الشعر
بنت قلبي
مَا زِلْتُ أشْرقُ وَالْمَعْنَى يُحَلِّقُ بِي = حَتَّى تَرَبَّعْتُ فَوْقَ الْأَنْجُمِ الشُّهُبِ تحَدّثُ الْعَيْنُ عَنْ فَخْرِي بِمَنْ نَفَضَتْ = عُنِيَ غُبَارَ سِنِين الْهَمِّ وَالتَّعَبِ وَأَسْتَرِيحُ عَلَى دِيبَاجِ بَسْمَتِهَا = كَأَنَّهَا النُّورُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالسُّحُبِ لَا تَرْتَوِي الرُّوحُ إِلَّا حِينَ أَحْضُنُهَا = وَلَا الْفُؤَادُ سِوَى مِنْ وَجْهِهَا الْعَذِبِ نَمَتْ عَلَى العِزِّ لَمْ تَعْرِفْ بِهِ مَلَلًا = وَقَارَعَتْ سَطْوَةَ الأَيَّامِ فِي دَأَبِ طِيبُ الشَّمَائِلِ يَمْشِي فِي مَلَامِحِهَا = كَالنَّوْرِ يُهْدِي السَّجَايَا كُلَّ مُنْتَدَبِ إِنِّي أُفَاخِرُ أَقْرَانِي بِمَنْ فَمُهَـا = يَسْمُو بِهَا فَوْقَ هَامِ العِزِّ كَالقُطُبِ هَذِي حَنِينُ الَّتِي أَنْجَبْتُهَا حَدَبًا = فَأَنْجَبَتْنِي بِبِرِّ السَّمْتِ وَالنَّسَبِ هَذِي حَنِينُ فَهَلْ فِي الْخَلْقِ مِنْ شَبَهٍ = فِي الذَّوْقِ وَالرِّفْقِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ رَبَّيْتُ فِيهَا خِصَالَ الطُّهْرِ نَاصِعَةً = حَتَّى غَدَتْ آيَةً لِلنُّبْلِ وَالحَسَبِ وَصُغْتُ مِنْ مَبْسَمِي شِعْرًا يُطَوِّقُهَا = كَأَنَّهَا البَدْرُ يَجْلُو ظُلْمَةَ الكُرَبِ قَدْ كُنْتِ أَوَّلَ زَهْرَاتِي تَفُوحُ شَذَاً = بَيْنَ الْمُنَى وَالنَّدَى فِي الْجِدِّ وَاللَّعِبِ وَكُنْتِ عَيْنِي الَّتِي أَرْنُو بِهَا لِغَدِي = مَحْفُوفَةً بَالسَّنَا فِي أَحْلَكِ الْحُجُبِ يَا بَهْجَةَ العُمْرِ إِنَّ الرُّوحَ قَدْ ظَمِئَتْ = وَلَيْسَ يَرْوِي الرُّؤَى إِلَاكِ فِي النُّوَبِ يَا مَنْ عَلَى جَبْهَةِ الْأَيَّامِ قَدْ لَبِسَتْ = تَاجَ الْوَقَارِ فَفَاقَتْ أُمَّةَ الْعَرَبِ طَهَارَةُ النَّفْسِ لَا تَزْكُو بِلَا قِيَمٍ = وَحِكْمَةُ الْحَدْسِ لَا تَسْمُو بِلَا أَرَبِ وَقَدْ زَكَوتِ فَأَنْتِ الدَّرُّ فِي صَدَفٍ = وَقَدْ سَمَوْتِ فَأَنْتِ الْبَدْرُ فِي النُّجُبِ يَا أَجْمَلَ اسْمٍ جَرَى لَحْنًا عَلَى شَفَتِي = يَا بَيلَسَانَ الرِّضَا فِي مُهْجَةِ الْغَضَبِ سُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ الإِيمَانَ مُهْجَتَهَا = فَلَمْ تَمِلْ مَيْلَةَ الأَهْوَاءِ وَالرِّيَبِ لَا تَبْتَغِي مِنْ رُؤَى الدُّنْيَا مَبَاهِجَهَا = لَكِنَّهَا تَبْتَغِي العَلْيَاءَ فِي الطَّلَبِ لَوْ كَانَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَخْتَارَ مَا ابْنَتُهُ = مَا اخْتَرْتُ غَيْرَكِ يَا أَغْلَى مِنَ الذَّهَبِ يَا بِنْتَ قَلْبِي عَصَانِي الشِّعْرُ إِذْ عَجَزَتْ = عَنْكِ الْحُرُوفُ فَهَلْ يَكْفِيكِ قَلْبُ أَبِ؟ عَزَفْتِ لَحْنَ الرِّضَا فِي خَافِقِي نَغَمًا = كَأَنَّهُ البَرْدُ يَشْفِي حُرْقَةَ النَّصَبِ رَعَاكَ رَبِّي الَّذِي أَهْدَاكِ لِي وَطَنًا = يَلُمُّ شَعْثَ الَهْنَا فِي عَيْشِ مُغْتَرِبِ وَدُمْتِ لِي قُرَّةً أَزْهُو بِطَلْعَتِهَا = كَرِيمَةً فِي الْوَرَى مَرْفُوعَةَ الرُّتَبِ
ما زلت أشرق والمعنى يحلق بي = حتى تربعت فوق الأنجم الشهب تحدث العين عن فخري بمن نفضت = عني غبار سنين الهم والتعب وأستريح على ديباج بسمتها = كأنها النور بين الشمس والسحب لا ترتوي الروح إلا حين أحضنها = ولا الفؤاد سوى من وجهها العذب نمت على العز لم تعرف به مللا = وقارعت سطوة الأيام في دأب طيب الشمائل يمشي في ملامحها = كالنور يهدي السجايا كل منتدب إني أفاخر أقراني بمن فمها = يسمو بها فوق هام العز كالقطب هذي حنين التي أنجبتها حدبا = فأنجبتني ببر السمت والنسب هذي حنين فهل في الخلق من شبه = في الذوق والرفق والأخلاق والأدب ربيت فيها خصال الطهر ناصعة = حتى غدت آية للنبل والحسب وصغت من مبسمي شعرا يطوقها = كأنها البدر يجلو ظلمة الكرب قد كنت أول زهراتي تفوح شذا = بين المنى والندى في الجد واللعب وكنت عيني التي أرنو بها لغدي = محفوفة بالسنا في أحلك الحجب يا بهجة العمر إن الروح قد ظمئت = وليس يروي الرؤى إلاك في النوب يا من على جبهة الأيام قد لبست = تاج الوقار ففاقت أمة العرب طهارة النفس لا تزكو بلا قيم = وحكمة الحدس لا تسمو بلا أرب وقد زكوت فأنت الدر في صدف = وقد سموت فأنت البدر في النجب يا أجمل اسم جرى لحنا على شفتي = يا بيلسان الرضا في مهجة الغضب سبحان من أودع الإيمان مهجتها = فلم تمل ميلة الأهواء والريب لا تبتغي من رؤى الدنيا مباهجها = لكنها تبتغي العلياء في الطلب لو كان للمرء أن يختار ما ابنته = ما اخترت غيرك يا أغلى من الذهب يا بنت قلبي عصاني الشعر إذ عجزت = عنك الحروف فهل يكفيك قلب أب؟ عزفت لحن الرضا في خافقي نغما = كأنه البرد يشفي حرقة النصب رعاك ربي الذي أهداك لي وطنا = يلم شعث الهنا في عيش مغترب ودمت لي قرة أزهو بطلعتها = كريمة في الورى مرفوعة الرتب
