الشعر

قصيدة الشام

يا شام

رَاقَ ابْنُ مَائِكِ بَينَ الخَلْقِ ثُمَّ رَقَى = وَسَاقَ مَا بِكِ عَذْبَ الشَّوقِ ثُمَّ سَقَى
وَعَانَقَتْكِ رُؤَى الأَحْلامِ وَالِهَةً = تَبُثُّ حُسْنَكِ فِي القَلْبِ الذِي خَفَقَا
يَا شَامُ يَا أَكْرَمَ الأَوْطَانِ مَنْزِلَةً = يَا جَنَّةَ اللهِ فِي الأَرْضِ التِي خَلَقَا
تَبَارَكَ اسْمُكِ جَلَّ اللهُ أَكْرَمَ مَنْ = فِيهَا أَقَامَ، وَأَغْلَى الأَرْضَ وَالأُفُقَا
وَزَادَ قَدْرَكِ أَنَّ النَّصْرَ فِيكِ غَدا = وَالحَشْرَ وَالنَّشْرَ وَالإِيمَانَ وَالخُلُقَا
وَخَصَّ دَارَكِ جُلَّ الخَيرِ مَكْرمَةً = وَخَصَّ غَيرَكِ مِعْشَارَ الذِي رَزَقَا
لأْلاءُ سِحْرِكِ فِي الآفَاقِ مُنْبَسِطٌ = عَلَى جَنَاحِ مَصَابِيحِ الدُّنَى أَلَقَا
وَفَجْرُ مَجْدِكِ فِي الأَيَّامِ مَطْلعُهُ = عَلَى جَبِينِ تَوَارِيخِ المَدَى فَلَقَا
أَنَا المُتَيَّمُ يَا شَامَ العُلا فَدَعِي = مِنْ طِيبِ رُوحِكِ فِي رُوحِي الذِي عَلِقَا
أَتَيتُ أَحْمِلُ مَبْسُوطَ اليَدَينِ غَدِي = وَفِي الشِّغَافِ زَرَعْتُ الفُلَّ وَالحَبَقَا
نَادَيتُ رَوضَكِ لا أَنْهَارُكِ اقْتَرَبَتْ = مِنَ الصَّدِيِّ وَلا زَهْرُ اللِقَا عَبِقَا
هَاجَتْ شُؤُونِي تُنَاجِيكِ الهَوَى أَمَلا = وَتَذْبَحُ الصَّبْرَ قُرْبَانًا لِيَومٍ لِقَا
وَحَامَ نُورُكِ فِي الإِحْسَاسِ مُحْتَدِمًا = فَهَامَ فِيهِ فَرَاشُ التَّوْقِ وَاحْتَرَقَا
مَا أَحْوَجَ النَّفْسَ فِي تَأْنِيسِ خَافِقَةٍ = فَرَّتْ إِلَيكِ لِعَطْفٍ مِنكِ قَدْ رَفَقَا
يَا شَامُ فِيكِ صَبَابَاتِي فَلا اخْتَلَفَتْ = وَفِيكِ بَابُ مَسَرَّاتِي فَلا انْغَلَقَا
مَتَى ذَكَرْتُكِ فِي النَّفْسِ جَلَوتُ جَوَى = وَإِنْ ذَكَرْتُكِ فِي قَوْمٍ تَلَوتُ رُقَى
لِي مِنْكِ صَمْتُ حَدِيثٍ كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ = مِنِّي الدِّيَارُ وَإِنْ ذُقْتُ النَّوَى انْدَفَقَا
أَلَيسَ أَصْدَقُ أَهْلِ العِشْقِ أَخْفَرَهُمْ = عِنْدَ اللِقَاءِ وَأَضْنَاهُمْ إِذَا افْتَرَقَا
فَيَا دِمَشْقُ سَقَاكِ اللهُ كَأْسَ هَنَا = وَلا أَمَضَّكِ فِي يَوْمٍ بِكَأْسِ شَقَا
كُلُّ العَوَاصِمِ أَحْنَتْ رَأْسَهَا أَدَبَاً = أَمَامَ قَدْرِكِ فِي الأَيَّامِ أَنْ بَسَقَا
إِلامَ لَهْفَةُ أَشْوَاقِي تُنَازِعُنِي = إِلَى ثُرَاكِ تَبَارِيحَ الضَّنَى طُرُقَا
وَهَلْ سَتَرْسُمُ فِي الأَحْدَاقِ يَا بَرَدَى = مَتَى التَّقَينَا مَسَارَاتٍ لِمَنْ عَشِقَا
وَغُوطَةً هَفْهَفَ الحُسْنُ البَدِيعُ بِهَا = وَزَادَهَا النَشْرُ مِنْ رِيحِ الصّبَا أَنَقَا
الطَّيرُ تَصْدحُ فِي الأَفْنَانِ هَانِئَةً = وَالزَّهْرُ يَنْضَحُ فِي أَجْوَائِهَا العَبَقَا
وَاللَيلُ يَسْبَحُ فِي الشُّطْآنِ مُنْتَشِيًا = وَالسَّيلُ يَمْرَحُ فِي الودْيَانِ مُنْطَلِقَا
وَسَاحِلٌ لَوْ رَأَتْهُ العَيْنُ فِي شَفَقٍ = فِي اللاذِقِيَّةِ لامْتَاحَتْ لَهُ الغَسَقَا
وَمَا تَسَنَّى لِدَيرِ الزَّورِ مِنْ طُرُقٍ = إِلا وَعَانَقَ دَرْعَا بِالَّذِى وَمَقَا
وَمِنْ حَمَاة إِلَى حِمْصٍ إِلَى حَلَبٍ = رَأَيتُ دُومّا وَفِي حورَان أَهْلَ نَقَا
وَلَسْتُ أَنْسَى عَلَى الجُوَلان نَزْفَ دَمٍ = فَلَيتَ حُرَّ لِوَاءٍ فَوْقَهَا خَفَقَا
يَا شَامُ لَوْ بَاعَتِ الدُّنْيَا ضَمَائِرَهَا = لَظَلَّ عَهْدُكِ مِيثَاقًا وَإِنْ خُرِقَا
تَأْبَى الخُمُولَ طِبَاعُ العِزِّ فِيكِ وَإِنْ = أَلْقَى الزَّمَانُ عَلَى أَكَتَافِكِ الرَّهَقَا
كَمْ جَحْفَلٍ رَامَ أَنْ يُجْنَى سَنَاكِ فَمَا = إِلَّا وَجُرِّعَ مِنْ أَبْنَائِكِ الحَرَقَا
صُونِي كَرَامَةَ مَنْ أَقْرَاكِ مِنْ دَمِهِ = وَمَنْ إِبَاءَكِ يَا سُورِيَّة اعْتَنَقَا
فَأَنْتِ دَارُ أُبَاةِ النَّفْسِ دَارُ هُدَى = لِمَنْ تَقَدَّمَ فِي دَهْرٍ وَمَنْ لَحِقَا
وَفِيكِ شَعْبٌ عَظِيمٌ لَو بِعَزْمَتِهِ = يُسَابِقُ الكَونَ فِي دَرْبِ العُلا سَبَقَا
مَا زَالَ يَشْحَذُ مِنْ أَسْيَافِ عِزَّتِهِ = مَا سَوفَ يَحْشدُ فِي أَعْدَائِهِ الفَرَقَا
هُمْ نَسْلُ خَيرٍ لِمَنْ فَاقَ الوَرَى سُبُلا = فِي الْمَشْرِقَينِ وَحَازَ المَجْدَ وَاغْتَبَقَا
تَرَى السَّوَابِحَ فِي أَشْدَاقِ نَفْرَتِهَا = تُجَانِبُ الأَرْضَ لا تلْوِي لَهَا العُنُقَا
حَتَّى أَدَانَ لَهَا الآفَاقَ شَرْعُ هُدَى = كَأَنَّهُ المِسْكُ فِي البُلْدَانِ قَدْ فُتِقَا
مَا الشَّامُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ صَانَ لَهُ = رُوحَ اليَقِينِ فَأَخْزَى النُّورُ مَنْ مَرَقَا
مَهْدُ البُطُولَاتِ، وَالعَلْيَاءُ شَاهِدَةٌ = أَنَّ الضِّيَاءَ بِرُوحِ الشَّامِ قَدْ وَثِقَا
تَسْمُو المَحَامِدُ إِنْ مُرَّتْ بِسَاحَتِهَا = وَيَفْضُلُ الصِّيدُ فِيهَا الجُودَ إِنْ دَفَقَا
بَنُو أُمَيَّةَ لَمْ تَفْتَأْ حَضَارَتُهُمْ = تَزِيدُ تَدْمُرَ مَجْدًا فَاقَ وانْعتَقَا
فِي عَهْدِهِمْ نَطَقَتْ بِالفَخْرِ شَاهِدَةً = يَدُ الفُتُوحَاتِ أَنَّ الوَعْدَ قَدْ صَدَقَا
وَقِفْ عَلَى حَلَبِ الشَّهْبَاءَ إِذْ رَفَعَتْ = بِالعِزِّ بَيرَقَ مَنْ لِلسَّيفِ قَد مَشَقَا
فِيهَا فَوَارِسُ سَيفِ الدَّولَةِ ابْتَدَرَتْ = مَعَاقِلَ الرُّومِ لَمْ تَتْرُكْ لَهُمْ رَمَقَا
وَمَا الفِرِنْجَةُ إِلا بَعْض مَنْ رَشَقُوا = فَصَابَهَا الخِزْيُ بِالسَّهْمِ الذِي رُشِقَا
لا مَيْسلُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ تَرَحٍ = أَبْقَتْ عَلَيهِمْ وَلا مَجْدًا لَنَا سُرِقَا
مَا المَجْدُ إِلا دَمُ الأَحْرَارِ تَبْذُلُهُ = بِتَضْحِيَاتٍ وَلَيسَ الفَخْرَ وَالأَنَقَا
وَلَو غَدَا مَجْدُنَا حِبْرًا عَلَى وَرَقٍ = وَلَيسَ إِلا حَرَقْتُ الحِبْرَ وَالوَرَقَا
يَا شَامُ يَا مَعْقِلَ الأَبْرَارِ مَا فَتِئَتْ = دَارَ الصُّمُودِ التِي لا تَعْرِفُ الفَرَقَا
يَا دُرَّةً فِي جَبِينِ الشَّرْقِ رَصَّعَهَا = مِنَ الحَضَارَةِ شَعْبٌ يَهْرقُ العَرَقَا
بِالأَمْسَ كَانَتْ حِكَايَاتِي مُبَعْثَرَةً = وَاليَوْمَ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي سِلْكِهَا نَسَقَا
وَقَدْ تَفَرَّقَتِ الآمَالُ فِي حَزَنٍ = فَهْلْ سَيَجْمَعُ فِيكِ الدَّهْرُ مَا افْتَرَقَا
وَهَلْ سَأَلْمَحُ فِي عَيْنَيكِ مَجْدَ أَبِي = إِنْ كُنْتُ أُنْفِقُ عُمْرِي كَيفَمَا اتَّفَقَا
هَا قَدْ سَكَبْتُ شُعُورِي فِيكِ حَرْفَ رِضَا = مَا دَانَ مِنْهُ لأَشْعَارِي وَمَا أَبِقَا
خُذِي كَمَا شِئْتِ لا تُبْقِي عَلَى شَفَتِي = غَيرَ الحَنِينِ الذِي فِي صَمْتِهَا نَطَقَا
أَبُو فِرَاس سَقَاكِ الشِّعْرَ كَأْسَ عُلا = وَالبُحْتُرِيُّ تَغَنَى فِيكِ وَانْطَلَقَا
وَكَمْ أَجَازَ أَبُو تَمَّام قَافِيَةً = وَأَبْدَعَ المُتَنَبِّي فِيكِ وَاسْتَبَقَا
وَمَا قَصِيدِي وَقَدْ قَالُوا سِوَى أَثَرٍ = كَالشَّمْسِ غَابَتْ وَأَبْقَتْ بَعْدَهَا الشَّفَقَا
هُوَ ابْتِهَالُ فُؤَادٍ فِيكِ ذَابَ هَوَى = وَبَابَ فَجْرِكِ يَا لَيلاهُ قَدْ طَرَقَا
فَسَابِقِي الدَّهْرَ لِلعَلْيَاءِ فِي شَمَمٍ = وَعَانِقِي النَّصْرَ فِي عِزٍّ وَطُولِ بَقَا
راق ابن مائك بين الخلق ثم رقى = وساق ما بك عذب الشوق ثم سقى
وعانقتك رؤى الأحلام والهة = تبث حسنك في القلب الذي خفقا
يا شام يا أكرم الأوطان منزلة = يا جنة الله في الأرض التي خلقا
تبارك اسمك جل الله أكرم من = فيها أقام، وأغلى الأرض والأفقا
وزاد قدرك أن النصر فيك غدا = والحشر والنشر والإيمان والخلقا
وخص دارك جل الخير مكرمة = وخص غيرك معشار الذي رزقا
لألاء سحرك في الآفاق منبسط = على جناح مصابيح الدنى ألقا
وفجر مجدك في الأيام مطلعه = على جبين تواريخ المدى فلقا
أنا المتيم يا شام العلا فدعي = من طيب روحك في روحي الذي علقا
أتيت أحمل مبسوط اليدين غدي = وفي الشغاف زرعت الفل والحبقا
ناديت روضك لا أنهارك اقتربت = من الصدي ولا زهر اللقا عبقا
هاجت شؤوني تناجيك الهوى أملا = وتذبح الصبر قربانا ليوم لقا
وحام نورك في الإحساس محتدما = فهام فيه فراش التوق واحترقا
ما أحوج النفس في تأنيس خافقة = فرت إليك لعطف منك قد رفقا
يا شام فيك صباباتي فلا اختلفت = وفيك باب مسراتي فلا انغلقا
متى ذكرتك في النفس جلوت جوى = وإن ذكرتك في قوم تلوت رقى
لي منك صمت حديث كلما اقتربت = مني الديار وإن ذقت النوى اندفقا
أليس أصدق أهل العشق أخفرهم = عند اللقاء وأضناهم إذا افترقا
فيا دمشق سقاك الله كأس هنا = ولا أمضك في يوم بكأس شقا
كل العواصم أحنت رأسها أدبا = أمام قدرك في الأيام أن بسقا
إلام لهفة أشواقي تنازعني = إلى ثراك تباريح الضنى طرقا
وهل سترسم في الأحداق يا بردى = متى التقينا مسارات لمن عشقا
وغوطة هفهف الحسن البديع بها = وزادها النشر من ريح الصبا أنقا
الطير تصدح في الأفنان هانئة = والزهر ينضح في أجوائها العبقا
والليل يسبح في الشطآن منتشيا = والسيل يمرح في الوديان منطلقا
وساحل لو رأته العين في شفق = في اللاذقية لامتاحت له الغسقا
وما تسنى لدير الزور من طرق = إلا وعانق درعا بالذى ومقا
ومن حماة إلى حمص إلى حلب = رأيت دوما وفي حوران أهل نقا
ولست أنسى على الجولان نزف دم = فليت حر لواء فوقها خفقا
يا شام لو باعت الدنيا ضمائرها = لظل عهدك ميثاقا وإن خرقا
تأبى الخمول طباع العز فيك وإن = ألقى الزمان على أكتافك الرهقا
كم جحفل رام أن يجنى سناك فما = إلا وجرع من أبنائك الحرقا
صوني كرامة من أقراك من دمه = ومن إباءك يا سورية اعتنقا
فأنت دار أباة النفس دار هدى = لمن تقدم في دهر ومن لحقا
وفيك شعب عظيم لو بعزمته = يسابق الكون في درب العلا سبقا
ما زال يشحذ من أسياف عزته = ما سوف يحشد في أعدائه الفرقا
هم نسل خير لمن فاق الورى سبلا = في المشرقين وحاز المجد واغتبقا
ترى السوابح في أشداق نفرتها = تجانب الأرض لا تلوي لها العنقا
حتى أدان لها الآفاق شرع هدى = كأنه المسك في البلدان قد فتقا
ما الشام إلا كتاب الله صان له = روح اليقين فأخزى النور من مرقا
مهد البطولات، والعلياء شاهدة = أن الضياء بروح الشام قد وثقا
تسمو المحامد إن مرت بساحتها = ويفضل الصيد فيها الجود إن دفقا
بنو أمية لم تفتأ حضارتهم = تزيد تدمر مجدا فاق وانعتقا
في عهدهم نطقت بالفخر شاهدة = يد الفتوحات أن الوعد قد صدقا
وقف على حلب الشهباء إذ رفعت = بالعز بيرق من للسيف قد مشقا
فيها فوارس سيف الدولة ابتدرت = معاقل الروم لم تترك لهم رمقا
وما الفرنجة إلا بعض من رشقوا = فصابها الخزي بالسهم الذي رشقا
لا ميسلون على ما كان من ترح = أبقت عليهم ولا مجدا لنا سرقا
ما المجد إلا دم الأحرار تبذله = بتضحيات وليس الفخر والأنقا
ولو غدا مجدنا حبرا على ورق = وليس إلا حرقت الحبر والورقا
يا شام يا معقل الأبرار ما فتئت = دار الصمود التي لا تعرف الفرقا
يا درة في جبين الشرق رصعها = من الحضارة شعب يهرق العرقا
بالأمس كانت حكاياتي مبعثرة = واليوم قد أصبحت في سلكها نسقا
وقد تفرقت الآمال في حزن = فهل سيجمع فيك الدهر ما افترقا
وهل سألمح في عينيك مجد أبي = إن كنت أنفق عمري كيفما اتفقا
ها قد سكبت شعوري فيك حرف رضا = ما دان منه لأشعاري وما أبقا
خذي كما شئت لا تبقي على شفتي = غير الحنين الذي في صمتها نطقا
أبو فراس سقاك الشعر كأس علا = والبحتري تغنى فيك وانطلقا
وكم أجاز أبو تمام قافية = وأبدع المتنبي فيك واستبقا
وما قصيدي وقد قالوا سوى أثر = كالشمس غابت وأبقت بعدها الشفقا
هو ابتهال فؤاد فيك ذاب هوى = وباب فجرك يا ليلاه قد طرقا
فسابقي الدهر للعلياء في شمم = وعانقي النصر في عز وطول بقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى