الشعر

مفتاح وباب

أَتَنْجُو؟ وَهَلْ يُبْقِي الصِّحَابَ عِتَابُ = وَتَرْجُو؟ وَهَلْ يُسْقِي الشَّرَابَ سَرَابُ
إِلَامَ تَخُصُّ الحُبَّ مَنْ لَيْسَ يَجْتَبِي = وَتَرْضَى عَنِ الأَيَّامِ وَهْيَ غِضَابُ
إِلَامَ؟ وَثَغْرُ الوَجْدِ حَطَّ لِثَامَهُ = سُفُورًا، وَفِي الوِجْدَانِ رَانَ حِجَابُ
فَهَا أَنْتَ قَدْ أَرْضَيْتَ وُدًّا وَأَسْخَطُوا = وَأَصْفَيْتَ مَا شَاؤُوا الوَفَاءَ وَشَابُوا
وَلَمَّا تَزَلْ فِي المُحْدَثَاتِ مُؤَمِّلًا = وَهَلْ يُرْتَجَى بَعْدَ المَشِيبِ شَبَابُ؟
أَصَابَكَ مِنْ كَيْدِ الوُشَاةِ شَدَائِدٌ = وَكُلُّ عَظِيمٍ بِالوُشَاةِ مُصَابُ
فَلَا تَشْتَكِ النَّاسَ الأَذَاةَ فَإِنَّمَا = لِكُلِّ أَذًى مَهْمَا يَطُولُ ذَهَابُ
وَصَبْرًا عَلَى بَلْوَى الزَّمَانِ وَعُسْرِهِ = فَفِي الصَّبْرِ مِفْتَاحٌ وَفِي الغَدِ بَابُ
فَيَا رَبَّ هَذَا الفَضْلِ فِي النَّاسِ لَمْ تَزَلْ = غَرِيبًا إِلَيْهِ تَشْرَئِبُّ رِقَابُ
أَقَمْتَ مَعَ الأَحْلَامِ وَهْيَ خَصِيبَةٌ = وَسِرْتَ مَعَ الأَيَّامِ وَهْيَ يَبَابُ
وَذُبْتَ تُضِيءُ الحَقَّ دَرْبًا وَمَنْهَجًا = فَلَوْ أَنَّهُمْ لِلْحَقِّ مِثْلَكَ ذَابُوا
وَيَا رِحْلَةً جَارَتْ عَلَيَّ وَجَرَّعَتْ = كُؤُوسَ عَذَابٍ وَالظُّنُونُ عِذَابُ
سَأَصْبِرُ نَفْسِي مَعَ رِسَالَةِ عِزَّةٍ = وَإِنْ طَالَ تَرْحَالٌ وَعَزَّ رِكَابُ
وَأَمْضِي عَلَى مَتْنِ الرَّجَاءِ مُحَلِّقًا = لِيَبْلُغَ مِنْ جُهْدِ العَلَاءِ نِصَابُ
وَإِنْ أَمْسَكَتْ كَفُّ السَّحَابِ بَنَاتَهَا = فَيَكْفِي لِأَبْنَاءِ الطُّمُوحِ رَبَابُ
عَجِبْتُ لِتَصْرِيفِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ = أَرَانِي أُمُورًا كُلُّهُنَّ عُجَابُ
زَمَانٌ يَرَى الدَّيْجُورَ نُورًا وَأَهْلُهُ = يَرَوْنَ الهَوَى حُكْمًا فَغَصَّ صَوَابُ
وَقَوْمٌ تُذِيبُ الصِّدْقَ فِي مُرِّ مَا افْتَرَتْ = وَقَوْمٌ تُرِيبُ الحَقَّ ثُمَّ تُرَابُ
وَشَاكٍ مِنَ الإِنْصَافِ وَهْوَ فَضِيلَةٌ = وَبَاكٍ عَلَى الإِسْفَافِ وَهْوَ سِبَابُ
وَتَنْفُخُ أَضْغَانُ النُّفُوسِ خَسِيسَهَا = لِتَضْرِمَ نَارَ الحِقْدِ وَهْيَ خَرَابُ
وَكَمْ مُدَّعٍ فِي اللهِ حُبِّي فَإِنْ رَأَى = قُدُورًا لِطَهْوِ الغَدْرِ سَالَ لُعَابُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ لِلْحَقِّ إِنْ جَرَى = عَلَيْهِ غِيَابٌ أَنْ يَكُونَ إِيَابُ
وَكَيْفَ يَطِيبُ العَيْشُ لِلْحُرِّ فِي الدُّنَى = إِذَا حَكَّمَتْ فِيهَا الشَّرَائِعَ غَابُ
وَكَيْفَ يُهَابُ اللَّيْثُ فِي الغَابِ إِنْ عَوَتْ = عَلَيْهِ ذِئَابٌ أَوْ عَصَتْهُ كِلَابُ
وَكَيْفَ يَكُونُ الجَوُّ فِي النَّفْسِ رِفْعَةً = إِذَا أَخْلَدَ البَازِي وَطَارَ غُرَابُ
تَدُورُ رَحَى الأَيَّامِ طَحْنًا بِأَهْلِهَا = وَلَيْسَ لِمَغْرُورٍ هُنَاكَ مَتَابُ
يَغُرُّ الفَتَى فِي ذِي الحَيَاةِ بَرِيقُهَا = وَيَنْسَى غَدًا أَنَّ المَآلَ حِسَابُ
إِذَا مَاجَتِ الدُّنْيَا بِزَيْفٍ وَبَاطِلٍ = فَمَا الحَقُّ إِلَّا رِفَعَةٌ وَغِلَابُ
أُحَدِّثُ نَفْسِي كُلَّ يَوْمٍ بِأَنَّهَا = سَتَلْقَى مَوَاعِيدَ الرِّجَالِ تُجَابُ
وَأَنَّ عَرُوسَ المَجْدِ مِنْ بَعْدِ مَهْرِهَا = تُزَفُّ إِلَيْهِمْ وَالأَكُفُّ خِضَابُ
فَمَا لِي أَرَى قَوْمِي عَنِ الفَجْرِ أَعْرَضُوا = وَلِلْفُجْرِ قُرْبَانٌ لَهُمْ وَقِرَابُ
أَصَابُوا كِرَامَ الخَلْقِ مِنْ غَيْرِ زَلَّةٍ = وَصَابُوا النَّدَى سُخْرًا وَفِي الفَمِ صَابُ
وَمَنْ عَابَ أَقْدَارَ الخَلَائِقِ عَيَّبُوا = وَمَنْ هَابَ أَقْدَارَ الضَّرَاغِمِ هَابُوا
عِتَابِي إِذَا جَارَ الكِرَامُ مَثُوبَةٌ = وَعَفْوِي إِذَا جَارَ اللِّئَامُ عِقَابُ
وَصَوْتِي كِتَابٌ لِلنُّهَى فَصْلُ حِكْمَةٍ = وَصَمْتِي خِطَابٌ لِلْوَرَى وَجَوَابُ
وَيَسْأَلُ أَهْلُ الحَرْفِ رَأْيًا عَنِ الَّذِي = يَرَى فِي الشُّعُورِ الشِّعْرَ أَيْنَ لُبَابُ؟
شُعُورِي كِيَانٌ فِي المَوَاقِفِ كُلِّهَا = وَشِعْرِي لِسَانٌ فِي الصُّرُوفِ وَنَابُ
وَقَوْلِي: كَأَنَّ الشِّعْرَ غَرْسٌ مِنَ النُّهَى = بِأَرْضِ خَيَالٍ وَالشُّعُورَ سَحَابُ
فَتَزْهُو بُنَيَّاتُ الحُرُوفِ نَدِيَّةً = وَتَعْشُو عَنِ الأَفْهَامِ وَهْيَ ضَبَابُ
وَإِنْ يَطْعَنِ الأَصْحَابُ فِي وِرْدِ مَنْطِقِي = فَإِنِّي لِظُلْمِ الأَقْرَبِينَ كِتَابُ
أَيُمْدَحُ بَعْضُ السَّجْعِ مَدْحًا لِطَيْرِهِ = وَشَدْوِي عَلَى أَعْلَى الغُصُونِ يُعَابُ
أَنَا الصَّقْرُ فِي جَوِّ القَوَافِي مُهَيْمِنٌ = وَمِنْ بَأْسِ أَشْعَارِي يَهَابُ عُقَابُ
صَبَرْتُ عَلَى الجَرْحِ العَمِيقِ تَرَفُّعًا = وَلِلصَّبْرِ فِي عُرْفِ الكِرَامِ ثَوَابُ
بَنَيْتُ مِنَ الشِّعْرِ الأَصِيلِ مَنَازِلًا = لَهَا فِي الجَلَالِ السَّرْمَدِيِّ قِبَابُ
وَأَسْرَجْتُ خَيْلَ الفِكْرِ نَحْوَ بُرُوجِهَا = لِيَسْطَعَ فِي أُفْقِ الخُلُودِ شِهَابُ
وَعَانَقْتُ أَحْلَامِي وَإِنْ أّجْهَدَ المَدَى = وَلَمْ يُثْنِ عَزْمِي فِي العُرَوجِ صِعَابُ
وَلَوْ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ المُدَاجَاةِ فِي الوَرَى = لَجَلَّ لَنَا قَدْرٌ وَعَزَّ جَنَابُ
وَلَكِنَّنِي أَهْلُ النَّزَاهَةِ وَالعُلَا = وَأَنَّى لِمَنْ يَبْغِي عَلَيَّ طِلَابُ
وَمَا يُجْحَدُ الحَسُّونُ عَذْبَ تَرَنُّمٍ = عَلَى أَيْكِهِ مَهْمَا يَطِنُّ ذُبَابُ
وَمَا تُرْمِدُ الشَّمْسَ المُضِيئَةَ غَيْمَةٌ = وَمَا يُفْسِدُ التِّبْرَ النَّقِيَّ تُرَابُ
أتنجو؟ وهل يبقي الصحاب عتاب = وترجو؟ وهل يسقي الشراب سراب
إلام تخص الحب من ليس يجتبي = وترضى عن الأيام وهي غضاب
إلام؟ وثغر الوجد حط لثامه = سفورا، وفي الوجدان ران حجاب
فها أنت قد أرضيت ودا وأسخطوا = وأصفيت ما شاؤوا الوفاء وشابوا
ولما تزل في المحدثات مؤملا = وهل يرتجى بعد المشيب شباب؟
أصابك من كيد الوشاة شدائد = وكل عظيم بالوشاة مصاب
فلا تشتك الناس الأذاة فإنما = لكل أذى مهما يطول ذهاب
وصبرا على بلوى الزمان وعسره = ففي الصبر مفتاح وفي الغد باب
فيا رب هذا الفضل في الناس لم تزل = غريبا إليه تشرئب رقاب
أقمت مع الأحلام وهي خصيبة = وسرت مع الأيام وهي يباب
وذبت تضيء الحق دربا ومنهجا = فلو أنهم للحق مثلك ذابوا
ويا رحلة جارت علي وجرعت = كؤوس عذاب والظنون عذاب
سأصبر نفسي مع رسالة عزة = وإن طال ترحال وعز ركاب
وأمضي على متن الرجاء محلقا = ليبلغ من جهد العلاء نصاب
وإن أمسكت كف السحاب بناتها = فيكفي لأبناء الطموح رباب
عجبت لتصريف الزمان وأهله = أراني أمورا كلهن عجاب
زمان يرى الديجور نورا وأهله = يرون الهوى حكما فغص صواب
وقوم تذيب الصدق في مر ما افترت = وقوم تريب الحق ثم تراب
وشاك من الإنصاف وهو فضيلة = وباك على الإسفاف وهو سباب
وتنفخ أضغان النفوس خسيسها = لتضرم نار الحقد وهي خراب
وكم مدع في الله حبي فإن رأى = قدورا لطهو الغدر سال لعاب
ألا ليت شعري كيف للحق إن جرى = عليه غياب أن يكون إياب
وكيف يطيب العيش للحر في الدنى = إذا حكمت فيها الشرائع غاب
وكيف يهاب الليث في الغاب إن عوت = عليه ذئاب أو عصته كلاب
وكيف يكون الجو في النفس رفعة = إذا أخلد البازي وطار غراب
تدور رحى الأيام طحنا بأهلها = وليس لمغرور هناك متاب
يغر الفتى في ذي الحياة بريقها = وينسى غدا أن المآل حساب
إذا ماجت الدنيا بزيف وباطل = فما الحق إلا رفعة وغلاب
أحدث نفسي كل يوم بأنها = ستلقى مواعيد الرجال تجاب
وأن عروس المجد من بعد مهرها = تزف إليهم والأكف خضاب
فما لي أرى قومي عن الفجر أعرضوا = وللفجر قربان لهم وقراب
أصابوا كرام الخلق من غير زلة = وصابوا الندى سخرا وفي الفم صاب
ومن عاب أقدار الخلائق عيبوا = ومن هاب أقدار الضراغم هابوا
عتابي إذا جار الكرام مثوبة = وعفوي إذا جار اللئام عقاب
وصوتي كتاب للنهى فصل حكمة = وصمتي خطاب للورى وجواب
ويسأل أهل الحرف رأيا عن الذي = يرى في الشعور الشعر أين لباب؟
شعوري كيان في المواقف كلها = وشعري لسان في الصروف وناب
وقولي: كأن الشعر غرس من النهى = بأرض خيال والشعور سحاب
فتزهو بنيات الحروف ندية = وتعشو عن الأفهام وهي ضباب
وإن يطعن الأصحاب في ورد منطقي = فإني لظلم الأقربين كتاب
أيمدح بعض السجع مدحا لطيره = وشدوي على أعلى الغصون يعاب
أنا الصقر في جو القوافي مهيمن = ومن بأس أشعاري يهاب عقاب
صبرت على الجرح العميق ترفعا = وللصبر في عرف الكرام ثواب
بنيت من الشعر الأصيل منازلا = لها في الجلال السرمدي قباب
وأسرجت خيل الفكر نحو بروجها = ليسطع في أفق الخلود شهاب
وعانقت أحلامي وإن أجهد المدى = ولم يثن عزمي في العروج صعاب
ولو كنت من أهل المداجاة في الورى = لجل لنا قدر وعز جناب
ولكنني أهل النزاهة والعلا = وأنى لمن يبغي علي طلاب
وما يجحد الحسون عذب ترنم = على أيكه مهما يطن ذباب
وما ترمد الشمس المضيئة غيمة = وما يفسد التبر النقي تراب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى