الشعر

ابتهال الحنين

طُهْرًا عَلَى تَقْوَى الْقُلُوبِ أَهَلَّا = شَهْرًا يَجِلُّ وَنِعْمَةً تَتَجَلَّى
يَسْقِي مِنَ الظَّمَأِ الْغَنِيَّ بِنُجْعَةٍ = تجْزِي وَيُطْعِمُ بِالصِّيَامِ مُقِلَّا
وَيُعِيدُ مَنْ خَتَلَ الْفُؤَادَ إِلَى الْهُدَى = وَيَزِيدُ مَنْ بَذَلَ الْفَضَائِلَ فَضْلَا
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الصِّيَامَ مَطِيَّةً = لِلرُّوحِ تَعْرُجُ فِي السَّمَاءِ لِتُجْلَى
وَالجُوعُ يُوقِظُ كُلَّ نَبْضٍ غَافِلٍ = حَتَّى يُرِيقَ عَلَى المُصَلَّى الوَصْلَا
قَدْ عُدْتَ يَا رَمَضَانُ بَهْجَةَ مُهْجَةٍ = فَكَأَنَّكَ الْبُسْتَانُ يُغْرِي النَّحْلَا
أَقْبَلْتَ يَا خَيْرَ الشُّهُورِ فَأَقْبَلَتْ = بِكَ رَحْمَةٌ لِمَنِ ارْتَقَى تَتَدَلَّى
أَقْبَلْتَ بِالنَّفَحَاتِ تَعْظُمُ لَذَّةً = فَيَذُوقُهَا مَنْ صَامَ فِيكَ وَصَلَّى
مَا انْفَكَّ يَبْتَهِلُ الْحَنِينُ تَهَجُّدًا = أَنْ لَيْتَ هَذَا الشَّهْرَ يُصْبِحُ حَوْلًا
شَهْرٌ كَرِيمٌ مَا أَطَلَّ بِنُورِهِ = إِلَّا وَفِي أَنْقَى الْمَشَاعِرِ حَلَّا
شَهْرٌ كَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمْنَحْ بِهِ = إِلَّا حَيَاةً مِنْ مَآثِرَ مُثْلَى
شَهْرٌ تَنَزَّلَتِ المَلَائِكُ فِيهِ كَيْ = تَهَبَ القُلُوبَ مِنَ اليَقِينِ الأَطْلَى
شَهْرُ الصَّفَاءِ مَعَ الْوُجُودِ مَعَ الْوَرَى = وَتَعَلُّقٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّا
شَهْرُ التِّجَارَةِ مَعْ كَرِيمٍ عَفْوُهُ = كَنْزٌ أَجَلُّ مِنَ الْجَمَالِ وَأَجْلَى
شَهْرٌ بِهِ الْقُرْآنُ أُنْزِلَ قُرَّةً = فِي لَيْلَةٍ هِيَ فِي الزَّمَانِ الْفُضْلَى
تَرْنُو لَهَا الْأَرْوَاحُ مِلْءَ ضَرَاعَةٍ = وَتَؤُمُّ خُلْوَتَهَا الْقُلُوبُ الثَّكْلَى
صَوْمٌ وَإِفْطَارٌ وَسَجْدَةُ مُخْبِتٍ = فَالْفَرْحَتَانِ بَرَاءَةٌ تَتَأَلَّى
وَصِلَاتُ أَرْحَامٍ وَبَسْمَةُ مُنْفِقٍ = وَقُنُوتُ أَحْلَامٍ لِمَا هُوَ أَحْلَى
وَنَمَارِقٌ لِلْبِرِّ تَفْتَرِشُ النَّدَى = وَبَيَارِقٌ لِلصَّبْرِ لَا تَتَوَلَّى
وَحُضُورُ أَفْئِدَةٍ وَرَاحَةُ خَاطِرٍ = وَعَبِيرُ إِيمَانٍ بِعَفْوِ الْمَوْلَى
يَا مَوْسِمَ الْغُفْرَانِ كُلُّ خَطِيئَةٍ = نَشَجَتْ عَلَى أَبْوَابِ فَضْلِكَ خَجْلَى
رَفَعَتْ بِدَمْعِ الْخَوْفِ كَفَّ رَجَائِهَا = تَعْنُو لِمَنْ فَطَرَ السَّرَائِرَ تُبْلَى
وَتَضُمُّ مِنْ دَمْعِ التَّضَرُّعِ سُبْحَةً = وَتَشُمُّ مِنْ رَوْعِ التَّوَرُّعِ فُلَّا
الزُّهْدُ فِي رَغَدِ الْحَيَاةِ بِكَ اجتْلِى = وَالشَّهْدُ مِنْ زَهْرِ امْتِثَالِكَ أَمْلَى
تَصْفُو بِكَ الْخَلَجَاتُ عَيْنَ تَأَمُّلٍ = وَتَطُوفُ آفَاقَ التَّبَتُّلِ جَذْلَى
وَتَلُمُّ شَعْثَ الرُّوحِ عَرْفَ سَكِينَةٍ = بِالذِّكْرِ مِنْ نُورِ الْمَصَاحِفِ يُتْلَى
يَا لَيْلَةً فِيهَا السَّلَامُ مُنَزَّلٌ = مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فِي المَثُوبَةِ أَوْلَى
تَسْقِي بِدَمْعِ التَّائِبِينَ قُلُوبَنَا = فَتَفِيضُ مِنْ نُورِ السَّكِينَةِ بَذْلَا
وَالنَّفْسُ تَلْقَى فِي القِيَامِ طَبِيبَهَا = لِتُقِيمَ فِي نَبْضِ الجَوَانِحِ عَدْلَا
فَارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ مُنَاجِيًا = إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ عَنْكَ الخَتْلَا
يُهْدِي النُّفُوسَ الحَائِرَاتِ مَحَجَّةً = وَيُتَوِّجُ الأَرْوَاحَ تُورِقُ نُبْلَا
فَاقْبَلْ إِلَهِي صَوْمَنَا وَدُعَاءَنَا = وَاجْمَعْ عَلَى حَقِّ الهِدَايَةِ شَمْلَا
يَا مَنْ يُعَلِّلُ مَا يَضِلُّ عَنِ الْهُدَى = لَوْلَا تَكِلُّ عَنِ ابْتِذَالِكَ لَوْلَا
كَمْ مِنْ غَوِيٍّ رَاقَهُ دَرْبُ الرَّدَى = قَادَتْهُ أَنْوَارُ الصِّيَامِ فَأَبْلَى
لَا تَمْضُغِ الرَّأْيَ الْبَلِيدَ وَلَا تَعِشْ = عَبَثًا وَحَرِّرْ فِكْرَكَ الْمُحْتَلَّا
قَدْ تُوسِعُ الشُّبُهَاتُ سَمَّ خِيَاطِهَا = فَانْسِجْ يَقِينَكَ حُلَّةً لَا تَبْلَى
وَالْمَرْءُ إِنْ يُطِعِ الْهَوَى سَيُضِلُّهُ = وَمَآلُهُ لِلْقَبْرِ مَهْمَا اسْتَعْلَى
فَاخْصِفْ عَلَى نَزَغَاتِ شَيْطَانِ الْهَوَى = وَانْسِفْ لِفَتْنِ السَّامِرِيِّ العِجْلَا
وَاغْرِسْ مِنَ الزَّكَوَاتِ نَخْلَ طَهَارَةٍ = تَمْدُدْ لِنُورِكَ بَعْدَ مَوْتِكِ ظِلَّا
وَاكْسَبْ نُضَارًا لَا تَغُرَّكَ بَهْرَجًا = دُنْيَا بِأَكْثَرِ مَا تُحَبُّ سَتُقْلَى
ثَابِرْ لِفَحْوَى الذَّاتِ قَدْرَ فَضِيلَةٍ = أَغْلَى مِنْ الْقَمَرِ الْمُنِيرِ وَأَعْلَى
وَاجْهَدْ فَمَا غَرَسَتْ يَدَاكَ مِنَ الْتُّقَى = لَا يَحْصُدُ الْأَمَلُ الَّذِي يَتَخَلَّى
وَازْهَدْ بِحَمْدِ النَّاسِ وَاحْمَدْ رَبَّهُمْ = تَنَلِ الرِّضَا فَاللَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى
طهرا على تقوى القلوب أهلا = شهرا يجل ونعمة تتجلى
يسقي من الظمأ الغني بنجعة = تجزي ويطعم بالصيام مقلا
ويعيد من ختل الفؤاد إلى الهدى = ويزيد من بذل الفضائل فضلا
سبحان من جعل الصيام مطية = للروح تعرج في السماء لتجلى
والجوع يوقظ كل نبض غافل = حتى يريق على المصلى الوصلا
قد عدت يا رمضان بهجة مهجة = فكأنك البستان يغري النحلا
أقبلت يا خير الشهور فأقبلت = بك رحمة لمن ارتقى تتدلى
أقبلت بالنفحات تعظم لذة = فيذوقها من صام فيك وصلى
ما انفك يبتهل الحنين تهجدا = أن ليت هذا الشهر يصبح حولا
شهر كريم ما أطل بنوره = إلا وفي أنقى المشاعر حلا
شهر كأن الله لم يمنح به = إلا حياة من مآثر مثلى
شهر تنزلت الملائك فيه كي = تهب القلوب من اليقين الأطلى
شهر الصفاء مع الوجود مع الورى = وتعلق بالله عز وجلا
شهر التجارة مع كريم عفوه = كنز أجل من الجمال وأجلى
شهر به القرآن أنزل قرة = في ليلة هي في الزمان الفضلى
ترنو لها الأرواح ملء ضراعة = وتؤم خلوتها القلوب الثكلى
صوم وإفطار وسجدة مخبت = فالفرحتان براءة تتألى
وصلات أرحام وبسمة منفق = وقنوت أحلام لما هو أحلى
ونمارق للبر تفترش الندى = وبيارق للصبر لا تتولى
وحضور أفئدة وراحة خاطر = وعبير إيمان بعفو المولى
يا موسم الغفران كل خطيئة = نشجت على أبواب فضلك خجلى
رفعت بدمع الخوف كف رجائها = تعنو لمن فطر السرائر تبلى
وتضم من دمع التضرع سبحة = وتشم من روع التورع فلا
الزهد في رغد الحياة بك اجتلى = والشهد من زهر امتثالك أملى
تصفو بك الخلجات عين تأمل = وتطوف آفاق التبتل جذلى
وتلم شعث الروح عرف سكينة = بالذكر من نور المصاحف يتلى
يا ليلة فيها السلام منزل = من ألف شهر في المثوبة أولى
تسقي بدمع التائبين قلوبنا = فتفيض من نور السكينة بذلا
والنفس تلقى في القيام طبيبها = لتقيم في نبض الجوانح عدلا
فارفع يديك إلى السماء مناجيا = إن الدعاء يرد عنك الختلا
يهدي النفوس الحائرات محجة = ويتوج الأرواح تورق نبلا
فاقبل إلهي صومنا ودعاءنا = واجمع على حق الهداية شملا
يا من يعلل ما يضل عن الهدى = لولا تكل عن ابتذالك لولا
كم من غوي راقه درب الردى = قادته أنوار الصيام فأبلى
لا تمضغ الرأي البليد ولا تعش = عبثا وحرر فكرك المحتلا
قد توسع الشبهات سم خياطها = فانسج يقينك حلة لا تبلى
والمرء إن يطع الهوى سيضله = ومآله للقبر مهما استعلى
فاخصف على نزغات شيطان الهوى = وانسف لفتن السامري العجلا
واغرس من الزكوات نخل طهارة = تمدد لنورك بعد موتك ظلا
واكسب نضارا لا تغرك بهرجا = دنيا بأكثر ما تحب ستقلى
ثابر لفحوى الذات قدر فضيلة = أغلى من القمر المنير وأعلى
واجهد فما غرست يداك من التقى = لا يحصد الأمل الذي يتخلى
وازهد بحمد الناس واحمد ربهم = تنل الرضا فالله نعم المولى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى