الشعر

لإيلاف ذكرى

لِإِيلَافِ ذِكْرَى أَوْجَفَت روعَ مُبْسَلِ = بِإسْرَافِ وَجْدٍ صَامِتِ الجَأْرِ مُثْكَلِ
وَأُمْنِيَّةٍ عَذْرَاءَ فِي صَدْرِ خَيْبَةٍ = تَرَى القُرْبَ قَبْرًا مُشْرَئِبَّ التَّدَلُّلِ
سَقَتْهَا أَبَارِيقُ الهَوَى صَابَ غُرْبَةٍ = وَسَاقَتْهُمَا بَيْنَ الرُّؤَى وَالتَخَيُّلِ
يَجُسَّانِ جَيْبَ الغَيْبِ وَاللُبُّ ذَاهِلٌ = أَمِنْ ثَمَلٍ يَمْتَاحُ أَمْ مِنْ تَمَثُّلِ
كَأَنَّ حِوَارَ الوَأْمِ حَارَاتُ نِقْمَةٍ = وَكَبَّلَ سُوقَ الرَّأْمِ حَظْرُ التَّجَوُّلِ
مَحَضْتُ لَهَا صَغْوَ الضَّمِيرِ فَأَقْبَلَتْ = بِحَوَّاءِ كَيْدٍ يَبْتَلِي نَزْعَ مَنْ بَلِي
يُوَتِّرُهَا بِالصَّمْتِ صَوْنُ تَعَتُّبِي = وَيُغْضِبُهَا بِالخَبْتِ هَوْنُ تَرَسُّلِي
وَمِنْ كُلِّ رِفْقٍ حَلَّ تَسْتَلُّ قَسْوَةً = وَتَشْكُو ابْتِهَالِي فِي الهَوَى وَتَبَتُّلِي
ثَوَى طَيْفُهَا مَا بَيْنَ جَفْنِي وَخَاطِرِي = أَرَاهَا، وَلَكِنْ لَا يَرَى العُشَّ بلْبلِي
أُفَتِّقُ زَهْرَ القَوْلِ مِنْ مُحْكَمِ النَّدَى = فَتَقْطِفُ مَعْنَىً مُمْتَرَى بِالتَّأَوُّلِ
تَقُولُ وَقَدْ جَارَتْ عَليَّ أَهَنْتَنِي = وَأَلقَمْتَنِي بِالكِبْرِ صَحْنَ التَّطَفُّلِ
فَقُلْتُ فَدَاكِ القَدْرُ يَا بِنْتَ مُهْجَتِي = أَمَا وَالَّذِي سَوَّاكِ لَمْ أَتَبَجَّلِ
أَطَعْتُ المَعَانِي بِالَّذي شِئْتِ أَحْتَرِي = وَلَوْ نَزْرَ قَطْرٍ مِنْ رِضَاكِ المُؤَمَّلِ
وَلَوْ أَزْعَجَتْ كَفِّي هَوَاكِ بِلَمْسَةٍ = لَفَرَّقَ فَضْلِي بَيْنَ كَفِّي وأَنْمُلِي
وَلَكِنَّ بَلوَى النَّفْسِ تَسْوِيلُ ظَنِّهَا = وَتَزْيِينُ مَا تَأْتِي بِنَفْجِ التَّزَيُّلِ
لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو مِنْ سَنَابِلِ رَأْمِهَا = فَمَا لِي كَأَنِّي حَطَّمَ اليَأْسُ مِنْجَلِي
تَنَامُ عَلَى سَجْوِ الهُنَيْهَةِ نَأْمَتِي = وَيَصْحُو عَلَى سَطْوِ الحَنِينِ تَعَلُّلِي
وَمَا زِلْتُ أَجْفُو الرُّوحَ حَتَّى نَكِرْتُنِي = وَحَتَّى كَأَنَّ الصَدْرَ فِي قَعْرِ مِرْجَلِ
فَلَا تِعْزِفِي لِلنَّايِ يَا نَفْسُ بُحَّتِي = وَلَا تُنْشِدِي بَوْحِي الشَّجِيَّ لِعَنْدَلِ
وَمِنْ خَمْرِ شِعْرِي طَفِّفِي أَكْؤُسَ الطِّلَى = مُشَعْشِعَةً تَنْسَابُ فِي رِيقِ مُثمَلِ
بَذَلْتُ إِبَائِي أَسْأَلُ الوَصْلَ مَنْ جَفَا = كَأَنِّي وَثِيلٌ عِنْدَ بَابِ مُؤَثَّلِ
أُبَالِغُ بِاَلشُكْرانِ فِي القُرْبِ وَالنَّوَى = وَلَيْسَ سِوَى النُّكْرَانِ فِي كُلِّ مَوْئِلِ
وَهَا طُفْتُ مَنْفَى الحُلْمِ يَجْتَرُّنِي السُّدَى = بِوَجْهٍ خَرِيفِيٍّ وَطَرْفٍ مُبَلَّلِ
فَيَا رَبَّ هَذَا القَلْبِ مَاذَا تَعَلُّقِي = بِأَذْيَالِ مَنْ يَسْلُو وَمَاذَا تَعَقُّلِي
وَيَا سَرْمَدِيَّ الشَّوْقِ مَا الذَّوْقُ فِي فَمٍ = إِذَا الحُزْنُ سَاوَى بَيْنَ شَهِدٍ وَحَنْظَلِ
فَلَا تُلْقِمَانِي، صَاحِبَيَّ، فَمَ الرَّحَى = وَلَا حَطْمَ أَضْرَاسِ الزَّمَانِ الهَمَرْجَلِ
وَلَا تَسْقِيَانِي الوَعْدَ مِنْ ضَرْعِ صَبْوَةٍ = وَلَا تُشْقِيَانِي بَيْنَ مَاضٍ وَمُقْبِلِ
كَفَرْتُ بِخَوْضِ العِشْقِ فِي حِضْنِ فَاطِمٍ = وَتُقْتُ لِحَوْضِ الرِّفْقِ فِي حِضْنِهَا العَلِي
فَإِنَّ حَنَانَ الأُمِّ فِي كَوْثَرِ المُنَى = أَرَقُّ وَأَنْقَى مِنْ حَبِيبٍ مُدَلّلِ
وَمَا اليُتْمُ إِلَّا فَقْدُ أُمٍّ وَأُمَّةٍ = وَغَدْرُ حَبِيبٍ وَامْتِهانُ مُبَجَّلِ
خُذَانِي إِلَيْهَا فِي رَحِيلٍ مُعَجَّلٍ = وَلَا تُبْقِيَانِي رَهْنَ مَوْتٍ مُؤَجَّلِ
خُذَانِي إِلَيْهَا إِنَّ فِي الرُّوحِ وَحْشَةً = تُذِيبُ فُؤَادِي كُلَّمَا التَّوْقُ عَنَّ لِي
خُذَانِي فَظَهْرُ الأَرْضِ قَدْ صَارَ غُرْبَةً = وَفِي لَحْدِهَا المَعْمُورِ بِالبِرِّ مَنْزِلِي
يُمَزِّقُ شَجْوُ الحُزْنِ قَلْبِي بِفَقْدِهَا = وَيَجْثُمُ صِنْدِيدُ الأَسَى فَوْقَ كَلكَلي
وَيَرْسُمُ وَجْهًا فِي مَرَايَا تَوَهُّمِي = سَنِيًّا بِفِرْدَوْسِ الخَيَالِ المُفَضَّلِ
تَوَارَيتِ يَا أُمِّي فَمَا الشَّمْسُ تَسْتَحِي = إِذَا أَشْرَقَتْ دِفْئًا وَلَا البَدْرُ يَأْتَلِي
وَمَا لِلَيَالِي لَا تَنُوحُ تَلَهُّفًا = عَلَى فَجْرِهَا المَجْبُولِ مِنْ نُورِكِ الجَلِي
وَلَوْ أَنْصَفُوا لَاسْتَأْثَرُوكِ عَلَى المَدَى = بِعِطْرٍ سَمَاوِيٍّ وَذِكْرٍ مُرَتَّلِ
لِمَنْ يَسْتَرِيحُ النَّحْلُ يَا أُمِّ فِي الرُّبَى = وَكُلُّ شَذَىً مَهْمَا يَفِ العَهْدُ يَخْذُلِ
تَشَظَّيْتُ كَالبِّلَوْرِ بَعْدَكِ فِي القُرَى = فَمَا لِيَ بَعْدَ اللهِ إِلَّاكِ مِنْ وَلِي
وَمَا زِلْتُ يَا أُمَّاهُ كَالطِّفْلِ كُلَّمَا = ذُكِرْتِ جَرَى فِي مُقْلَةِ العَطْفِ فُلفُلِي
تَبَدَّلَ كُلُّ الرَّهْطِ يَا أُمِّ خِلفَةً = وَلَكِنْ فَتَاكِ الحُرُّ لَمْ يَتَبَدَّلِ
حَصَدْتُ رَوَابِي الحُلْمِ لَمْ يَبْقَ لِي سِوَى = وُرَيْقَاتِ عُمْرٍ مِنْ سَرَابٍ وَسُنْبُلِ
أَسِيرُ كَأَنِّي أَفْرشُ الدَّرْبَ وَحْدَةً = وَأَسَرِي كَأَنِّي دَرْسُ بِئْرٍ مُعَطَّلِ
أُمَارِسُ طَقْسَ النَّزْفِ بِالعَزْفِ شَاعِرًا = وَأَرْوِي بَسَاتِينَ النُّهَى مَاءَ جَدْوَلِي
وأُسْرِجُ قِنْدِيلَ الحِجَا زَيْتَ حِكْمَتِي = وَأَمْلَأُ طِرْسَ العِلمِ مِنْ فِكْرِ فَطْحَلِ
رِكَابِي احْتِسَابِي فِي اغْتِرَابِي وَرِحْلَتِي = عَلَى هَرَجِ الأَنْفَاسِ رَيَّا قَرْنَفُلِ
مُكِبًّا عَلَى الآدَابِ أَسْمَو إِلَى العُلَا = بِمِنْهَاجِ ذِي عَدْلٍ وَمِعْرَاجِ مُرْسَلِ
شَرِيفًا عَلَى العِلَّاتِ لَا يَسْتَخِفُّنِي = حَسُودٌ وَلَا يَهْتَمُّ لَيْثِي بِتَتْفُلِ
أُنَافِحُ مِلْءَ الذَّوْدِ عَنْ كُلِّ شِيمَةٍ = وَأَصْفَحُ مِلْءَ الهَوْدِ عَنْ كُلِّ أَعْزَلِ
فَأُنْكِرُ مِنْ قَوْمِي تَوَاكُلَ غَفْلَةٍ = وَيُنْكِرُ مِنِّي القَوْمُ جُهْدَ التَّوَكُّلِ
إِذَا كُنْتَ ذَا عِلمٍ وَحِلْمٍ وَفِطْنَةٍ = فَلَسْتَ سِوَى مُسْتَنْكَرِ القَدْرِ مُهْمَلِ
وَإِنْ شِئْتِ عِزًّا يَا صَبيَّةَ فَارْقَصِي = وَإِنْ شِئْتَ مَجْدًا يَا ابْنَ لَهْوِكَ فَارْكُلِ
فَكُلُّ نَفِيسٍ أَرْخَصَ الجَهْلُ دُرَّهُ = وَكُلُّ خَسِيسِ زَيَّنَ الحَالَ بِالحُلِي
يَقُولُونَ مُغْتَرٌّ شَقَى الوَهْمُ كَدْحَهُ = وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَوْبِ غَيْرُ اَلتَبَلُّلِ
وَمَا أَنَا إِلَّا تكْسِفُ الشَّمْسَ هَالَتِي = وَلَا ذَنْبَ لِي إِنْ لَمْ يَرَ البَدْرُ أَرْجُلِي
وَإِنِّي عَلَى مَا يُعْجِزُ الفَذَّ قَادِرٌ = بِأَبْرَاجِ عَقْلٍ ضَمَّ أَلْفَ عَقْنَقَلِ
فَيَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ وَلَيْتَني = أَرَى عِنْدَ دَأَبٍ نَاهِضٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وَيَوْمَ جِدَالٍ إِذْ عَقَرْت عَنِ الهَوَى = فُؤَادِي فَلَمْ يَجْمَحْ وَلَمْ يَتَجَمَّلِ
يُرَاوِدُنِي عَنْ دَمْعَتَيهِ بِبَسْمَةٍ = تُذِيبُ نِيَاطَ الصَدِّ فِي صُمِّ جَنْدَلِ
فَقُلتُ وَفِيٌّ أَنْتَ مَا زِلْتَ بَعْدَمَا = جَفَتْكَ الَّتِي هَيَّجْتَهَا بِالتَغَزُّلِ
وَهَل عُدْتَ بَعْدَ الوَصْلِ فِي السُّخْطِ وَالرِّضَا = بِغَيْرِ عَقَابِيلِ الهَوَى المُتَمَلْمِلِ
تَطُوفُ بِضَبْحِ الشَّوْقِ فِي سَأْمَةِ الدُّجَى = كَأَنَّكَ جُرْحُ الوَقْتِ فِي رَأْسِ بَرْجَلِ
بِلَيْلٍ رَهِيفِ النَّوْحِ يَنْسَلُّ مِنْ يَدِي = كَمَنْفُوشِ عِهْنٍ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ مِغْزَلِ
حَوَارِيِّ إِطْرَاقٍ مَجَازِيِّ مَنْطِقٍ = طُفُولِيِّ إِلْحَاحٍ ضَبَابِيِّ هَيْكَلِ
إِذَا جَنَّ أَلقَانِي إِلَى جَوْفِ غُصَّةٍ = وَإِنْ حَنَّ أَبْقَانِي عَلَى غُصْنِ مُمْحلِ
يُسَامِرُنِي كَيْ يُوقِظَ الوَطْرَ بِالأَسَى = عَلَى فِكْرَةِ النَّهْرِ الَّذِي فِيَّ يَصْطَلِي
وَإِنِّي وَهَذَا اللَّيْلُ كَالصَّوْتِ وَالصَّدَى = وَكَاَلضَوْءِ وَالظِّلِّ اشْمَخَرَّا لِمُخْتَلِ
وَمَا اللَّيْلُ إِلَّا تُرْجُمانُ سَرَائِرِي = وَسُبْحَةُ أَفْكَارِي وَحِنْطَةُ مُنْخُلِي
وَمَهْمَا تَمَطَّى بِاَلهُمُومِ فَإِنَّ لِي = فَرَادِيسَ صَفْوٍ مِنْ خَيَالٍ مُحَجَّلِ
وَيَوْمَ امْتَطَيْتُ الصَّمْتَ فِي أَوْجِ دَهْشَةٍ = بِأَنَّ الرَّزَايَا كِدْنَ حَدَّ التَّوَغُّلِ
أَدُوسُ عَلَى البنْزِينِ وَالرِّيحُ تَقْتَفِي = بِأَنْفَاسٍ مَذْعُورٍ مِنَ المَوْتِ مُذْهَلِ
كَأَنِّي أَشَقُّ الأَرْضَ مِنْ أُمِّ رَأْسِهَا = لِأَدْفِنَ هَمِّي فِي زَئِيرٍ مُجَلجلِ
أُحَدِّقُ فِي الآفَاقِ وَالهَدْءُ صَاخِبٌ = بِزَفْرَةِ حُرٍّ لَا يَرَى العَدْلَ يَعْتَلِي
وَتَرْمِقُنِي “خَيْلِي” بِعَيْنَيْ غَضَنْفَرٍ = أَلُوفٍ شَغُوفٍ صَارِمِ الوَجْهِ مُجَفَلِ
إِذَا مَا جَرَتْ أَغْرَى الجَمَالَ قَوَامُهَا = تَمِيسَ بِفَرْشٍ فَاخِرِ النَّسْجِ مُخَمِّلِي
وَإِنْ زَمْجَرَتْ ذَلَّتْ لَهَا الأَرْضُ عُنْوَةً = تَكَادُ تَحُثُّ الرَكْبَ صَوْبَ التَّرَجُّلِ
جَلَسْتُ وَمَا فِي الكَوْنِ فُسْحَةُ ضَائِقٍ = عَلَى سَفْحِ طَوْدٍ نَاضِرِ العُشْبِ مُرْفلِ
وَفِي رَغْدِ مَهْدِ الوَهْدِ تَغْفُو بُحَيْرَةٌ = عَلَى شَطِّهَا اسْتَلقَى جَلَالُ التَّأَمُّلِ
تُطِلُّ عَلَيْنَا الشَّمْسُ مِنْ خَلْفِ غَيْمَةٍ = بِخُصْلَةِ ضَوْءٍ أُرْهِفَتْ بِالتَّأَفُّلِ
تَميلُ لَهَا والكَوْنُ سَاجٍ كَأَنَّهَا = عَنَاقِيدُ سِحْرٍ مِنْ جُمَانٍ مُفَصَّلِ
وَيَسْبَحُ سِرْبٌ مِنْ إِوَزٍّ مُزَرْكَشٍ = ويَمْرَحُ سِرْبٌ مِنْ ظِبَاءٍ وَأُيَّلِ
فَمَاذَا أَلَجَّ الدَّمْعَ فِي عِذْقِ مُقْلَتي = عَلَى حِينِ سَهْوٍ مِنْ وَقَارٍ مُكَبّلِ
كَأَنَّ بُرَاقَ الحَدْسِ لَمْ يَدْرِ مَا اعْتَرَى = حَيَارَى عَرَاجِينِ الرُّؤَى مِنْ تَحَوُّلِ
مَوَاقِيتُ أَمْنٍ فِي نَوَاضِرِ خَاطِرٍ = يَوَاقِيتُ يُمْنٍ فِي أَكُفِّ مُخَوَّلِ
وَمَا حَزَبَ الأَحْلامَ شَيْءٌ كَحَزْبِهَا = وَلَا اشْتَدَّ عَتْمُ الكَرْبِ إِلَّا وَيَنْجَلي
كَمَا جِئْتَ فَحْوَى الدَّهْرِ يَأْتِيكَ نَحْوهُ = وَإِنَّ نَصِيبًا مِنْ هَوَاكَ لَمُبْتَلِ
وَثِقْ بِالَّذِي يُورِيكَ بِالعَذْلِ مَاحِضًا = كَمِثْلِ الَّذِي يَرْوِيكَ مِنْ صَفْوِ مَنْهَلِ
وَإِيَّاكَ وَالحَبْرُ الذِّي عَدَّ فَضْلَهُ = وَلَيْسَ لَهُ فِي الفَضْلِ حَبَّةُ خَرْدَلِ
بَلَايَا البَرَايَا فِي فَسَادِ ضَمَائِرٍ = وَمِنْ نَزْعَةٍ لِلجَوْرِ أَوْ لِلتَّوَسُّلِ
وَإِنَّ بِلادًا لَا تَرَى العَدْلَ مَنْهَجًا = تَظَلُّ بِلادًا تُبْتَلَى بِالتَّغَوُّلِ
وَإِنَّ شُعُوبًا أَخْبَتَتْ لِلذِي بَغَى = حَقِيقٌ بِأَنْ تَشْقَى بِذُلِّ التَّبَذُّلِ
أَتَخْشَى وَبَاءَ العَصْرِ كَالطِّفْلِ فِي الدُّجَى = وَلَمْ تَخْشَ أَمْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَحْفَلِ
كَأَنَّ انْتِشَارَ الدَّاءِ لَمْ يَكُ بَلْسَمًا = يُرَقِّي خَلَاقِ الإِنْسِ بَعْدَ التَّسَفُّلِ
سَئِمْتُ فُراتَ العَيْشِ فِي شَطْءِ ذِلَّةٍ = وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَخْنَعْ وَلَمْ أَتَذَلَّلِ
وَلَكِنْ شَجَانِي العَجْزُ فِي أُمَّةٍ هَفَتْ = إِلَى دَعَةِ النَّجْوَى وَدَعْوَى التَّنَصُّلِ
وَقَدْ يَدَعُ الأَسْبَابَ مَنْ لَيْسَ يَسْتَبي = وَلَا يَدَعُ المَعْنَى الَّذِي لَيْسَ يَنْطَلِي
إِلَامَ أُعَزِّي النَّفْسَ فِي كُلِّ مَنْ قَضَى = وَأَحْمِلُ هَمَّ القَوْمِ مِنْ غَيْرِ مِعْوَلِ
وَفِيمَ أُلُوكُ اللَّوْمَ فِي شَرِّ مَا جَرَى = وَأَجْلِدُ ظَهْرَ العَزْمِ رَغْمَ التَبَزُّلِ
وَإِنِّي وَأَيْمُ اللَّهِ مَا اليَأْسُ مَذْهَبِي = وَلَكِنَّ صَرْفَ البُؤْسِ لِليَأْسِ يَجْتَلِي
وَأَنِّي إِذَا مَا اسْتَيْأَسَ القَلْبُ بِالأَذَى = أَلُوذُ بِآيَاتِ الكِتَابِ المُنَزَّلِ
أَلَا رُبَّ مَوْتٍ يَرْفَعُ الذِّكْرَ فِي الوَرَى = مَتَى انْتَهَجَ المَرْءُ السَّبِيلَ بِأَمْثَلِ
وَرُبَّ حَياةٍ تُرْهِقُ الوَثْرَ بِالثَرَى = وَتُخْزِي الثُّرَيَّا مِنْ عُرَاةِ التَّسَرْبُلِ
فَإِنْ كُنْتُ يَوْمًا لَا مَحَالَةَ مَيِّتًا = أَلَا فَلْيَكُنْ فِي نُصْرَةِ الحَقِّ مَقْتَلِي
لإيلاف ذكرى أوجفت روع مبسل = بإسراف وجد صامت الجأر مثكل
وأمنية عذراء في صدر خيبة = ترى القرب قبرا مشرئب التدلل
سقتها أباريق الهوى صاب غربة = وساقتهما بين الرؤى والتخيل
يجسان جيب الغيب واللب ذاهل = أمن ثمل يمتاح أم من تمثل
كأن حوار الوأم حارات نقمة = وكبل سوق الرأم حظر التجول
محضت لها صغو الضمير فأقبلت = بحواء كيد يبتلي نزع من بلي
يوترها بالصمت صون تعتبي = ويغضبها بالخبت هون ترسلي
ومن كل رفق حل تستل قسوة = وتشكو ابتهالي في الهوى وتبتلي
ثوى طيفها ما بين جفني وخاطري = أراها، ولكن لا يرى العش بلبلي
أفتق زهر القول من محكم الندى = فتقطف معنى ممترى بالتأول
تقول وقد جارت علي أهنتني = وألقمتني بالكبر صحن التطفل
فقلت فداك القدر يا بنت مهجتي = أما والذي سواك لم أتبجل
أطعت المعاني بالذي شئت أحتري = ولو نزر قطر من رضاك المؤمل
ولو أزعجت كفي هواك بلمسة = لفرق فضلي بين كفي وأنملي
ولكن بلوى النفس تسويل ظنها = وتزيين ما تأتي بنفج التزيل
لقد كنت أرجو من سنابل رأمها = فما لي كأني حطم اليأس منجلي
تنام على سجو الهنيهة نأمتي = ويصحو على سطو الحنين تعللي
وما زلت أجفو الروح حتى نكرتني = وحتى كأن الصدر في قعر مرجل
فلا تعزفي للناي يا نفس بحتي = ولا تنشدي بوحي الشجي لعندل
ومن خمر شعري طففي أكؤس الطلى = مشعشعة تنساب في ريق مثمل
بذلت إبائي أسأل الوصل من جفا = كأني وثيل عند باب مؤثل
أبالغ بالشكران في القرب والنوى = وليس سوى النكران في كل موئل
وها طفت منفى الحلم يجترني السدى = بوجه خريفي وطرف مبلل
فيا رب هذا القلب ماذا تعلقي = بأذيال من يسلو وماذا تعقلي
ويا سرمدي الشوق ما الذوق في فم = إذا الحزن ساوى بين شهد وحنظل
فلا تلقماني، صاحبي، فم الرحى = ولا حطم أضراس الزمان الهمرجل
ولا تسقياني الوعد من ضرع صبوة = ولا تشقياني بين ماض ومقبل
كفرت بخوض العشق في حضن فاطم = وتقت لحوض الرفق في حضنها العلي
فإن حنان الأم في كوثر المنى = أرق وأنقى من حبيب مدلل
وما اليتم إلا فقد أم وأمة = وغدر حبيب وامتهان مبجل
خذاني إليها في رحيل معجل = ولا تبقياني رهن موت مؤجل
خذاني إليها إن في الروح وحشة = تذيب فؤادي كلما التوق عن لي
خذاني فظهر الأرض قد صار غربة = وفي لحدها المعمور بالبر منزلي
يمزق شجو الحزن قلبي بفقدها = ويجثم صنديد الأسى فوق كلكلي
ويرسم وجها في مرايا توهمي = سنيا بفردوس الخيال المفضل
تواريت يا أمي فما الشمس تستحي = إذا أشرقت دفئا ولا البدر يأتلي
وما لليالي لا تنوح تلهفا = على فجرها المجبول من نورك الجلي
ولو أنصفوا لاستأثروك على المدى = بعطر سماوي وذكر مرتل
لمن يستريح النحل يا أم في الربى = وكل شذى مهما يف العهد يخذل
تشظيت كالبلور بعدك في القرى = فما لي بعد الله إلاك من ولي
وما زلت يا أماه كالطفل كلما = ذكرت جرى في مقلة العطف فلفلي
تبدل كل الرهط يا أم خلفة = ولكن فتاك الحر لم يتبدل
حصدت روابي الحلم لم يبق لي سوى = وريقات عمر من سراب وسنبل
أسير كأني أفرش الدرب وحدة = وأسري كأني درس بئر معطل
أمارس طقس النزف بالعزف شاعرا = وأروي بساتين النهى ماء جدولي
وأسرج قنديل الحجا زيت حكمتي = وأملأ طرس العلم من فكر فطحل
ركابي احتسابي في اغترابي ورحلتي = على هرج الأنفاس ريا قرنفل
مكبا على الآداب أسمو إلى العلا = بمنهاج ذي عدل ومعراج مرسل
شريفا على العلات لا يستخفني = حسود ولا يهتم ليثي بتتفل
أنافح ملء الذود عن كل شيمة = وأصفح ملء الهود عن كل أعزل
فأنكر من قومي تواكل غفلة = وينكر مني القوم جهد التوكل
إذا كنت ذا علم وحلم وفطنة = فلست سوى مستنكر القدر مهمل
وإن شئت عزا يا صبية فارقصي = وإن شئت مجدا يا ابن لهوك فاركل
فكل نفيس أرخص الجهل دره = وكل خسيس زين الحال بالحلي
يقولون مغتر شقى الوهم كدحه = وليس له في الصوب غير التبلل
وما أنا إلا تكسف الشمس هالتي = ولا ذنب لي إن لم ير البدر أرجلي
وإني على ما يعجز الفذ قادر = بأبراج عقل ضم ألف عقنقل
فيا ليت قومي يعلمون وليتني = أرى عند دأب ناهض من معول
ويوم جدال إذ عقرت عن الهوى = فؤادي فلم يجمح ولم يتجمل
يراودني عن دمعتيه ببسمة = تذيب نياط الصد في صم جندل
فقلت وفي أنت ما زلت بعدما = جفتك التي هيجتها بالتغزل
وهل عدت بعد الوصل في السخط والرضا = بغير عقابيل الهوى المتململ
تطوف بضبح الشوق في سأمة الدجى = كأنك جرح الوقت في رأس برجل
بليل رهيف النوح ينسل من يدي = كمنفوش عهن لم يذق طعم مغزل
حواري إطراق مجازي منطق = طفولي إلحاح ضبابي هيكل
إذا جن ألقاني إلى جوف غصة = وإن حن أبقاني على غصن ممحل
يسامرني كي يوقظ الوطر بالأسى = على فكرة النهر الذي في يصطلي
وإني وهذا الليل كالصوت والصدى = وكالضوء والظل اشمخرا لمختل
وما الليل إلا ترجمان سرائري = وسبحة أفكاري وحنطة منخلي
ومهما تمطى بالهموم فإن لي = فراديس صفو من خيال محجل
ويوم امتطيت الصمت في أوج دهشة = بأن الرزايا كدن حد التوغل
أدوس على البنزين والريح تقتفي = بأنفاس مذعور من الموت مذهل
كأني أشق الأرض من أم رأسها = لأدفن همي في زئير مجلجل
أحدق في الآفاق والهدء صاخب = بزفرة حر لا يرى العدل يعتلي
وترمقني “خيلي” بعيني غضنفر = ألوف شغوف صارم الوجه مجفل
إذا ما جرت أغرى الجمال قوامها = تميس بفرش فاخر النسج مخملي
وإن زمجرت ذلت لها الأرض عنوة = تكاد تحث الركب صوب الترجل
جلست وما في الكون فسحة ضائق = على سفح طود ناضر العشب مرفل
وفي رغد مهد الوهد تغفو بحيرة = على شطها استلقى جلال التأمل
تطل علينا الشمس من خلف غيمة = بخصلة ضوء أرهفت بالتأفل
تميل لها والكون ساج كأنها = عناقيد سحر من جمان مفصل
ويسبح سرب من إوز مزركش = ويمرح سرب من ظباء وأيل
فماذا ألج الدمع في عذق مقلتي = على حين سهو من وقار مكبل
كأن براق الحدس لم يدر ما اعترى = حيارى عراجين الرؤى من تحول
مواقيت أمن في نواضر خاطر = يواقيت يمن في أكف مخول
وما حزب الأحلام شيء كحزبها = ولا اشتد عتم الكرب إلا وينجلي
كما جئت فحوى الدهر يأتيك نحوه = وإن نصيبا من هواك لمبتل
وثق بالذي يوريك بالعذل ماحضا = كمثل الذي يرويك من صفو منهل
وإياك والحبر الذي عد فضله = وليس له في الفضل حبة خردل
بلايا البرايا في فساد ضمائر = ومن نزعة للجور أو للتوسل
وإن بلادا لا ترى العدل منهجا = تظل بلادا تبتلى بالتغول
وإن شعوبا أخبتت للذي بغى = حقيق بأن تشقى بذل التبذل
أتخشى وباء العصر كالطفل في الدجى = ولم تخش أمر الله في كل محفل
كأن انتشار الداء لم يك بلسما = يرقي خلاق الإنس بعد التسفل
سئمت فرات العيش في شطء ذلة = وإن كنت لم أخنع ولم أتذلل
ولكن شجاني العجز في أمة هفت = إلى دعة النجوى ودعوى التنصل
وقد يدع الأسباب من ليس يستبي = ولا يدع المعنى الذي ليس ينطلي
إلام أعزي النفس في كل من قضى = وأحمل هم القوم من غير معول
وفيم ألوك اللوم في شر ما جرى = وأجلد ظهر العزم رغم التبزل
وإني وأيم الله ما اليأس مذهبي = ولكن صرف البؤس لليأس يجتلي
وأني إذا ما استيأس القلب بالأذى = ألوذ بآيات الكتاب المنزل
ألا رب موت يرفع الذكر في الورى = متى انتهج المرء السبيل بأمثل
ورب حياة ترهق الوثر بالثرى = وتخزي الثريا من عراة التسربل
فإن كنت يوما لا محالة ميتا = ألا فليكن في نصرة الحق مقتلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى