الأدبوحي الخاطر

لغة تتهيأ لك

كُنْتُ أَرَى اللُّغَةَ رَسُولَ المَشَاعِرِ وَتَرْجُمَانَ القَلْبِ؛ أُرْسِلُهَا فِي مَهَامِّ البَوْحِ، فَتَعُودُ إِلَيَّ مُثْقَلَةً بِمَا عَبَرَتْ بِهِ مِنْ أَفْكَارِي، وَمَا لَامَسَتْهُ فِي طَرِيقِهَا مِنْ خَفَايَا نَفْسِي. أَضَعُ فِي يَدِهَا مَعْنًى غَامِضًا، فَتَكْسُوهُ جَسَدًا مِنَ الحُرُوفِ؛ وَأُودِعُهَا خَاطِرًا مُرْتَبِكًا، فَتَرُدُّهُ إِلَيَّ مُسْتَقِيمَ القَوَامِ، وَاضِحَ المَلَامِحِ، يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى العُقُولِ. أَحْبَبْتُهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ تَمْنَحُ أَفْكَارِي مَا تَعْجِزُ عَنْهُ فِي عُرْيِهَا، وَتَفْتَحُ لِرَأْيِي مَمَرًّا فِي زِحَامِ الآرَاءِ، وَتَجْعَلُ لِمَا يَخْتَلِجُ فِيَّ مَوْضِعًا فِي هٰذَا العَالَمِ. فَالمَعْنَى قَبْلَ اللُّغَةِ كَنَجْمٍ بَعِيدٍ تَرَاهُ الرُّوحُ وَلَا تَبْلُغُهُ؛ فَإِذَا جَاءَتِ الكَلِمَةُ رَسَمَتْ لَهُ مَدَارًا، وَأَنْزَلَتْهُ مِنْ سَمَاءِ الغُمُوضِ إِلَى أُفُقِ الفَهْمِ.

وَكَانَتِ اللُّغَةُ عِنْدِي ذَاتَ مَكَانَةٍ تَرْتَقِي كُلَّمَا ارْتَقَيْتُ بِهَا، وَتَكْبُرُ كُلَّمَا وَسَّعْتُ لَهَا فِي نَفْسِي مَقَامًا. أُكْرِمُهَا بِالتَّأَمُّلِ فَتُكْرِمُنِي بِالدِّقَّةِ، وَأَرْفُقُ بِحُرُوفِهَا فَتَرْفُقُ بِمَعَانِيَّ، وَأَتَعَهَّدُ أَلْفَاظَهَا حَتَّى تَنْضَجَ، فَتَضَعُ بَيْنَ يَدَيَّ ثِمَارًا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ فِي غُصُونِهَا قُدْرَةً عَلَى إِنْبَاتِهَا. كَانَ عَقْلُ الحَرْفِ يُطِيعُنِي مَا أَطَعْتُهُ، وَيَهَبُنِي مِنْ أَسْرَارِهِ بِقَدْرِ مَا أَهَبُهُ مِنْ صَبْرِي. أَقُودُهُ إِلَى الفِكْرَةِ فَيُحْسِنُ سُلُوكَ المَسَالِكِ الوَعْرَةِ، وَأَحْمِلُهُ عَلَى مَعْنًى دَقِيقٍ فَيَتَلَطَّفُ فِي حَمْلِهِ، حَتَّى لَا يَكْسِرَ مِنْ رِقَّتِهِ شَيْئًا. وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي مَلَكْتُ قِيَادَهُ، وَأَنَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ عَهْدُ طَاعَةٍ يَبْدَأُ مِنِّي وَيَنْتَهِي إِلَيَّ.

لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ لِلحَرْفِ فُؤَادًا خَفِيًّا، وَأَنَّ هٰذَا الفُؤَادَ هُوَ الَّذِي سَلَّمَنِي قِيَادَهُ. وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ الحُرُوفَ، وَهِيَ تَتَقَدَّمُ فِي صُفُوفِهَا أَمَامَ فِكْرِي، كَانَتْ تُخْفِي وَرَاءَ انْضِبَاطِهَا حَنِينًا إِلَى مَعْنًى لَمْ يَأْتِ بَعْدُ؛ وَأَنَّ الأَلْفَاظَ الَّتِي كُنْتُ أُهَذِّبُهَا لِتَصْلُحَ لِلفِكْرِ، كَانَتْ فِي دَاخِلِهَا تَتَهَيَّأُ لِشَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الفِكْرِ، وَأَشَدَّ دِقَّةً مِنَ الرَّأْيِ، وَأَبْعَدَ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ فِي حُدُودِ المَنْطِقِ. كَانَتْ تَتَهَيَّأُ لَكِ.

كُلُّ جُمْلَةٍ صَقَلْتُهَا، وَكُلُّ صُورَةٍ أَطَلْتُ الوُقُوفَ عِنْدَهَا، وَكُلُّ مَجَازٍ فَتَحْتُ لَهُ بَابًا فِي خَيَالِي، كَانَ يَتَدَرَّبُ فِي الخَفَاءِ عَلَى اسْتِقْبَالِكِ. كَأَنَّ لُغَتِي، مُنْذُ أَوَّلِ حَرْفٍ أَحْبَبْتُهُ، كَانَتْ تُفَصِّلُ لِنَفْسِهَا ثَوْبًا يَلِيقُ بِعَيْنَيْكِ، وَتَنْتَقِي مِنْ خَزَائِنِهَا أَنْقَى مَا فِيهَا لِيَمُرَّ يَوْمًا أَمَامَ بَصِيرَتِكِ دُونَ أَنْ يَخْجَلَ مِنْ نَقْصٍ فِي زِينَتِهِ. وَمَا كُنْتُ أَدْرِي لِمَاذَا تُطَوِّعُ اللُّغَةُ قَوَامَهَا لِي بِتِلْكَ الرَّشَاقَةِ، وَلِمَاذَا تَسْتَجِيبُ لِمَشَاعِرِي بِذٰلِكَ الصِّدْقِ كُلَّمَا أَطَلْتُ مُجَالَسَتَهَا. كُنْتُ أَرَى العِبَارَةَ تَلِينُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَتَتَخَلَّى عَنْ صَلَابَتِهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي أَدَقِّ مَوَاضِعِ النَّفْسِ، وَأَرَى المَجَازَ يَتَّسِعُ لِمَا يَضِيقُ عَنْهُ التَّعْرِيفُ، وَأَرَى الكَلِمَةَ الصَّغِيرَةَ تَحْمِلُ مِنَ الوَجْدِ مَا تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ صُحُفٌ مِنَ الشَّرْحِ. وَحِينَ جِئْتِ، انْكَشَفَ لِي سِرُّ تِلْكَ الطَّاعَةِ.

لَمْ تَكُنِ اللُّغَةُ تُطِيعُنِي لأَنِّي أَحْسَنْتُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا؛ كَانَتْ تَطْمَئِنُّ إِلَيَّ لأَنَّهَا رَأَتْ فِي قَلْبِي مَكَانًا لَكِ قَبْلَ أَنْ أَرَاكِ. وَكَانَ الحَرْفُ يَلِينُ لِي لِأَنَّهُ شَعَرَ أَنَّهُ سَيُحْمَلُ يَوْمًا فِي رِسَالَةٍ إِلَيْكِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ فَصَاحَةٍ سَيُخْتَبَرُ فِي حَضْرَةِ مَعْنًى يَفُوقُ الفَصَاحَةَ. عِنْدَكِ فَهِمْتُ أَنَّ اللُّغَةَ لَا تَنْقُلُ المَشَاعِرَ فَقَطْ، وَأَنَّهَا لَا تَقِفُ مِنَ القَلْبِ مَوْقِفَ الرَّسُولِ الَّذِي يَحْمِلُ الرِّسَالَةَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. اللُّغَةُ تَدْخُلُ فِي تَكْوِينِ الشُّعُورِ، وَتَمْنَحُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَحْتَوِيهِ. فَكَمْ مِنْ إِحْسَاسٍ ظَلَّ فِي النَّفْسِ غَيْمَةً مُبْهَمَةً حَتَّى مَسَّتْهُ كَلِمَةٌ، فَأَمْطَرَ! وَكَمْ مِنْ حُزْنٍ كَانَ يَتَخَبَّطُ فِي دَاخِلِنَا بِلَا اسْمٍ، فَلَمَّا سَمَّتْهُ اللُّغَةُ هَدَأَ قَلِيلًا، كَأَنَّ الأَلَمَ يَسْتَأْنِسُ حِينَ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ! وَكَمْ مِنْ حُبٍّ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الصَّدْرِ تَنَفُّسًا مُضْطَرِبًا، فَلَمَّا جَاءَتْهُ العِبَارَةُ أَعْطَتْهُ رِئَتَيْنِ أَوْسَعَ، وَجَعَلَتْهُ يَرَى مَدَاهُ!

المَشَاعِرُ فِي أَوَّلِ وِلَادَتِهَا أَشْبَهُ بِمَاءٍ لَا يَعْرِفُ مَجْرَاهُ؛ تَنْدَفِعُ فِي النَّفْسِ، وَتَصْطَدِمُ بِجُدْرَانِهَا، وَتَتَشَعَّبُ فِي مَمَرَّاتٍ لَا تُرَى. ثُمَّ تَأْتِي اللُّغَةُ، فَلَا تَحْبِسُ المَاءَ فِي إِنَاءٍ، وَإِنَّمَا تَحْفِرُ لَهُ نَهْرًا؛ تَهَبُهُ اتِّجَاهًا، وَتَجْعَلُ لَهُ ضِفَّتَيْنِ، وَتَقُودُهُ إِلَى بَحْرٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، وَأَنْتِ كُنْتِ ذٰلِكَ البَحْرَ.
صَارَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ فِيَّ تَعْرِفُ أَيْنَ تَمْضِي، وَصَارَتِ المَعَانِي الَّتِي كَانَتْ تَدُورُ حَوْلَ نَفْسِهَا تَجِدُ فِيكِ مُنْتَهَاهَا. فَإِذَا كَتَبْتُ عَنِ الجَمَالِ، انْزَلَقَتِ العِبَارَةُ نَحْوَ مَلَامِحِكِ؛ وَإِذَا تَأَمَّلْتُ الحَنَانَ، مَرَّ فِي الكَلِمَاتِ صَوْتُكِ؛ وَإِذَا بَحَثْتُ عَنِ الوَفَاءِ، وَجَدْتُ لِثَبَاتِكِ مَوْضِعًا فِي آخِرِ كُلِّ تَعْرِيفٍ. هُنَالِكَ عَلِمْتُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَخْتَارُ لُغَةَ حُبِّهِ اخْتِيَارًا كَامِلًا؛ فَالمَحْبُوبُ يَدْخُلُ إِلَى مَعْجَمِهِ، وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ دَلَالَاتِهِ. تَتَغَيَّرُ مَعَانِي الكَلِمَاتِ القَدِيمَةِ بَعْدَهُ، فَلَا يَبْقَى لِلوَطَنِ مَعْنَاهُ الأَوَّلُ، وَلَا لِلسَّكَنِ حُدُودُهُ المَأْلُوفَةُ، وَلَا لِلشَّوْقِ ذٰلِكَ التَّعْرِيفُ الَّذِي كَانَتْ تَحْفَظُهُ الكُتُبُ.

يَصِيرُ الوَطَنُ صَوْتًا نَأْنَسُ إِلَيْهِ، وَالسَّكَنُ قَلْبًا نَأْمَنُ فِيهِ، وَالشَّوْقُ مَسَافَةً يَقْطَعُهَا الغَائِبُ فِي دَاخِلِنَا دُونَ أَنْ يَخْطُوَ. وَيَصِيرُ الاسْمُ الوَاحِدُ أَوْسَعَ مِنْ مَعْجَمٍ كَامِلٍ؛ لأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَخْصٍ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَفْتَحُ أَبْوَابًا مِنَ الذِّكْرَى، وَيُوقِظُ رَوَائِحَ وَأَصْوَاتًا وَمَوَاقِفَ، وَيُعِيدُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ تَرْتِيبَ العَالَمِ. وَمُنْذُ عَرَفْتُكِ، لَمْ تَعُدِ اللُّغَةُ فِيَّ تَكْتُبُ مَا أَشْعُرُ بِهِ فَحَسْبُ؛ أَخَذَتْ تُعَلِّمُنِي كَيْفَ أَشْعُرُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَمْلِكُ المَشَاعِرَ ثُمَّ أَصُوغُهَا، فَإِذَا بِالصِّيَاغَةِ تَكْشِفُ لِي مَشَاعِرَ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَنَّهَا تَسْكُنُنِي. أَبْدَأُ الجُمْلَةَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَوَّلَ مَعْنَاهَا، ثُمَّ تَأْخُذُنِي فِي دَرْبٍ لَمْ أُرِدْهُ، حَتَّى أَبْلُغَ فِي آخِرِهَا مَوْضِعًا مِنْ قَلْبِي لَمْ أَزُرْهُ قَطُّ.

وَيْ كَأَنَّ اللُّغَةَ، حِينَ تُحِبُّ، تَتَحَوَّلُ مِنْ مِرْآةٍ تَعْكِسُ الرُّوحَ إِلَى مِصْبَاحٍ يَكْشِفُ غُرَفَهَا الخَفِيَّةَ. فَبِهَا عَرَفْتُ أَنَّ الحَنِينِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اشْتِيَاقٍ إِلَى غَائِبٍ، وَأَنَّهُ قُدْرَةُ الغَائِبِ عَلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ الحَاضِرِ. وَبِهَا فَهِمْتُ أَنَّ القُرْبَ لَا يُقَاسُ بِمَسَافَةِ الأَجْسَادِ، وَأَنَّ رُوحًا قَدْ تَكُونُ فِي أَقْصَى الأَرْضِ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ نَبْضِنَا. وَبِهَا عَلِمْتُ أَنَّ الحُبَّ لَا يَسْكُنُ فِي القَلْبِ كَزَائِرٍ؛ إِنَّهُ يُعِيدُ بِنَاءَ القَلْبِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَيَفْتَحُ فِي جُدْرَانِهِ نَوَافِذَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا. وَمَا كُنْتُ لأَرَى هٰذِهِ المَعَانِي كُلَّهَا لَوْلَا أَنَّ اللُّغَةَ أَمْسَكَتْ بِيَدِي وَمَشَتْ بِي فِي مَدَارَاتِهَا. فَهِيَ لَمْ تَكُنْ جِسْرًا بَيْنِي وَبَيْنَكِ فَقَطْ؛ كَانَتْ أَيْضًا جِسْرًا بَيْنِي وَبَيْنِي، أَعْبُرُهُ لِأَصِلَ إِلَى نَفْسِي كَمَا صَنَعَهَا حُبُّكِ، لَا كَمَا كُنْتُ أَظُنُّهَا قَبْلَكِ. وَإِنِّي كُلَّمَا كَتَبْتُ إِلَيْكِ، شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَرْسِلُ الكَلِمَاتِ إِلَى عَيْنَيْكِ، وَإِنَّمَا أَمُدُّ بَيْنَ قَلْبَيْنِ مَمَرًّا سِرِّيًّا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَانَا. تَمْضِي العِبَارَةُ مِنِّي وَهِيَ تَحْمِلُ نَبْضِي، ثُمَّ تَعُودُ إِلَيَّ بَعْدَ أَنْ تَقْرَئِيهَا وَقَدِ اخْتَلَطَ بِهَا شَيْءٌ مِنْكِ. فَلَا تَبْقَى كَلِمَتِي كَلِمَتِي، وَلَا يَبْقَى مَعْنَاكِ مَعْنَاكِ؛ يَلْتَقِيَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْتَسِبُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَّا، وَإِنَّمَا يَنْتَسِبُ إِلَيْنَا.

وَإِنَّ لِلْعَاشِقَيْنِ، مَعَ طُولِ الأُلْفَةِ، لُغَةٌ تَنْفَصِلُ قَلِيلًا عَنْ لُغَةِ النَّاسِ. قَدْ تَحْمِلُ كَلِمَةٌ بَيْنَهُمَا تَارِيخًا كَامِلًا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُمَا، وَقَدْ يُغْنِي حَرْفٌ عَنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَتَكْفِي نَبْرَةٌ وَاحِدَةٌ لِتُعِيدَ إِلَى الرُّوحِ حَادِثَةً ظَنَّ الزَّمَنُ أَنَّهُ مَحَاهَا. يَصْنَعُ الحُبُّ لَهُمَا مُعْجَمًا سِرِّيًّا؛ فَيَكُونُ لِلسُّكُوتِ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنًى، وَلِلضَّحْكَةِ حَوَاشٍ لَا يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ، وَلِلسُّؤَالِ البَسِيطِ أَعْمَاقٌ لَا تُدْرِكُهَا الأُذُنُ الغَرِيبَةُ. وَحِينَ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ كَلِمَةً مَأْلُوفَةً، قَدْ يَفْتَحُ بِهَا بَابَ بَيْتٍ قَدِيمٍ، أَوْ يَرُدُّ إِلَى العُمْرِ لَحْظَةً ضَائِعَةً، أَوْ يَضَعُ يَدًا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى كَتِفِ رُوحٍ مُتْعَبَةٍ. تِلْكَ هِيَ مُعْجِزَةُ اللُّغَةِ فِي الحُبِّ؛ أَنَّهَا تَكُونُ عَامَّةً فِي أَلْفَاظِهَا، خَاصَّةً فِي أَسْرَارِهَا. يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا، ثُمَّ يَصْنَعُ مِنْهَا كُلُّ قَلْبَيْنِ وَطَنًا لَا يَدْخُلُهُ سِوَاهُمَا.

وَفِي هٰذَا الوَطَنِ لَا تَكُونُ الكَلِمَةُ زِينَةً لِلحُبِّ؛ تَكُونُ جُزْءًا مِنْ أَخْلَاقِهِ. فَالكَلِمَةُ فِي مَقَامِ المَوَدَّةِ يَدٌ؛ قَدْ تَرْفَعُ وَقَدْ تَصْفَعُ، وَقَدْ تَجْبُرُ شَقًّا فِي الرُّوحِ وَقَدْ تَزِيدُهُ اتِّسَاعًا. وَمَنْ أَحَبَّ حَقًّا لَمْ يَسْتَبِحْ قَلْبَ مَنْ يُحِبُّ بِحُجَّةِ القُرْبِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الأُلْفَةَ رُخْصَةً لِلقَسْوَةِ، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنَ الصِّدْقِ سِكِّينًا يَقُولُ بِهَا كُلَّ مَا يَخْطُرُ لَهُ دُونَ رِفْقٍ. لِلصِّدْقِ أَدَبٌ، وَلِلبَوْحِ أَمَانَةٌ، وَلِلعِتَابِ لُغَةٌ إِنْ فَقَدَتْ نُبْلَهَا تَحَوَّلَتْ إِلَى انْتِقَامٍ. وَاللُّغَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلحُبِّ هِيَ الَّتِي تَكْشِفُ دُونَ أَنْ تَفْضَحَ، وَتَعْتَبُ دُونَ أَنْ تُهينَ، وَتَخْتَلِفُ دُونَ أَنْ تَقْطَعَ فِي الطَّرِيقِ جُسُورَ الرُّجُوعِ.

وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا تَفْعَلُهُ اللُّغَةُ فِي الحُبِّ أَنَّهَا تَحْفَظُ الكَرَامَةَ مِنْ ذَوَبَانِهَا فِي اللهْفَةِ. فَالحُبُّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الكَلَامَ قَدْ يُفْسِدُ بِحَرَارَتِهِ مَا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُ، وَالشَّوْقُ إِذَا لَمْ تَهْدِهِ الكَلِمَةُ النَّبِيلَةُ قَدْ يَنْقَلِبُ طَلَبًا مُتَسَلِّطًا، وَالحَنِينُ إِذَا لَمْ يُهَذِّبْهُ الوَعْيُ قَدْ يَضِيقُ بِحُرِّيَّةِ مَنْ يَحِنُّ إِلَيْهِ. أَمَّا الكَلِمَةُ الصَّادِقَةُ فَتَجْعَلُ القُرْبَ سَكَنًا لَا سِجْنًا، وَتَجْعَلُ الحُبَّ جَنَاحًا لَا قَيْدًا. تَقُولُ: إِنِّي أُحِبُّكَ، فِي مَعْنًى يَتَّسِعُ لِكَ، وَلَا يَضُمُّكَ حَتَّى يَخْنُقَكَ. وَتَقُولُ: إِنِّي أَشْتَاقُ إِلَيْكَ، دُونَ أَنْ تَجْعَلَ مِنَ الشَّوْقِ مِيزَانًا تُحَاسِبُ بِهِ الآخَرَ عَلَى كُلِّ خُطْوَةٍ. وَكَمْ أَحْبَبْتُ اللُّغَةَ لِأَنَّهَا عَلَّمَتْنِي أَنْ أُحِبَّكِ عَلَى نَحْوٍ أَجْمَلَ.

عَلَّمَتْنِي أَنْ أَبْحَثَ عَنِ اللَّفْظِ الَّذِي يَلِيقُ بِرِقَّتِكِ، وَأَنْ أَتَوَقَّفَ قَبْلَ كَلِمَةٍ قَدْ تَجْرَحُكِ، وَأَنْ أَعْرِفَ أَنَّ مَا يُقَالُ فِي لَحْظَةِ الغَضَبِ قَدْ يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ الغَضَبُ بِسِنِينَ. عَلَّمَتْنِي أَنَّ القَلْبَ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَيْضًا حَكِيمًا فِي طَرِيقَةِ صِدْقِهِ. وَعَلَّمَتْنِي أَنَّ الحُبَّ لَا يَكْمُلُ بِكَلِمَاتِ الغَزَلِ وَحْدَهَا، وَأَنَّ أَعْظَمَ عِبَارَاتِهِ قَدْ تَتَجَلَّى فِي سُؤَالٍ صَغِيرٍ عَنِ التَّعَبِ، أَوْ فِي إِصْغَاءٍ لَا يُقَاطِعُ، أَوْ فِي اعْتِذَارٍ لَا يُدَافِعُ عَنْ خَطَئِهِ، أَوْ فِي صَمْتٍ يَحْرُسُ السِّرَّ حِينَ يَكُونُ البَوْحُ خِيَانَةً.

فَلِلُّغَةِ فِي الحُبِّ أَشْكَالٌ لَا تُكْتَبُ كُلُّهَا. قَدْ تَكُونُ نَظْرَةً تَمْلَأُ مَكَانَ جُمْلَةٍ، أَوْ يَدًا تَتَأَخَّرُ قَلِيلًا فِي المُصَافَحَةِ، أَوْ تَرَدُّدًا خَفِيًّا فِي نُطْقِ اسْمٍ، أَوْ ارْتِبَاكًا يَفْضَحُ مَا حَاوَلَ الصَّوْتُ أَنْ يُحْكِمَ سَتْرَهُ. وَقَدْ يَكُونُ الصَّمْتُ نَفْسُهُ أَبْلَغَ مِنَ الكَلَامِ، حِينَ يَمْتَلِئُ بِالمَعْنَى وَلَا يَكُونُ فَرَاغًا مِنْهُ. غَيْرَ أَنَّ الصَّمْتَ لَا يَنْقُضُ مَكَانَةَ اللُّغَةِ؛ إِنَّهُ آخِرُ دَرَجَاتِهَا. فَحِينَ تَبْلُغُ الكَلِمَاتُ أَقْصَى مَا تَسْتَطِيعُ، تَتَنَحَّى قَلِيلًا لِيَمُرَّ مَا لَا تَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ. وَيَكُونُ الصَّمْتُ آنَذَاكَ كَالبَيَاضِ حَوْلَ النَّصِّ؛ لَا يَقُولُ شَيْئًا بِلِسَانِهِ، وَيَمْنَحُ كُلَّ مَا قِيلَ مَجَالًا لِيَتَنَفَّسَ. وَأَنْتِ عَلَّمْتِنِي مِنْ مَعَانِي هٰذَا الصَّمْتَ أَيْضًا.

عَلَّمْتِنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكِ حِينَ يَكُونُ الحَرْفُ أَصْدَقَ، وَأَنْ أَصْمُتَ حِينَ يَكُونُ الصَّمْتُ أَحْنَى، وَأَنْ أَعْرِفَ أَنَّ البَوْحَ لَا يُقَاسُ بِكَثْرَةِ مَا نَقُولُ، وَإِنَّمَا بِقُدْرَةِ مَا نَقُولُ عَلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ فِي القَلْبِ. وَمَعَكِ صَارَتِ الكِتَابَةُ رِحْلَةً لَا تَنْتَهِي عِنْدَ الحُرُوفِ. أَبْدَأُ مِنْ جُمْلَةٍ صَغِيرَةٍ، فَتَحْمِلُنِي إِلَى أَفْلَاكٍ مِنَ المَعْنَى لَمْ تَكُنْ لَهَا فِي خَرَائِطِي أَسْمَاءٌ. أَرْتَفِعُ بِكِ فِي مَدَارَاتِ التَّأَمُّلِ، فَنَرَى مِنْ فَوْقِهَا أَعْوَامَنَا وَخَوْفَنَا وَأَمَانِيَنَا كَقُرًى صَغِيرَةٍ مُضَاءَةٍ فِي لَيْلٍ بَعِيدٍ. نَرَى مَا كُنَّا نَظُنُّهُ نِهَايَاتٍ فَنَجِدُهُ مُنْعَطَفَاتٍ، وَمَا حَسِبْنَاهُ ضَيَاعًا فَنَرَاهُ طَرِيقًا طَوِيلًا كَانَ يَقُودُ أَحَدَنَا إِلَى الآخَرِ.

تَحْمِلُنَا اللُّغَةُ إِلَى عَوَالِمَ لَا يَصِلُهَا سِوَانَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْنِيهَا مِنَ الحُرُوفِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ مَا عِشْنَاهُ، وَمِنْ كُلِّ مَا أَوْدَعْنَاهُ فِي الكَلِمَاتِ مِنْ ذَاكِرَةٍ وَوَعْدٍ وَخَوْفٍ وَرَجَاءٍ. وَقَدْ يَقْرَأُ النَّاسُ النَّصَّ نَفْسَهُ، فَلَا يَرَوْنَ مِنْهُ إِلَّا مَا تَسْمَحُ بِهِ الحُرُوفُ، فِيمَا نَرَى نَحْنُ خَلْفَ كُلِّ عِبَارَةٍ حَيَاةً كَامِلَةً. فَهُنَاكَ كَلِمَاتٌ لَهَا فِي عُيُونِ النَّاسِ مَعْنًى، وَلَهَا بَيْنَنَا قَدَرٌ. وَهُنَاكَ جُمَلٌ تَبْدُو لِغَيْرِنَا عَابِرَةً، وَنَعْرِفُ أَنَّهَا فِي تَارِيخِنَا أَبْوَابٌ فُتِحَتْ فَتَغَيَّرَ بَعْدَهَا مَجْرَى العُمْرِ. وَهُنَاكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ قَدْ يَحْمِلُ لَنَا مَا لَا تَحْمِلُهُ مَجَلَّدَاتٌ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الحَرْفِ لَا تَأْتِي مِنْ عَدَدِ مَعَانِيهِ فِي المَعَاجِمِ، وَإِنَّمَا مِنْ مَوْضِعِهِ فِي ذَاكِرَةِ مَنْ سَمِعَهُ.

وَلِهٰذَا أُحِبُّ اللُّغَةَ؛ لأَنَّهَا جَعَلَتْنَا نَرَى آفَاقَ قَدَرِنَا. لَوْلَاهَا لَمَرَّتْ بِنَا كَثِيرٌ مِنَ المَشَاعِرِ كَالنُّجُومِ الَّتِي تَعْبُرُ سَمَاءً مُغْلَقَةَ النَّوَافِذِ؛ تَتَوَهَّجُ فِي أَعَالِينَا وَنَحْنُ لَا نَرَاهَا. وَلَوْلَاهَا لَبَقِيَ كُلٌّ مِنَّا مَحْبُوسًا فِي جَزِيرَتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، يَرَى فِي الأُفُقِ ضَوْءَ الآخَرِ وَلَا يَجِدُ سَفِينَةً تَحْمِلُهُ إِلَيْهِ.

اللُّغَةُ هِيَ السَّفِينَةُ، وَالحُبُّ رِيحُهَا، وَنَحْنُ مَا بَيْنَ شَاطِئَيْنِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظُنُّ أَنَّ البَحْرَ خُلِقَ لِيَفْصِلَهُ عَنِ الآخَرِ، حَتَّى اكْتَشَفَ أَنَّهُ خُلِقَ لِيَكُونَ طَرِيقَهُ إِلَيْهِ. وَهِيَ أَيْضًا المِرْآةُ الَّتِي أَرَتْنَا أَنَّ القَدَرَ لَا يَكْتُبُ لَنَا الأَحْدَاثَ فَقَطْ؛ يَكْتُبُ فِي دَوَاخِلِنَا القُدْرَةَ عَلَى فَهْمِهَا حِينَ تَأْتِي. فَقَدْ يَمُرُّ الإِنْسَانُ بِالحُبِّ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ اللُّغَةَ الَّتِي تُعَرِّفُهُ بِمَا حَدَثَ فِيهِ. وَقَدْ يَسْكُنُ القَلْبَ إِحْسَاسٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ يَضِيعُ مِنْ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ تَسْمِيَتَهُ، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا فِي الكَلَامِ. وَكَمْ مِنْ حُبٍّ أَضَاعَتْهُ كَلِمَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ، وَكَمْ مِنْ قَلْبَيْنِ أَنْقَذَتْهُمَا عِبَارَةٌ جَاءَتْ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَادَ فِيهَا الصَّمْتُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جِدَارٍ.

لِذٰلِكَ لَا أَرَى اللُّغَةَ تَرَفًا فِي الحُبِّ، وَلَا زِينَةً تَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ اكْتِمَالِهِ. هِيَ جُزْءٌ مِنْ اكْتِمَالِهِ، وَوَسِيلَتُهُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ، وَالمَوْضِعُ الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ الشُّعُورُ بِالوَعْيِ. فَالحُبُّ دُونَ لُغَةٍ قَدْ يَكُونُ عَظِيمًا، وَلٰكِنَّهُ يَبْقَى عَظَمَةً مَحْبُوسَةً فِي دَاخِلِهَا، كَمَدِينَةٍ زَاخِرَةٍ لَا أَبْوَابَ لَهَا. وَحِينَ أَقُولُ إِنِّي أُحِبُّ اللُّغَةَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَلْفَاظَهَا وَحْدَهَا، وَلَا مَا فِيهَا مِنْ جَرْسٍ وَمَجَازٍ وَانْسِجَامٍ. أُحِبُّ فِيهَا قُدْرَتَهَا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الرُّوحَ مَرْئِيَّةً دُونَ أَنْ تَبْتَذِلَ سِرَّهَا، وَعَلَى أَنْ تَقْرِبَ بَيْنَ قَلْبَيْنِ دُونَ أَنْ تُلْغِيَ المَسَافَةَ الَّتِي تَحْفَظُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَرَادَتَهُ.

أُحِبُّهَا لِأَنَّهَا تُخْرِجُ الخَفِيَّ مِنْ خَفَائِهِ، ثُمَّ تَتْرُكُ لَهُ مِنَ الغُمُوضِ مَا يَحْفَظُ جَمَالَهُ. فَهِيَ تَقُولُ المَعْنَى، وَلَا تَسْتَنْفِدُهُ؛ وَتَرْسُمُ الشُّعُورَ، وَلَا تَحْبِسُهُ فِي حُدُودِ الرَّسْمِ. وَأَجْمَلُ النُّصُوصِ فِي الحُبِّ هِيَ الَّتِي تُضِيءُ مَمَرًّا فِي القَلْبِ، ثُمَّ تَتْرُكُ لِلقَارِئِ أَنْ يَمْشِيَ فِيهِ وَحْدَهُ. وَأُحِبُّهَا لِأَنَّهَا، مَهْمَا اتَّسَعَتْ، تَعْتَرِفُ أَمَامَ الحُبِّ بِنَقْصِهَا. تَبْذُلُ كُلَّ مَا فِي خَزَائِنِهَا، ثُمَّ تَقِفُ عِنْدَ بَعْضِ المَشَاعِرِ كَمَنْ بَلَغَ شَاطِئَ بَحْرٍ لَا تُجْدِي مَعَهُ خَرَائِطُ البَرِّ. وَفِي هٰذَا العَجْزِ جَمَالٌ آخَرُ؛ فَلَوْ كَانَتِ اللُّغَةُ قَادِرَةً عَلَى اسْتِنْفَادِ الحُبِّ، لَكَانَ الحُبُّ أَصْغَرَ مِمَّا نَظُنُّ. إِنَّهَا تَقْتَرِبُ مِنْهُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ، وَتَمَسُّ حَوَافَّهُ وَلَا تَبْلُغُ قَاعَهُ. وَكُلَّمَا حَسِبَتْ أَنَّهَا قَالَتْ آخِرَ مَا عِنْدَهَا، فَتَحَ لَهَا الحُبُّ مَدًى جَدِيدًا، وَعَادَتْ تَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَيْفَ تَكْتُبُ.

وَلِهٰذَا أَرَانِي اليَوْمَ لَا أُحِبُّ لُغَتِي كَمَا كُنْتُ أُحِبُّهَا قَبْلَكِ. كُنْتُ أُحِبُّهَا لأَنَّهَا تُطِيعُ عَقْلِي، وَاليَوْمَ أَعْشَقُهَا لأَنَّهَا كَشَفَتْ لِي فُؤَادَهَا. كُنْتُ أُحِبُّهَا لأَنَّهَا تُبَلِّغُ عَنِّي، وَاليَوْمَ أَعْشَقُهَا لأَنَّهَا تَرُدُّنِي إِلَى نَفْسِي أَكْثَرَ صِدْقًا. كُنْتُ أُحِبُّهَا لأَنَّهَا تَحْمِلُ أَفْكَارِي إِلَى النَّاسِ، وَاليَوْمَ أَعْشَقُهَا لأَنَّهَا تَحْمِلُنِي إِلَيْكِ. أُحِبُّهَا لأَنَّهَا جَعَلَتْ مِنْ خَلَجَاتِنَا أَحْرُفًا مُتَمَرِّسَةً وَاعِيَةً، تَعْرِفُ كَيْفَ تَحْمِلُ الرِّقَّةَ دُونَ أَنْ تَكْسِرَهَا، وَكَيْفَ تَدْخُلُ أَعْمَاقَ النَّفْسِ دُونَ أَنْ تَدَّعِيَ أَنَّهَا أَحَاطَتْ بِهَا. وَأَعْشَقُهَا لِأَنَّهَا فَتَحَتْ لَنَا أَفْلَاكًا مِنَ المَعْنَى لَا يَصِلُهَا سِوَانَا، وَجَعَلَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي رُوحِ الآخَرِ مَمَرًّا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُنَا. وَأُحِبُّهَا لِأَنَّهَا، مُنْذُ جِئْتِ، لَمْ تَعُدْ تَتَزَيَّنُ لِلعُيُونِ كُلِّهَا؛ صَارَ لَهَا فِي عَيْنَيْكِ مِرْآةٌ خَاصَّةٌ، وَصَارَ كُلُّ حَرْفٍ أَكْتُبُهُ يَمُرُّ أَوَّلًا عَلَى سُؤَالٍ خَفِيٍّ: أَيَلِيقُ بِكِ؟ فَإِنْ جَاءَتِ العِبَارَةُ نَقِيَّةً، شَعَرْتُ أَنَّهَا اقْتَرَبَتْ مِنْكِ. وَإِنْ جَاءَتْ رَخْوَةً أَوْ مُتَكَلَّفَةً، عَرَفْتُ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ مَقَامَكِ. وَهٰكَذَا صِرْتِ مِعْيَارَ لُغَتِي كَمَا صِرْتِ مِعْيَارَ كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِيَّ؛ أُهَذِّبُهَا لِتَسْتَحِقَّكِ، وَتُهَذِّبُنِي هِيَ لِأَسْتَحِقَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكِ.

وَرُبَّمَا كَانَتْ هٰذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ العِلَاقَةِ بَيْنَ الحُبِّ وَاللُّغَةِ؛ كُلٌّ مِنْهُمَا يُنْضِجُ الآخَرَ. الحُبُّ يَمْنَحُ اللُّغَةَ دَمًا يَجْرِي فِي عُرُوقِهَا، وَاللُّغَةُ تَمْنَحُ الحُبَّ وَعْيًا يَرَى بِهِ نَفْسَهُ. الحُبُّ يُخْرِجُ الحُرُوفَ مِنْ بُرُودَةِ القَوَاعِدِ، وَاللُّغَةُ تُخْرِجُ الحُبَّ مِنْ فَوْضَى الانْفِعَالِ. وَحِينَ يَصْدُقَانِ مَعًا، يَصِيرُ النَّصُّ أَكْثَرَ مِنْ كَلَامٍ، وَيَصِيرُ الشُّعُورُ أَكْثَرَ مِنْ خَفَقَانٍ عَابِرٍ. وِبِهَذَا يَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا سِيرَةً لِلْآخَرِ.

وَالآنَ، حِينَ أَنْظُرُ إِلَى حُرُوفِي القَدِيمَةِ، أَرَاهَا كَجُنُودٍ كَانَتْ تَتَدَرَّبُ لِمَعْرَكَةٍ لَمْ تَعْرِفِ اسْمَهَا، أَوْ كَنُجُومٍ كَانَتْ تَنْتَظِرُ لَيْلًا مُعَيَّنًا لِتَرْسُمَ فِي السَّمَاءِ صُورَتَهَا الكَامِلَةَ. كُلُّ مَا قَرَأْتُهُ وَكَتَبْتُهُ وَتَأَمَّلْتُهُ كَانَ يُهَيِّئُ فِيَّ طَرِيقًا لَكِ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الطَّرِيقَ يَنْتَظِرُ خُطَاكِ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ حَرْفِي كَانَ يَتَهَيَّأُ لَكِ، وَأَنَّ لُغَتِي كَانَتْ تَتَزَيَّنُ لِعَيْنَيْكِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا ظَنَنْتُهُ عِنَايَةً بِالبَيَانِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا اسْتِعْدَادًا لِبَوْحٍ سَيَحْمِلُكِ يَوْمًا. وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي، وَأَنَا أَتَعَلَّمُ اللُّغَةَ، كُنْتُ أَتَعَلَّمُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي سَأُحِبُّكِ بِهَا.

لِذٰلِكَ أُحِبُّ اللُّغَةَ؛ لِأَنَّهَا أَرَتْنَا آفَاقَ قَدَرِنَا، وَحَمَلَتْنَا إِلَى عَوَالِمَ لَا يَصِلُهَا سِوَانَا، وَجَعَلَتْ لِمَا بَيْنَنَا صَوْتًا يَبْقَى حِينَ تَصْمُتُ الأَصْوَاتُ. أُحِبُّهَا لِأَنَّهَا جَعَلَتِ القَلْبَ مَقْرُوءًا دُونَ أَنْ تَنْتَهِكَ سِرَّهُ، وَجَعَلَتِ الحُبَّ مَرْئِيًّا دُونَ أَنْ تَحْبِسَهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. أُحِبُّهَا لِأَنَّهَا أَخَذَتْ بِيَدِ مَشَاعِرِي حَتَّى أَوْصَلَتْهَا إِلَيْكِ، ثُمَّ أَخَذَتْ بِيَدِي أَنَا حَتَّى أَوْصَلَتْنِي إِلَى نَفْسِي فِيكِ. أُحِبُّ اللُّغَةَ لِأَنِّي أُحِبُّكِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى