الفكررؤى فلسفيةمناهج وعقائد

هل استُنفد الإسلام فلسفيًا؟

في اكتمال الوحي ولا نهائية الاستقراء والاستنباط

ليس السؤال: هل استُنفد الإسلام فلسفيًا؟ سؤالًا عابرًا في سجل الجدل الثقافي، ولا هو ترف ذهني يطرحه عقل مأخوذ بمذاهب العصر وأزيائه الفكرية، بل هو سؤال مصيري يتصل بشرعية أي مشروع يريد أن يستأنف النظر في الإسلام بوصفه بنية هداية وكشف، لا مجرد ذاكرة دينية مكتملة في الماضي. وهذا السؤال, على خطورته، لا يجوز أن يُجاب عنه بانفعال دفاعي، ولا باطمئنان وعظي سريع، ولا بخطاب تمجيدي يظن أن التعظيم يغني عن البرهان؛ لأن القضية هنا ليست هل الإسلام عظيم في ذاته، فهذا من بدهيات الإيمان عند المؤمنين به، وإنما القضية: هل بقي في هذا الإسلام، بعد قرون طويلة من التفسير والفقه والكلام والتصوف والجدل والتأويل، ما يمكن أن يُستخرج منه فلسفيًا وحضاريًا ووجوديًا دون أن يكون ذلك ابتداعًا في الدين أو تحريفًا للوحي أو استيرادًا متخفيًا لمقولات الآخر؟

وهذا السؤال نفسه يكشف مأزقًا أعمق من صورته الأولى؛ إذ يفترض بعض الناس، تصريحًا أو تلميحًا، أن كمال الدين يعني اكتمال كل فهم ممكن له، وأن تمام الوحي يعني انتهاء أفق النظر فيه، وأن ما لم يقله السابقون بصيغتنا المعاصرة فهو إما خارج الدين، أو زائد عليه، أو متكلف فيه. وهذا خلط خطير بين كمال المصدر ومحدودية التلقي، وبين تمام الوحي وتاريخية الفهم البشري، وبين ثبات النص وتحوّل الأسئلة التي يحملها الإنسان إلى النص. فالوحي مكتمل من جهة مصدره ومرجعيته وأصول هدايته، أما الفهم البشري فهو متدرج، محدود، مشروط باللغة والزمن والسؤال والقدرة والهمّ الحضاري. وما من جيل يملك أن يدعي أنه أحاط بكل ما يمكن أن يكشفه القرآن للإنسان عن ربه ونفسه والعالم والمصير.

“إن اكتمال الدين لا يعني استنفاد معانيه، كما أن اكتمال السماء لا يعني انتهاء قدرة العين على رؤية نجومها. فالقرآن ليس نصًا تاريخيًا محصورًا في وقائع النزول وحدها، بل هو خطاب إلهي مفتوح على الإنسان ما دام الإنسان يواجه الوجود.”

إن اكتمال الدين لا يعني استنفاد معانيه، كما أن اكتمال السماء لا يعني انتهاء قدرة العين على رؤية نجومها. فالقرآن ليس نصًا تاريخيًا محصورًا في وقائع النزول وحدها، ولا وثيقة زمنية أغلقت مهمتها بانتهاء عصرها الأول، بل هو خطاب إلهي مفتوح على الإنسان ما دام الإنسان يواجه الوجود، ويصارع الغفلة، ويبحث عن السكينة، ويتعثر في شهوته، ويخاف الموت، ويسأل عن العدل، ويطلب المعنى، ويحتاج إلى نور يفرّق به بين الطريق والمتاهة. إنه كتاب هداية، نعم؛ لكنه ليس هداية سلوكية مباشرة فحسب، بل هداية للوعي، وهداية للوجود، وهداية للرؤية التي بها يعرف الإنسان من هو، ولماذا خُلق، وكيف ينبغي أن ينظر إلى نفسه والعالم والله والناس والزمن.

ومن هنا فإن القول بأن الإسلام لم يُستنفد فلسفيًا لا يعني أن الوحي ناقص يحتاج إلى إكمال، بل يعني أن العقل المسلم قاصر عن ادعاء الإحاطة، وأن النص القرآني أوسع من أن تستنفده أو أن تستنفذه حقبة أو مدرسة أو مذهب أو علم مخصوص. إن الفرق بين الأمرين حاسم؛ فالدين مكتمل في أصوله، لكن استخراج معانيه الحضارية والوجودية يتجدد بتجدد أسئلة الإنسان. لا نضيف إلى الوحي، بل نعود إليه من زوايا أسئلة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في عصور سابقة. ولا نحمّله ما ليس فيه، بل نكتشف من طاقته الكاشفة ما كان مستترًا عن النظر حين كانت الهموم التاريخية موجهة إلى مناطق أخرى. فالنص الكامل لا ينغلق، بل يفتح؛ والوحي لا يشيخ، لكن العقول قد تشيخ حين تكتفي بتكرار ما استخرجه غيرها وتظن التكرار وفاءً.

لقد وجّهت الحضارة الإسلامية، بحكم ظروفها التاريخية والضرورات التي واجهتها، جانبًا عظيمًا من طاقتها إلى علوم مخصوصة، فكان الفقه من أعظم إنجازاتها، لأنه لبّى حاجة الأمة إلى تنظيم الحياة، وضبط المعاملات، بيان الحلال والحرام، وتفصيل أحكام الأسرة والمال والعبادة والقضاء. وكان علم الكلام كذلك ضرورة تاريخية حين واجه المسلمون أسئلة العقيدة، وجدالات الفرق، واحتكاكهم بالفلسفات والديانات والمذاهب الوافدة. وكانت السياسة، بما فيها من صراع على الشرعية والسلطان والجماعة، حاضرة بقوة في تشكيل الوعي الإسلامي، كما كان الجدل العقدي دفاعًا عن أصول الإيمان وحماية للبنية الدينية من التفكك. ولا يجوز لعاقل أن يزدري هذه الجهود أو يتعامل معها بخفة، فقد مثّلت في زمانها عقل الأمة وهو يواجه أسئلته الكبرى.

“إن هذه المفاهيم لم تكن غائبة عن الوعظ والتربية، لكنها غالبًا لم تُبنَ بوصفها مفاهيم فلسفية مركزية قادرة على محاورة الإنسان الحديث في قلقه ووحدته وتشظيه وانكشافه أمام التقنية والسوق والدولة والشاشة.”

لكن الاعتراف بعظمة ما أنجز لا يعني أن ما أنجز هو كل ما يمكن إنجازه. لقد ركزت الحضارة، في مراحل واسعة، على سؤال الحكم العملي: ماذا يجب أن يفعل الإنسان؟ وعلى سؤال الاعتقاد الجدلي: بماذا يجب أن يؤمن، وكيف يدفع الشبهة؟ وعلى سؤال الجماعة والسلطة: كيف تحفظ الأمة وحدتها ومشروعيتها؟ غير أن أسئلة أخرى بقيت أقل حظًا من الحفر الفلسفي العميق: من الإنسان في القرآن؟ ما بنية النفس؟ ما معنى السكينة بوصفها نظامًا داخليًا لا مجرد راحة؟ ما الغفلة بوصفها عمى وجوديًا لا مجرد تقصير تعبدي؟ ما الفطرة بوصفها أصلًا معرفيًا وأخلاقيًا؟ ما الحياء بوصفه حساسية روحية ضد الابتذال؟ ما الستر بوصفه فلسفة في الحدود وحماية السر الإنساني? ما البركة بوصفها نقدًا للمادية الكمية؟ ما الخشية بوصفها معرفة جليلة بمقام الإنسان أمام المطلق؟

إن هذه المفاهيم لم تكن غائبة عن الوعظ والتربية واللغة الدينية اليومية، لكنها غالبًا لم تُبنَ بوصفها مفاهيم فلسفية مركزية قادرة على محاورة الإنسان الحديث في قلقه ووحدته وتشظيه وانكشافه أمام التقنية والسوق والدولة والشاشة. لقد استُعملت مفاهيم كثيرة استعمالًا أخلاقيًا مباشرًا، وهذا في ذاته نافع، لكنه غير كافٍ. فالإنسان المعاصر لا يحتاج فقط إلى من يقول له: كن مطمئنًا، ولا تغفل، والزَم الحياء، واستتر، واطلب البركة، واخشَ الله؛ بل يحتاج أيضًا إلى أن يفهم البنية العميقة لهذه المعاني، وكيف تكشف أزمته، وكيف تفسر عطب الحضارة التي يعيش فيها، وكيف تقدم له تصورًا بديلًا للذات والحياة والمجتمع والمعرفة. حين تبقى هذه المفاهيم في دائرة الوعظ وحدها، تفقد بعض قدرتها على تأسيس الرؤية، وتتحول أحيانًا إلى مفردات مألوفة لا تهز العقل ولا تعيد ترتيب التصور.

وهنا تظهر ضرورة المشروع: ليس استيرادًا لفلسفة من الخارج ثم البحث لها عن شواهد إسلامية، وليس تزيينًا دينيًا لمقولات ولدت في سياقات أخرى، وليس تلفيقًا بين آيات القرآن ومصطلحات الحداثة لإنتاج خطاب يرضي الطرفين ولا يقنع أحدًا. المشروع، في جوهره، استخراج من الداخل؛ استنطاق منضبط للنص المؤسس، واستعادة للمفاهيم القرآنية من سطح الاستعمال الوعظي إلى عمق البناء الفلسفي، وربط بين أسئلة العصر وجذور الوحي دون أن يُجعل العصر حاكمًا على الوحي أو يُجعل التراث حجابًا دون الوحي. إننا لا نأتي إلى القرآن كي نعلّمه أسئلة الحداثة، بل نأتي إليه بأسئلة الإنسان وقد اشتدت، ونطلب منه أن يكشف لنا ما عجزت عنه المذاهب التي اختزلت الإنسان في جسده أو غرائزه أو طبقته أو سوقه أو لاوعيه أو إنتاجيته.

“الأزمات الحديثة تستطيع أن تكشف أبعادًا جديدة في النص، لا لأنها تضيف إليه، بل لأنها تضعنا أمام حاجتنا إلى ما فيه. فالأزمة ليست دائمًا حجابًا؛ قد تكون كشافًا.”

فالأسئلة تختلف باختلاف العصور، لا لأن الحق يتغير، بل لأن مواضع الجرح في الإنسان تتغير. كان سؤال عصور مضت يدور حول الفتنة، والسلطة، والفرق، والصفات، والقدر، وحدود العقل والنقل، وتفصيل المعاملات، وضبط الجماعة. أما اليوم، فإن الإنسان يواجه أسئلة من نوع آخر: كيف يعيش في عالم كثير الاتصال قليل المعنى؟ كيف يحمي نفسه من تسليع الانتباه؟ كيف يجد السكينة في زمن السرعة؟ كيف يصون حياءه في عصر الاستعراض؟ كيف يحفظ ستره في ثقافة الكشف الشامل؟ كيف يستعيد بركة الزمن في حضارة الإنتاج والقياس؟ كيف يفهم فطرته في عالم يريد إعادة هندسة الإنسان وفق السوق أو الأيديولوجيا أو التقنية؟ كيف ينجو من الغفلة وهو محاط بالمعلومات؟ كيف يعرف الخشية في زمن الغرور العلمي والتكنولوجي؟

هذه الأسئلة ليست أجنبية عن القرآن، وإن لم تُصغ قديمًا بالعبارات نفسها. فالقرآن حين يتحدث عن الإنسان لا يتحدث عن كائن تاريخي منغلق في القرن الأول، بل عن بنية إنسانية ممتدة: يخاف، يرجو، يغفل، يتكبر، يطمئن، يضطرب، يحب، يطغى، ينسى، يذكر، يطلب الخلود، يفتن بالمال، يلتبس عليه الحق، يفرّ من الموت، ويُدعى إلى أن يعرف نفسه في ضوء خالقه. ولهذا تستطيع الأزمات الحديثة أن تكشف أبعادًا جديدة في النص، لا لأنها تضيف إليه، بل لأنها تضعنا أمام حاجتنا إلى ما فيه. فالأزمة ليست دائمًا حجابًا؛ قد تكون كشافًا. وقد لا نرى معنى السكينة إلا حين يعصف بنا القلق، ولا نرى معنى الفطرة إلا حين تحاول الأنظمة الفكرية تفكيك الإنسان، ولا نرى معنى الستر إلا حين يتحول الانكشاف إلى صناعة، ولا نرى معنى البركة إلا حين تصير الوفرة بلا طمأنينة.

إن القرآن كتاب هداية، لكن الهداية في القرآن ليست مجرد توجيه أخلاقي إلى أعمال منفصلة؛ إنها بناء رؤية. فالقرآن لا يقول للإنسان فقط: افعل ولا تفعل، بل يعيد تعريفه: من أنت؟ ممّ خُلقت؟ إلى أين تمضي؟ ما موضعك من الكون؟ ما علاقتك بالزمن؟ ما معنى المال؟ ما حقيقة القوة؟ ما وظيفة الجسد؟ ما قيمة القلب؟ ما معنى العلم إذا لم يورث خشية؟ ما معنى الحرية إذا انتهت إلى عبودية الهوى؟ ما معنى العمر إذا خلا من البركة؟ ما معنى المجتمع إذا فقد الرحمة والعدل؟ هذه الأسئلة تجعل القرآن كتاب كشف للوجود الإنساني، لا كتاب أحكام ومواعظ فقط. ومن الظلم للنص أن نختزله في جانب واحد من جوانبه، وإن كان ذلك الجانب عظيمًا.

“السكينة في معناها الأعمق حالة تمركز وجودي، يقف فيها الإنسان ثابتًا أمام الاضطراب لأنه متصل بما هو أثبت من الحوادث. إنها ليست غياب العاصفة، بل حضور المعنى داخل العاصفة.”

وإذا أخذنا مفهوم السكينة مثلًا، وجدنا أنه ليس مجرد هدوء عابر، ولا راحة نفسية خفيفة، ولا مزاجًا مطمئنًا ينشأ من زوال الضجيج. السكينة في معناها الأعمق حالة تمركز وجودي، يقف فيها الإنسان ثابتًا أمام الاضطراب لأنه متصل بما هو أثبت من الحوادث. إنها ليست غياب العاصفة، بل حضور المعنى داخل العاصفة. وهذا المفهوم قادر على مخاطبة إنسان اليوم الذي يعيش في عالم السيولة والخوف والقلق المفتوح. فالفلسفات النفسية الحديثة تبحث عن إدارة التوتر، أما السكينة القرآنية فتذهب أعمق من ذلك: إنها لا تكتفي بتخفيف الأعراض، بل ترد القلب إلى مركزه، وتعيد إلى النفس علاقتها بمصدر أمنها، وتجعل الإنسان قادرًا على ألا ينهار لمجرد أن العالم من حوله مضطرب.

أما الفطرة، فهي من أكثر المفاهيم حاجة إلى بناء فلسفي جديد. لقد استُعملت كثيرًا بمعنى البراءة الأولى أو الميل الطبيعي إلى الخير، وهذا صحيح من وجه، لكنه لا يستنفد معناها. الفطرة تشير إلى بنية أصلية في الإنسان، إلى قابلية معرفية وأخلاقية وروحية تجعله مهيأً للتعرف إلى الحق، لا مجرد صفحة بيضاء تكتب عليها الظروف ما تشاء. في زمن تقول فيه بعض التصورات إن الإنسان ليس إلا نتاجًا للبيولوجيا أو الاقتصاد أو اللغة أو السلطة، يأتي مفهوم الفطرة ليقول إن في الإنسان أصلًا سابقًا على التلاعب، وشاهدًا داخليًا يمكن طمسه لكنه لا يُلغى، وأن التشويه لا يصير طبيعة لمجرد أنه شاع، وأن الغفلة لا تبطل النداء الأصلي الكامن في عمق الكينونة.

والغفلة، بدورها، ليست مجرد نسيان للعبادة أو انشغال عن الذكر بالمعنى الضيق، بل هي حالة وجودية كاملة؛ أن يعرف الإنسان أشياء كثيرة ويجهل ما لأجله ينبغي أن يعرف، أن يمتلك معلومات هائلة ولا يمتلك وجهة، أن يعيش في التفاصيل حتى ينسى الكل، أن يكون متيقظًا للشاشة وغائبًا عن مصيره، حاضرًا في السوق وغائبًا عن روحه، متمكنًا من أدوات الحياة وعاجزًا عن فهم معناها. بهذا المعنى، يمكن أن تكون حضارة كاملة غافلة رغم وفرة جامعاتها ومختبراتها وبياناتها، لأنها تعرف كيف تفعل، لكنها لا تعرف لماذا، وتعرف كيف تزيد القوة، لكنها لا تعرف كيف تضبطها بالحكمة.

“في زمن الاستعراض الشامل، حيث يُطلب من الإنسان أن يكشف كل شيء، يصبح الحياء فلسفة مقاومة، لا ضد الجمال أو الحضور، بل ضد تحويل الإنسان إلى مادة معروضة بلا سر ولا حرمة.”

العالم الحديث يخلط كثيرًا بين الشفافية والفضح، وبين الصراحة وانتهاك الحرمة، وبين الحرية وإلغاء المسافات. أما الستر فيعلّمنا أن النور لا يعني كشف كل شيء، وأن بعض الظل ضروري لصيانة المعنى، وأن الإنسان إذا صار مكشوفًا بالكامل فقد شيئًا من هيبته الداخلية. الستر ليس عداوة للحقيقة، بل صيانة للمقام الذي تُقال فيه الحقيقة دون تشهير، وتُحفظ فيه الكرامة دون تواطؤ على الظلم.

أما البركة، فهي مفهوم يكاد يكون ثورة على العقل الكمي الحديث. فالعصر يقيس كل شيء بالعدد: الإنتاج، النمو، السرعة، الربح، المتابعة، الاستهلاك، الزمن، الجهد، النجاح. لكن البركة تكشف أن القيمة ليست في الكثرة وحدها، وأن الزمن قد يتسع أو يضيق بحسب المعنى الذي يسكنه، وأن المال قد يكثر ويفقد أثره، وأن العمل قد يقل ويعظم نفعه، وأن الحياة ليست معادلة حسابية صماء. البركة لا تلغي الأسباب، لكنها تكشف أن الأسباب ليست كل شيء، وأن الأخلاق والمعنى والنية والحق يمكن أن تمنح الفعل أثرًا يتجاوز حجمه الظاهر. في عالم يملك الكثير ولا يطمئن، تصبح البركة لغة قرآنية عميقة لنقد الوفرة العمياء.

والخشية، في مقام آخر، ليست خوفًا بدائيًا من قوة مجهولة، ولا رعبًا مرضيًا يحطم الإنسان، بل معرفة مهيبة تولد من إدراك الجلال. إنها خوف العالم لا خوف الجاهل، ورهبة المحب لا ذعر الهارب، وانكسار العقل حين يرى حجمه الحقيقي أمام المطلق. الخشية تضبط الغرور، وتمنع العلم من التحول إلى طغيان، وتمنح الإنسان تواضعًا أمام الكون والخالق والمصير. وما أحوج زمن التقنية إلى خشية بهذا المعنى; إذ لا يكفي أن يستطيع الإنسان أن يفعل شيئًا حتى يكون له الحق في فعله، ولا يكفي أن يملك القوة حتى يمتلك الحكمة. الخشية هي الضمانة التي تجعل المعرفة إنسانية، وتمنع العقل من أن يعبد نفسه.

“الاجتهاد ليس خروجًا على الثابت، بل عمل داخل أفقه. والتحريف أن نجعل النص تابعًا لأهوائنا، أما الاستخراج فهو أن نجعل أسئلتنا تقف بأدب وصرامة أمام النص.”

هذه المفاهيم، وغيرها كثير، تدل على أن الإسلام لم يُستنفد أو يستنفذ فلسفيًا، بل إن في داخله إمكانًا هائلًا لإعادة بناء النظر إلى الإنسان والوجود. لكن هذا الإمكان لا يُستخرج بالكسل، ولا بالترديد، ولا بخطاب دفاعي يكتفي بأن يقول: عندنا كل شيء. مثل هذه العبارة، حين لا يصحبها عمل معرفي صارم، قد تتحول إلى شكل آخر من العجز. نعم، في النص أصول كبرى، لكن وجودها لا يعفينا من الحفر. نعم، في الإسلام غنى فلسفي عميق، لكن هذا الغنى يحتاج إلى عقل يستخرجه، ولغة تصوغه، ومنهج يضبطه، وشجاعة تواجه به الأسئلة الحقيقية لا الأسئلة المريحة.

ومن المهم هنا أن نفرق بين التجديد والاستهلاك، وبين الاجتهاد والتحريف. فالتجديد ليس أن ننقل مقولات الآخر ثم نلبسها ثوبًا إسلاميًا، وليس أن نلوي أعناق النصوص كي توافق أهواء العصر، وليس أن نحرر الإسلام من نفسه ليصير مقبولًا في سوق الأفكار العالمية. التجديد الحق أن نعود إلى الأصول بوعي جديد، لا لنغيرها، بل لنكتشف قدرتها على إنارة ما استجد من ظلمات. والاجتهاد ليس خروجًا على الثابت، بل عمل داخل أفقه. والتحريف أن نجعل النص تابعًا لأهوائنا، أما الاستخراج فهو أن نجعل أسئلتنا تقف بأدب وصرامة أمام النص، تستنطقه ولا تستعبده، تصغي إليه ولا تستعمله شاهد زور. وإنَّ ثقافة الاكتفاء الاستعلائي وتقديس كل قديم وتخوين أو تسفيه كل جديد هو ما أخر الركب الحضاري للأمة، بل وفتح أبوابا مخيفة لتسلل وتسلق الجهلاء وأشباه المثقفين للوعي الجمعي للأمة من خلال تهاويم وشطحات تخالف المنطق والعلم والدين.

إن المشروع الذي ينهض على هذه القاعدة ليس مشروع استعارة، بل مشروع استعادة. إنه لا يستورد شرعيته من الفلسفات الغربية، ولا يعاديها عداء الجاهل الخائف، بل يقف أمامها بندية، يأخذ منها ما يراه نافعًا في أدوات التحليل، لكنه لا يجعلها مصدر المعنى ولا معيار الحقيقة. فليس المطلوب أن نغلق النوافذ، ولا أن نعيش في اكتفاء موهوم، بل أن نعرف من أي أرض نقف ونحن نحاور العالم. ومن لا يملك جذره لا يحاور؛ إنه يترجم نفسه بلغة غيره ثم يظن ذلك تفكيرًا. أما الاستخراج من الداخل فيعني أن يكون النص المؤسس هو المنبع، وأن تكون أسئلة العصر هي مجال الاختبار، وأن يكون العقل المسلم وسيطًا أمينًا بين الوحي والواقع.

“العجز ليس في الوحي، بل في عقل يهاب الأسئلة، أو يكتفي بالأجوبة الموروثة دون أن يعرف كيف وُلدت، أو يظن أن الوفاء للسابقين يكون بتجميدهم.”

ولذلك فإن السؤال: هل استُنفد الإسلام فلسفيًا؟ ينبغي أن يقلب إلى سؤال آخر: هل استنفد العقل المسلم شجاعته في النظر؟ هل جف النص، أم جفّت طريقتنا في الاقتراب منه؟ هل فقد القرآن قدرته على الكشف، أم فقدنا نحن القدرة على أن نقرأه بوصفه خطابًا للإنسان في كل أزماته، لا مجرد مستودع أحكام نستدعيها عند الحاجة؟ إن العجز ليس في الوحي، بل في عقل يهاب الأسئلة، أو يكتفي بالأجوبة الموروثة دون أن يعرف كيف وُلدت، أو يظن أن الوفاء للسابقين يكون بتجميدهم لا باستكمال جهادهم المعرفي.

والسابقون أنفسهم لم يكونوا مقلدين لمن سبقهم بالمعنى الكسول، بل كانوا أبناء أسئلتهم الكبرى. الفقيه العظيم كان يجيب عن حاجة عصره إلى الضبط والتنظيم. والمتكلم كان يجيب عن حاجة عصره إلى الدفاع والبرهان. والمفسر كان يحاول أن يفتح النص بما أوتي من لغة وعلم وأفق. فإذا كنا أوفياء لهم حقًا، فليس الوفاء أن نكرر أجوبتهم في غير أسئلتها، بل أن نحمل شجاعتهم إلى أسئلتنا. أن نعرف أن لكل عصر جرحه، وأن الوحي لا يُستنفد لأنه قادر على مخاطبة الجرح المتجدد دون أن يتغير في أصله. هذه هي حيوية الإسلام: ثبات في المصدر، واتساع في الكشف، وانضباط في المنهج، وتجدد في التنزيل الحضاري.

إن العالم اليوم، وقد بلغ في القوة المادية ما بلغ، يعاني من فقر في المعنى، ومن قلق في الهوية، ومن انكشاف نفسي، ومن تسليع للإنسان، ومن غياب للسكينة، ومن فائض في المعلومات يقابله ضمور في الحكمة. وهذه ليست قضايا هامشية بالنسبة إلى القرآن، بل هي في صميم خطابه عن الإنسان. القرآن يكشف الإنسان حين يطغى، وحين يخاف، وحين يغفل، وحين يعبد هواه، وحين ينسى ربه، وحين يظن أن ماله أخلده، وحين يفر من الموت، وحين يتوهم أنه مكتفٍ بذاته. ومن لم ير في هذه البنية كشفًا فلسفيًا عميقًا، فربما قرأ الألفاظ ولم يدخل إلى هندستها الداخلية.

إننا بحاجة إلى قراءة تجعل القرآن حاضرًا في الأسئلة الكبرى لا بوصفه مادة اقتباس، بل بوصفه مصدر رؤية. قراءة تجعل السكينة جوابًا على قلق العصر، والفطرة جوابًا على هندسة الإنسان، والغفلة جوابًا على فائض المعلومات، والحياء جوابًا على ثقافة الابتذال، والستر جوابًا على عنف الانكشاف، والبركة جوابًا على جنون الكمية، والخشية جوابًا على غرور التقنية. هذه القراءة ليست بدعة، لأنها لا تخترع دينًا جديدًا؛ وليست تحريفًا، لأنها لا تنقض الأصول؛ وليست استيرادًا، لأنها لا تبدأ من الخارج؛ إنها استئناف لعمل الوحي في النفس والعقل والحضارة.

“الإسلام لم يُستنفد فلسفيًا، لأن الوحي ليس فكرة بشرية تُستهلك كما تُستهلك النظريات، بل خطاب إلهي ينير الإنسان كلما عاد إليه حاملًا جرحه وسؤاله وحاجته.”

وفي النهاية، فإن الإسلام لم يُستنفد فلسفيًا، لأن الوحي ليس فكرة بشرية تُستهلك كما تُستهلك النظريات، ولا منظومة مغلقة تفرغ بعد شرحها الأول، بل خطاب إلهي ينير الإنسان كلما عاد إليه حاملًا جرحه وسؤاله وحاجته. لقد اكتمل الدين، نعم، لكن الإنسان لم يكتمل فهمًا. واكتمل الوحي، نعم، لكن التاريخ لم يتوقف عن إنتاج الأسئلة التي تكشف حاجتنا إليه. واكتملت أصول الهداية، نعم، لكن استخراج آثارها الحضارية والوجودية والنفسية والجمالية لا يزال ميدانًا مفتوحًا للعقول التي تجمع بين الإيمان والصرامة، وبين الأدب مع النص والشجاعة في السؤال.

هذا هو إعلان شرعية المشروع: لسنا نبحث عن فلسفة للإسلام من خارج الإسلام، بل عن الفلسفة الكامنة في بنية الإسلام نفسه. لسنا نستدعي القرآن ليشهد لمقولات جاهزة، بل نعود إليه لنستخرج منه ما يواجه إنسان هذا العصر في خوفه وغفلته ووحدته وعبوديته للمادة وانكشافه أمام السوق والتقنية والعدم. لسنا نضيف إلى الدين، بل نكشف من معانيه ما حجبه الاعتياد، وما ضيّقه الوعظ، وما أجّلته ظروف التاريخ. ومن ظن أن الإسلام قد استُنفد فلسفيًا، فليتهم طريقته في النظر قبل أن يتهم البحر بالنفاد؛ فإن البحر لا يجف لأن كفًا صغيرة اغترفت منه يومًا ثم أعلنت أنها أحاطت بأعماقه علما وفهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى