الشعر
فوق الرؤى
لَمْ يَدْرِ أَنَّ الْعَزْفَ أَنْزَفَ أَحْرُفَهْ = فَمَضَى يُرَتِّلُ فِي الوُجُودِ تَصَوُّفَهْ سَاجٍ لِوَجْهِ النَّهْرِ يَرْسُمُ طَيْفَهُ = ذِكْرَى مُعَذّبَةٌ وَنَجْوَى مُسْدَفَةْ يَمْتَدُّ فِي وَجَعِ الْقَصِيدَةِ كُلَّمَا = نَضِجَ الْحَنِينُ دَعَا الْأَنِينَ لِيَقْطِفَهْ مَا انْفَكَّ ظُفْرُ الْوَقْتِ يَنْكَأُ جُرْحَهُ = لِيَدُسَّ فِي مُدُنِ الضَّيَاعِ تَلَهُّفَهْ يَسْقِي يَبَابَ الرُّوحِ مِنْ قَطْرِ المُنَى = حَتَّى تَعُودَ لَهُ الرُّؤَى المُتَخَطَّفَةْ وَيَشُقُّ مِنْ صَخْرِ المُحَالِ طَرِيقَهُ = نَحْوَ العُلَا، وَاليَأْسُ مَزَّقَ مِعَطَفَهْ نَادَى عَلَى الشَّمْسِ الشَّرِيدَةِ فَانْبَرَتْ = مِنْ غَيْمِهَا تَمْحُو النُّهَى المُتَزَلِّفَةْ لَمْ تَسْتَقِرَّ الرِّيحُ تَحْتَ جَنَاحِهِ = لَكِنَّهُ رَفَهَ الْجَنَاحَ وَرَفْرَفَهْ وَمَضَى يُحَلِّقُ حَيْثُ لَا أُفُقًا عَفَا = خَلْفَ المَدَارِ وَحَيْثُ لَا خُلُقًا سَفَهْ ظَلَّتْ خُيُوطُ الضَّوْءِ تَنْسُجُ عَرْشَهُ = فَوْقَ المَدَى وَالْعَتْمُ يَنْكِثُ مِطْرَفَهْ لَمْ تَكْفُرِ الدُّرَرَ البُحُورُ وَإِنَّمَا = كَفَرَتْ بِمَنْ سَجَرَ البُحُورَ الأَرْصِفَةْ هُوَ أَحْكَمَ الأَبْيَاتَ وَحْيَ تَفَرُّدٍ = لَكِنَّ أَذْوَاقَ الدُّرُوبِ مُحَرَّفَةْ ظَمِئَتْ شِفَاهُ الْفَهْمِ فِي هَرَجِ الحِجَى = فَسَقَى عُيُونَ الْعِلْمِ مَاءَ الْمَعْرِفَةْ جِيلٌ مِنَ الخِذْلاَنِ يَقْرَأُ سِفرَهُ = جَهْرًا وَلَمْ تَنْبِسْ بِمَا قَرَأَتْ شفَةْ يُؤْوِي إِلَيهِ الهَمَّ فِلْذَةَ هِمَّةٍ = وَيُلِمُّ وَجْدَ الْعَاشِقِينَ لِيَعْزِفَهْ دَهْرَيْنِ صَامَ الرَّغْبُ عَنْ نَزَوَاتِهِ = وَيَكَادُ يُفْطِرُ بِالمُجُونِ تَعفُّفَهْ شَرِبَ الأَسَى حَتَّى تَضَوَّعَ جُرْحُهُ = طُهْرًا يُنِيرُ لَهُم دُرُوبًا مُتْرَفَةْ قَدْ شَادَ مِنْ غُرَرِ الْمَجَازِ مَدِينَةً = لِلْحُبِّ تَهْدِمُ فِكْرَةً مُتَطَرِّفَةْ وَاسْتَلَّ مِنْ خَدِّ المَجَرَّةِ نَجْمَةً = لِتُضِيءَ أَرْوِقَةَ العُلَا وَتُزَخْرِفَهْ لِلْوَارِفِينَ الْفَارِعِينَ لِجَاهِلٍ = بَطَرَ الرَّشَادَ بِأَبْجَدِيَّةِ عَجْرَفَةْ لِمُجَادِلٍ خَنَقَ الهَوَاءَ بِخَوْضِهِ = يَجْتَرُّ فَذْلَكَةً وَيَحْسَبُ فَلْسَفَةْ لِمُخَاتِلٍ لَبِسَ الصَّدِيقَ وَمَكْرُهُ = نَتَفَ اللِّحَى حَسَدًا وَأَعْفَى العَنْقَفَةْ أَقْزَامُ مَا اقْتَرَفَ الزَّمَانُ تَطَاوَلُوا = وَتَسَابَقُوا نَحْوَ العُقُولِ المُرْجِفَةْ فَمَضَى وَقَدْ جَعَلَ السَّمَاءَ رِدَاءَهُ = يَتْلُو كِتَابَ النُّورِ رُوحًا مُرْهفَةْ لَأْيًا بِجَيْبِ الْغَيْبِ خَبَّأَ حُزْنَهُ = عَنْ بُحَّةِ النَّايَاتِ كَيْلَا تَذزِفَهْ مَا زَالَ يَكْتُمُ دَمْعَتَيْنِ وَوَجْهُهُ = يَخْشَى مِنَ الْبَسَمَاتِ أَلَّا تَأْلَفَهْ يَجْتَاحُ مَعْنَى الْبَوْحِ صَمْت تُوَجُّعٍ = وَيَدُورُ فِي الْوِجْدَانِ يَبْحَثُ عَنْ صِفَةْ لَمْ يَسْتَطِعْ زَمَنًا تَهَافَتَ فَارْتَقَى = مَنْ كَانَ يَخْبِزُ بِالتَّزَلُّفِ أَرْغُفَهْ رَشَدَ الْأَذَى وَهَذَى الشَّذَى فَانْسَلَّ مِنْ = رِئَةِ النَّدَى عَبَقًا تَأَبَّطَ مَوْقِفَهْ عَبَثِيَّةٌ وَالمَوْجُ يُقسِمُ مُزْبِدًا = أَنْ يَحْقِرَ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ الزّعْنَفَةْ هُوَ مُوغِلٌ فِي الرَّاحِلِينَ وَدَرْبُهُ = حَسَكُ الجَوَى وَرُبَى المَشَاعِرِ مُوْجفَةْ قَدَمٌ عَلَى سَفْحِ الأَسَى وَيَدٌ عَلَى = قَلْبٍ تَشَظَّى مِنْ صُدُورٍ مُجْحِفَةْ بَيْنَ الرُّكامِ أَضَاعَ آخِرَ وَرْدَةٍ = لِلْحُبِّ وَافْتَرَشَ الرَّصَاصُ تَخَوُّفَهْ وَاغْتَالَهُ الْحُلُمُ البَرِيءُ بِمَوْطِنٍ = يَرْنُو إِلَى وَجْهِ الضِّيَاءِ لِيَعْرِفَهْ لَمْ يُدْرِكِ الْوَهَجَ المُؤَمّلَ فَانْطَوَى = فِيهِ السَّنَاءُ إِلَى الذُّرَى الْمُتَأَسِّفَةْ وَجَفَتْ رِحَابُ الرُّوحِ فَاقْتَرَفَ المُنَى = وَاشْتَاقَ لِلْأَقْصَى فَأَمْسَكَ مُصْحَفَهْ
لم يدر أن العزف أنزف أحرفه = فمضى يرتل في الوجود تصوفه ساج لوجه النهر يرسم طيفه = ذكرى معذبة ونجوى مسدفة يمتد في وجع القصيدة كلما = نضج الحنين دعا الأنين ليقطفه ما انفك ظفر الوقت ينكأ جرحه = ليدس في مدن الضياع تلهفه يسقي يباب الروح من قطر المنى = حتى تعود له الرؤى المتخطفة ويشق من صخر المحال طريقه = نحو العلا، واليأس مزق معطفه نادى على الشمس الشريدة فانبرت = من غيمها تمحو النهى المتزلفة لم تستقر الريح تحت جناحه = لكنه رفه الجناح ورفرفه ومضى يحلق حيث لا أفقا عفا = خلف المدار وحيث لا خلقا سفه ظلت خيوط الضوء تنسج عرشه = فوق المدى والعتم ينكث مطرفه لم تكفر الدرر البحور وإنما = كفرت بمن سجر البحور الأرصفة هو أحكم الأبيات وحي تفرد = لكن أذواق الدروب محرفة ظمئت شفاه الفهم في هرج الحجى = فسقى عيون العلم ماء المعرفة جيل من الخذلان يقرأ سفره = جهرا ولم تنبس بما قرأت شفة يؤوي إليه الهم فلذة همة = ويلم وجد العاشقين ليعزفه دهرين صام الرغب عن نزواته = ويكاد يفطر بالمجون تعففه شرب الأسى حتى تضوع جرحه = طهرا ينير لهم دروبا مترفة قد شاد من غرر المجاز مدينة = للحب تهدم فكرة متطرفة واستل من خد المجرة نجمة = لتضيء أروقة العلا وتزخرفه للوارفين الفارعين لجاهل = بطر الرشاد بأبجدية عجرفة لمجادل خنق الهواء بخوضه = يجتر فذلكة ويحسب فلسفة لمخاتل لبس الصديق ومكره = نتف اللحى حسدا وأعفى العنقفة أقزام ما اقترف الزمان تطاولوا = وتسابقوا نحو العقول المرجفة فمضى وقد جعل السماء رداءه = يتلو كتاب النور روحا مرهفة لأيا بجيب الغيب خبأ حزنه = عن بحة النايات كيلا تذزفه ما زال يكتم دمعتين ووجهه = يخشى من البسمات ألا تألفه يجتاح معنى البوح صمت توجع = ويدور في الوجدان يبحث عن صفة لم يستطع زمنا تهافت فارتقى = من كان يخبز بالتزلف أرغفه رشد الأذى وهذى الشذى فانسل من = رئة الندى عبقا تأبط موقفه عبثية والموج يقسم مزبدا = أن يحقر البحر الخضم الزعنفة هو موغل في الراحلين ودربه = حسك الجوى وربى المشاعر موجفة قدم على سفح الأسى ويد على = قلب تشظى من صدور مجحفة بين الركام أضاع آخر وردة = للحب وافترش الرصاص تخوفه واغتاله الحلم البريء بموطن = يرنو إلى وجه الضياء ليعرفه لم يدرك الوهج المؤمل فانطوى = فيه السناء إلى الذرى المتأسفة وجفت رحاب الروح فاقترف المنى = واشتاق للأقصى فأمسك مصحفه
