلحه من غير أن يشعر أن إصلاحه يتطلب تغيير جوهرٍ حُكم عليه بأنه فاسد.
“الوصف يقول: ماذا فعلت؟ والوصم يقول: من أنت؟”
وهذا هو معنى التربية بالوصف لا بالوصم؛ أن نصف ما وقع بدقة، لا أن نصنع من الواقعة اسمًا للإنسان. الوصف يقول: ماذا فعلت؟ والوصم يقول: من أنت؟ الوصف قابل للمراجعة لأن السلوك يتغير، أما الوصم فيغلق الباب؛ فإذا قيل للطفل مئات المرات إنه كسول، لم يعد الكسل فعلًا يقع منه، بل هويةً يستطيع أن يفسر بها نفسه: «أنا هكذا». وما دام «هكذا»، فما معنى أن يجاهد نفسه ليصير غير ذلك؟ والإنسان يميل بطبعه إلى الاتساق مع الصورة التي يحملها عن ذاته؛ فإذا استقرت فيه صورة «المشاغب» قرأ بعض أفعاله في ضوئها، وتعامل معه الكبار على أساسها، ثم استخرجوا من كل فعلٍ جديد دليلًا عليها، حتى تدخل الأسرة في دائرةٍ مغلقة: تتوقع منه الفوضى، فتتعامل معه بوصفه فوضويًّا، فيشعر أنه لا يُرى إلا كذلك، فيزداد سلوكه قربًا من الصورة، ثم تقول الأسرة: ألم نقل لكم إنه هكذا؟ وفي كثير من الأحيان لا يكون الطفل قد قاوم الوصف، بل تبناه؛ إذ تمنحه الهوية، حتى لو كانت سلبية، تفسيرًا مريحًا لعجزه: أنا لا أفشل في الدراسة لأنني أحتاج إلى طريقة تعلم أخرى أو مزيدٍ من التدريب، بل لأنني «غبي»؛ وأنا لا أخفق في بناء صداقات لأنني أحتاج إلى اكتساب مهارات اجتماعية، بل لأن «لا أحد يحبني». وهكذا تتحول الكلمة من وصفٍ خاطئ إلى إطارٍ يفسر العالم، ثم يصبح الإطار نفسه منتجًا للمزيد من الوقائع التي تبدو مصداقًا له.
ولعل التحقير المزمن أخطر أشكال هَذِه اللغة؛ لا لأنه يؤلم في اللحظة فحسب، بل لأنه يعمل ببطءٍ حتى يعيد بناء علاقة الإنسان بنفسه. فالضربة اللفظية المفردة قد تُنسى، أما السخرية المتكررة من الذكاء أو الشكل أو الصوت أو الوزن أو طريقة الكلام، والمقارنة الدائمة بالإخوة، والتقليل من كل إنجاز، واستقبال الخطأ بعبارات من قبيل «لم أتوقع منك غير ذلك»، فإنها لا تجرح حدثًا واحدًا، بل تحفر مجرىً تسيل فيه صورة الذات كلها. والتحقير المزمن لا يحتاج دائمًا إلى ألفاظٍ فاحشة؛ قد يكون أكثر تهذيبًا وأشد أثرًا. تنهيدة الأب كلما تكلم ابنه، وضحكة الأسرة حين يحاول التعبير عن رأيه، وسؤال الأم المتكرر: «لماذا لا تكون مثل أخيك؟»، والتعليق على جسد طفلة كلما أكلت، والاستخفاف بخوف الطفل أمام الناس، كل ذلك لغة، حتى إذا لم يكن كله كلمات. فالإنسان لا يتعلم قيمته مما يُقال له فقط، بل من الطريقة التي يُستقبل بها حضوره.
والمقارنة خصوصًا من أشد الأدوات إفسادًا؛ لأنها لا تقول للطفل إن فعلك يحتاج إلى تحسين فحسب، بل تقول له إن قيمتك تُعرف بمسافتك من شخصٍ آخر. وقد ينجح الأب في دفع ابنه إلى الدراسة حين يقول: «انظر إلى أخيك»، لكنه يكون قد زرع معه بذرةً أخرى: أن أخاه صار المقياس الذي تقاس عليه أهليته للحب والتقدير. وربما تحسن الأداء وساءت العلاقة، وارتفعت الدرجات ونمت الغيرة، وربح الأب نتيجةً مدرسية وخسر شيئًا في البنية العاطفية للأسرة لا يظهر في كشف العلامات.
والأشد مرارةً أن الطفل قد يظل يطلب في شبابه ورجولته ذلك الاعتراف الذي بخل به البيت عليه؛ فيختار المهنة التي تُعجب أباه لا التي تلائمه، ويطارد الإنجازات كي يسمع في داخله كلمةً لم تُقل، ويتحسس من النقد لأنه لا يسمعه نقدًا للفعل الحاضر، بل صدىً لذاك الحكم القديم بأنه غير كافٍ. وربما بلغ مرتبةً عالية وما زال في داخله طفلٌ يجمع الشهادات لا ليبني نفسه، بل ليرجع بها إلى محكمةٍ انفض قضاتها منذ زمن.
“المرآة المشوهة تجعل الطفل يحتاج عمرًا طويلًا ليثبت أن النقص كان في زجاج المرآة لا في وجهه.”
وهكذا لا ينتهي أثر اللغة الأسرية عند حدود الأسرة، لأن صورة الذات تذهب مع صاحبها حيث ذهب؛ تدخل المدرسة معه، والعمل، والزواج، والصداقة، ومجالس الناس. من تربى على أنه لا يُحترم قد يفسر الحياد رفضًا، ومن تربى على أن الحب مشروط بالكمال قد ينهار أمام خطئه، ومن عاش تحت النقد المستمر قد يسمع في ملاحظة مديره حكمًا على إنسانيته كلها، لا توجيهًا مهنيًّا محدودًا. وقد يسلك الإنسان أمام التحقير طريقين يبدوان متناقضين وهما من جذرٍ واحد؛ فإما أن يصدق الصورة فينكمش ويستسلم، وإما أن يقضي حياته كلها في محاربتها بالمبالغة في إثبات نفسه. الأول يقول: أنا لا أساوي شيئًا؛ والثاني يقول للعالم في كل حركة: سأثبت أنني أساوي أكثر من الجميع. وبين الانكسار والاستعراض يظل التحقير القديم حاضرًا؛ مرةً في صورة قبولٍ للحكم، ومرةً في صورة حربٍ لا تنتهي عليه.
ولهذا لا ينبغي أن يُفهم بناء صورة ذات إيجابية على أنه صناعة طفلٍ يعتقد أنه رائع في كل شيء؛ فذلك ليس ثقةً بالنفس، بل وهمٌ آخر، وما أسرع ما تكسره الحياة حين تضع صاحبه أمام من هو أقدر منه. إنما المطلوب بناء صورةٍ «واقعية كريمة»؛ أعرف أنني أملك مواطن قوة وضعف، وأن الخطأ لا يمحو قيمتي، وأن النجاح لا يجعلني فوق الآخرين، وأنني قادرٌ على التعلم ولو لم أكن قادرًا على كل شيء، وأن كرامتي لا تتوقف على تفوقي، كما أن احترامي لنفسي لا يعفيني من الاعتراف بنقصي.
وهذا من أعظم الفروق بين المديح البنّاء والتضخيم؛ المديح البنّاء يضيء قيمةً أو جهدًا أو تحسنًا، ثم يترك الطفل حرًّا من عبادة الصورة؛ أما التضخيم فيخبره أن عليه أن يكون استثنائيًّا كي يكون محبوبًا. وما أكثر الآباء الذين يظنون أنهم يبنون الثقة حين يكررون للطفل أنه الأفضل والأذكى والأجمل، ثم يرسلون إليه من حيث لا يشعرون رسالةً أخرى: قيمتك في أنك أعلى من غيرك. وعندما يخرج إلى عالمٍ لا يعترف بهَذَا التفوق الدائم، قد يعجز عن قبول المنافسة أو النقد، أو يتحول كل تفوقٍ لغيره إلى تهديدٍ لهويته. فالإنسان الذي بُنيت كرامته على المقارنة يظل محتاجًا إلى شخصٍ دونه كي يشعر أنه بخير.
واللغة التي تبني أعمق من الثناء؛ إنها اللغة التي تمنح الطفل «أمانًا في الخطأ». حين يعود وقد أخفق، ويعرف أن البيت سيستقبله بالسؤال قبل الحكم، وبالفهم قبل السخرية، يتعلم أن الحقيقة لا تطرده من المحبة. أما إذا كان كل فشلٍ يهدد مكانته داخل الأسرة، فإنه لا يتعلم النجاح بقدر ما يتعلم إخفاء الفشل. ولذلك فإن من أثمن العبارات التي يمكن أن يسمعها الطفل ليست «أنت دائمًا ممتاز»، بل: «أخطأت، وسنرى كيف تصلح»، و«لم تنجح هَذِه المرة، لكن النتيجة لا تقول كل شيء عنك»، و«أنا غاضب من فعلك، لكنني لا أحتقرك»، و«يمكنك أن تعترف لي من غير أن تخاف أن أفقد احترامي لك». بهذه اللغة يتعلم أن المحاسبة لا تساوي الإلغاء، وأن الحب ليس صك براءة، كما أن الخطأ ليس حكم إعدام.
“الصورة الصحية للذات لا تُبنى على الأكاذيب الجميلة، بل على حقيقة يستطيع الإنسان احتمالها.”
وهنالك فرقٌ دقيق بين حماية كرامة الطفل وبين حماية مشاعره من كل انزعاج؛ فمن واجب المربي أن يقول أحيانًا كلامًا لا يحبه الطفل، وأن يواجهه بتقصيره، وأن يرفض بعض سلوكه بوضوح. غير أن الصرامة لا تحتاج إلى الإهانة، والحزم لا يحتاج إلى كسر الكرامة؛ بل إن الإنسان أقدر على سماع الحقيقة حين لا يشعر أن وجوده كله معرَّض للمحاكمة. فإذا قيل له: «لقد أخطأت في حق أخيك، وهَذَا غير مقبول»، بقي أمامه طريقٌ إلى الإصلاح؛ أما إذا قيل: «أنت إنسان سيئ، دائمًا تؤذي الناس»، فقد انتقل الحوار من الفعل إلى الذات، ومن إصلاح الممكن إلى إعلان حكمٍ عام. وحين تتكرر الأحكام العامة، يبدأ الطفل بجمعها حتى يصنع منها اسمه الخفي.
ومثلما تهدم اللغة القاسية، قد تهدم لغة الاستهزاء التي تتخفف باسم المزاح؛ فالبيت قد يتخذ من أحد أبنائه مادةً دائمة للضحك: من أنفه، أو سمنته، أو خوفه، أو بطئه، أو لهجته، ويقال له إذا تألم: «نحن نمزح». لكن المزاح لا يُقاس بنية قائله وحدها، بل بالأثر الذي يتكرر في متلقيه؛ وما يضحك منه الكبار دقيقةً قد يقف الطفل أمام المرآة سنواتٍ يحاول إخفاءه. والأسرة التي تتخذ الضعف مادةً للترفيه تعلم أبناءها، من غير درس، أن كشف الضعف خطر. فيتعلم الطفل أن يخفي خوفه وحزنه وارتباكه، ويصبح البيت الذي كان ينبغي أن يكون موضع الأمان أول مكانٍ يرتدي فيه القناع.
ولا تقل خطورةً عن ذلك اللغة التي تربط الرجولة أو الأنوثة بقوالب ضيقة؛ «الرجل لا يبكي»، «البنت المؤدبة لا تعترض»، «أنت ولد، تحمل»، «أنت بنت، لا ترفعي صوتك ولو كان لك حق». فالطفل لا يتلقى بهذه الكلمات تعليمًا في السلوك فقط، بل تصورًا عن أجزاء من نفسه ينبغي أن يقمعها كي يستحق الانتماء إلى هويته؛ فيتعلم الذكر أن بعض مشاعره عار، وقد تتعلم الأنثى أن بعض حقوقها وقوقاحة. ثم نستغرب بعد ذلك رجلًا لا يعرف كيف يعبّر إلا بالغضب، أو امرأةً تشعر بالذنب كلما وضعت حدًّا لمن تؤذيها.
واللغة الأسرية لا تكشف قيم البيت فحسب، بل ترتيب هَذِه القيم؛ فالطفل يعرف سريعًا ما الذي يجعل والديه أكثر غضبًا: أهو الكذب أم الدرجة المنخفضة؟ أهو ظلم الأخ أم كسر الكوب؟ أهو إخفاء الحقيقة أم إحراج الأسرة أمام الضيوف؟ ومن الفارق بين درجات الغضب يتعلم ما هو مقدسٌ حقًّا في البيت، ولو كانت المواعظ تقول شيئًا آخر. قد يقول الأب إن الصدق أهم القيم، ثم يثور لأن ابنه اعترف بخطأ أكثر مما يثور لو أخفاه، فيتعلم الطفل من انفعال أبيه ما يناقض خطابه؛ وقد تقول الأم إن قيمة الإنسان في أخلاقه، ثم لا تتحدث إلا عن درجاته ومظهره ومقارنته بأبناء الآخرين، فيفهم الطفل أن الأخلاق كلامٌ جميل، وأن قيمته الحقيقية تُقاس بما يمكن عرضه اجتماعيًّا.
الأطفال شديدو الحساسية لهَذَا التناقض؛ يتعلمون من وزن الكلمة في الموقف أكثر مما يتعلمون من معناها في النصيحة. ومن هنا فإن بناء صورة الذات لا يحدث فقط بالعبارات الموجهة مباشرةً إلى الطفل، بل بالطريقة التي يتحدث بها الوالدان عن أنفسهما وعن الآخرين. الأم التي تقف أمام المرآة كل صباح وتحتقر جسدها تربي ابنتها على شيءٍ ولو لم تقل لها كلمةً عن شكلها؛ والأب الذي يصف نفسه بعد كل خطإ بأنه غبي يعلّم ابنه طريقةً في معاملة الذات؛ والبيت الذي يسخر باستمرار من الناس المختلفين يعلّم الطفل أن القيمة الإنسانية قابلة للحذف بمجرد اختلاف الشكل أو الطبقة أو التعليم. فاللغة الأسرية مناخ، لا حوار متفرق.
وكما أن للألفاظ أثرها، للصمت أثرٌ هو الآخر؛ الطفل الذي لا يسمع كلمة تقدير قط، حتى لو لم يسمع إهانة، قد يظل جائعًا إلى معرفة مكانه في عيون أقرب الناس إليه. وليس المقصود أن يتحول البيت إلى مهرجان مديح، بل أن يجد الإنسان الناشئ إشاراتٍ كافية تقول له: نراك. رأينا أنك حاولت، وأنك خفت ثم فعلت، وأنك أخطأت ثم أصلحت، وأن لك وجودًا لا يظهر لنا فقط حين تسبب مشكلة. ثمة أطفال لا يتلقون الانتباه إلا عند الخطأ؛ إذا هدأوا غابوا عن المشهد، وإذا أساؤوا حضر الأب والأم بكل طاقتهم. وقد يتعلم الطفل، على مستوى لا يعيه، أن السلوك المزعج هو الطريق الأقصر إلى أن يصبح مرئيًّا. وهنا تكون بعض المشكلات السلوكية رسائل علاقة قبل أن تكون فسادًا في الطبع.
والكلمة التي تبني ليست بالضرورة لطيفة دائمًا، بل صادقة وعادلة ومحددة. قد يحتاج الطفل إلى أن يسمع: «ما فعلته ظلم»، لا إلى تدوير العبارة حتى تفقد معناها، لكن الفرق أن الجملة تحكم على الفعل وتفتح باب العودة، ولا تقول له إن الظلم هو جوهره الذي لا فكاك منه. بل إن من احترام الطفل ألَّا نكذب عليه في تقييم قدراته؛ فإذا لم يحسن أمرًا، لا نقنعه بأنه ممتاز فيه حتى نحمي ثقته، وإنما نقول له ما يحفظ الحقيقة والكرامة معًا: «ما زلت تحتاج إلى تدريب»، أو «هَذِه ليست أفضل محاولاتك»، أو «ربما لديك قوة أكبر في مجال آخر، وإن أحببت هَذَا فسنبحث كيف تتقدم فيه». الصورة الصحية للذات لا تُبنى على الأكاذيب الجميلة، بل على حقيقة يستطيع الإنسان احتمالها.
ومن أكثر ما يبني الطفل أن يسمع أهله يصفون نموه لا جوهره الجامد؛ «أصبحت أكثر صبرًا»، «كنت تجد هَذَا صعبًا وصرت أحسن فيه»، «لاحظت أنك هَذِه المرة توقفت قبل أن تغضب». هَذِه اللغة تعلمه أن الشخصية ليست قطعة حجر، وأنه قادرٌ على المشاركة في تشكيل نفسه. وعلى العكس من ذلك فإن عبارات «أنت دائمًا…» و«أنت أبدًا لا…» تسجن الزمن كله في واقعة؛ فهي لا تمنح السلوك فرصةً لأن يتغير، لأن الماضي والحاضر والمستقبل حُشر في حكم واحد.
“الحب شيء والتقييم شيء آخر؛ فالخطأ لا يعني أن المحبة صارت موضع مساومة.”
وقد يكون أشد ما يحتاج إليه الإنسان الناشئ أن يفهم أن «الحب شيء والتقييم شيء آخر»؛ أحبك لا تعني أن كل ما تفعله صحيح، وخطؤك لا يعني أن محبتي لك صارت موضع مساومة. فإذا اختلط الأمران، صار الطفل مدفوعًا إلى الطاعة لا اقتناعًا بالقيمة، بل خوفًا من فقد العلاقة، وحين يكبر قد يحمل معه البنية نفسها إلى كل مكان؛ يصبح نقد رئيسه تهديدًا لقيمته، واختلاف صديقه خطرًا على الصداقة، وغضب شريكه احتمالًا لفقد الحب.
أما من تعلم في بيته أن العلاقة تحتمل الاختلاف والتصحيح، فقد اكتسب حصانةً لا تظهر في شهادةٍ مدرسية؛ يستطيع أن يختلف من غير أن ينهار، وأن يُنتقد من غير أن يشعر أن العالم يسحب اعترافه بوجوده. وهذا هو أحد الجسور التي تعبر عليها اللغة الأسرية من الطفولة إلى المجتمع؛ فالإنسان الذي لا يحتمل النقد قد لا يكون متكبرًا في أصل تكوينه، بل ربما تربى في بيتٍ كان الخطأ فيه عارًا، فصار دفاعه الحاد عن نفسه دفاعًا عن صورةٍ يخشى أن تنهار كلها عند أول شرخ. والإنسان الذي يبحث باستمرار عن رضا الجميع قد لا يكون محبًّا للناس بقدر ما يكون قد تعلّم قديمًا أن قيمته لا تستقر داخله إلا بعد أن ترتد إليه من عيونهم.
ولذلك فإن إصلاح أثر اللغة القديمة لا يكون بمجرد ترديد عبارات إيجابية أمام المرآة؛ فالصورة التي تكونت في سنوات لا تنقلب بشعار. يحتاج الإنسان إلى أن يعيد فحص الأصوات التي ورثها: من قال لي إنني لا أصلح؟ وما الدليل؟ وأي الأحكام كان وصفًا لحظةً غاضبة فتحول عندي إلى هوية؟ وأي صفاتٍ ما زلت أحملها عن نفسي لأنني سمعتها كثيرًا، لا لأنني اختبرتها بإنصاف؟ وهَذِه مراجعة قد تكون مؤلمة؛ لأن بعض الناس يكتشفون أن الصوت الذي ظنوه «صوتهم الداخلي» ليس صوتهم أصلًا، بل بقايا مجلسٍ أسري قديم استقر فيهم حتى صار يتكلم بضمير المتكلم.
يقول الإنسان: «أنا لا أنجح»، بينما العبارة كانت لأبٍ ضاق يومًا بدرجاته. ويقول: «شكلي قبيح»، بينما هي مزحة عمّةٍ تكررت في طفولته. ويقول: «لا ينبغي أن أظهر ضعفي»، بينما تلك وصية بيئةٍ خلطت الصلابة بالقوة. ومن النضج أن يسترد الإنسان حقه في إعادة النظر في الميراث اللغوي كما يعيد النظر في غيره من الموروثات؛ فلا يكفر بوالديه ولا يحاكم طفولته، وإنما يميز ما كان حكمةً فيحفظه، وما كان جرحًا فيرفض أن يورثه لمن بعده. وهنا تظهر مسؤولية الجيل الذي وعى شيئًا مما لم يعه السابقون؛ فليس الإنصاف أن نحول كل زلةٍ لغوية لوالدينا إلى محاكمةٍ أخلاقية بمقاييس لم تتوافر لهم، كما ليس الوفاء أن نكرر الضرر لأنهم كرروه. تستطيع أن تفهم أن أباك قال ما قال لأنه تربى على لغةٍ أشد قسوة، وأن أمك قارنتك لأنها ظنت المقارنة حافزًا، ثم تقول مع ذلك: أفهم السبب، لكنني لن أجعل الفهم ذريعةً للاستمرار.
والتربية بهذا المعنى ليست انقطاعًا عن الأجيال، بل تنقيةٌ لما ينتقل بينها. وقد كان الهدي النبوي في الخطاب شديد الحساسية لمعنى الاسم والوصف؛ إذ كان تغيير الأسماء القبيحة، والنهي عن التنابز، واختيار أحسن الألفاظ، جزءًا من بناءٍ أخلاقي يرى أن الكلمة ليست هواءً يمر ثم يفنى. وفي القرآن نهيٌ صريح: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾؛ لأن اللقب إذا لصق بالإنسان قد يختزل وجوده في خصلةٍ أو خطأ أو عيب، فيصير الاسم نفسه وسيلةً لإدامة الإهانة. وليس المقصود من هَذَا أن كل كلمةٍ قاسية تدمر طفلًا، أو أن على الوالدين أن يعيشا مذعورين من كل لفظ؛ فالبيوت بشرية، والغضب يقع، والوالد يزل، والطفل أقدر على الاحتمال مما قد تصوره بعض الخطابات النفسية المبالغة. الخطورة ليست في كلمةٍ ندم صاحبها وأصلح أثرها بقدر ما هي في «النمط»؛ في اللغة التي تصبح مناخًا، وفي الوصف الذي يتكرر حتى يصير تعريفًا، وفي الإهانة التي تُبرر دائمًا بأنها تربية.
بل إن اعتذار الأب أو الأم بعد كلمةٍ قاسية قد يكون في ذاته درسًا بالغ القيمة؛ يقول أحدهما: «أنا غضبت وقلت لك كلامًا لم يكن ينبغي أن أقوله. فعلك كان خطأ، لكنني أخطأت حين أهنتك». هنا لا تسقط هيبة الوالد، بل يرى الطفل أمامه إنسانًا يفرق بين الحزم والعدوان، ويتحمل مسؤولية لسانه، ولا يستعمل سلطته ليمنح نفسه حقًا في كل عبارة. وبهذا تتحول الأسرة من مكانٍ يُشكَّل فيه الطفل وحده إلى مكانٍ يتربى فيه الجميع؛ فاللغة التي نبني بها أبناءنا تعيد بناءنا نحن أيضًا، وتجبرنا على أن نسأل قبل كل وصف: هل أريد أن أصلح هَذَا الفعل، أم أنني أفرغ غضبي في هوية صاحبه؟ وهل الكلمة التي سأقولها ستضيء له الطريق، أم ستمنحه اسمًا جديدًا ليتوه فيه؟
” إننا لا نحتاج في الأسرة إلى لغةٍ رخوة تخشى الحقيقة، ولا إلى لغةٍ عسكرية تجعل كل خطأ معركةً على الانضباط؛ بل إلى لغةٍ تمتلك الصدق والرحمة معًا.”
إننا لا نحتاج في الأسرة إلى لغةٍ رخوة تخشى الحقيقة، ولا إلى لغةٍ عسكرية تجعل كل خطأ معركةً على الانضباط؛ بل إلى لغةٍ تمتلك الصدق والرحمة معًا، فتسمّي الخطأ باسمه من غير أن تسحق صاحبه تحته، وتقدر الجهد من غير أن تنفخ الأنا، وتنتقد من غير أن تحتقر، وتحب من غير أن تدلل، وتضع الحدود من غير أن تجعل القبول الإنساني مشروطًا بالطاعة. عندئذ تنمو في الطفل صورة ذاتٍ لا تحتاج إلى الكذب حتى تبقى جميلة؛ يعرف أنه ناقص وقابل للنمو، وأن الناس قد يختلفون معه ولا يسقط بذلك، وأن قيمته الأصلية لا تستمد من درجةٍ أو شكلٍ أو مقارنة، وأن عليه مع ذلك أن يجتهد ويهذب نفسه ويصلح خطأه. تلك الصورة هي التي تمنحه ثقةً لا تتبجح، وتواضعًا لا يحتقر الذات، وشجاعةً تستطيع الفشل لأن الفشل لن يحطم صاحبها. فغاية اللغة الأسرية ليست أن تجعل الطفل سعيدًا بكل ما يسمعه، وإنما أن تعينه على أن يرى نفسه كما هي، في ضوءٍ لا يزوّر العيوب ولا يضخمها؛ أن يعرف مواطن قوته من غير غرور، ومواطن ضعفه من غير عار، وأن يظل في نفسه موضعٌ صالح للبناء بعد كل خطأ.
ولعل هَذَا هو المعيار الذي ينبغي أن تُوزن به كلمات البيت كلها: هل تفتح للإنسان بابًا إلى نفسه، أم تغلقه؟ هل تجعله أقدر على رؤية فعله، أم أشد انشغالًا بالدفاع عن قيمته؟ هل تقول له إنك تستطيع أن تصبح أفضل، أم تقول له إن الحكم صدر وانتهى؟ فالكلمة التي تبني لا تصنع من الطفل تمثالًا لما نريده نحن، وإنما تمنحه لغةً يستطيع بها أن يبني نفسه؛ والكلمة التي تهدم ليست فقط ما تؤلمه حين يسمعها، بل ما يبقى منه بعد أن يسكت قائلها. وقد يغادر الأبوان يومًا، ويكبر الإخوة، ويتبدل البيت، وتبتعد الغرف التي قيلت فيها الكلمات الأولى؛ غير أن الإنسان قد يحمل ذلك البيت كله في طريقة حديثه مع نفسه. فإذا أخفق، تكلم إليه بصوت أبيه؛ وإذا وقف أمام المرآة، نظر بعين أمه؛ وإذا أخطأ، عاقب نفسه باللغة التي عوقب بها، ثم ينقلها من غير قصد إلى أبنائه، فتستمر الجملة الواحدة أجيالًا بعد أن مات أول من قالها.
ومن هنا لا تكون العناية باللغة ترفًا في التربية، بل قطعًا لسلسلةٍ أو مدًّا لها. إننا حين نخاطب الطفل لا نتحدث دائمًا إلى لحظته الحاضرة؛ ثمة رجلٌ أو امرأة في الغد يستمع إلينا من خلفه، وسيتذكر، في لحظات ضعفه وقوته، شيئًا من الطريقة التي سُمّي بها في هَذَا البيت. فليست المسألة أن نبحث في كل لحظة عن أجمل الكلمات، بل أن نعرف أي إنسانٍ تساعد كلماتنا على أن يولد. إذ قد تنتهي الجملة عند شفتيك، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند أذن طفلك؛ بعض الكلمات يجد له في النفس بيتًا، ثم يقيم.
