الشعر

موكب النور

هَلَّ الهِلَالُ لِشَهْرِ الحَجِّ فَانْسَابَا = كُلُّ الحَجِيجِ لِبَيْتِ اللَّهِ طُلَّابَا
وَأَقْبَلُوا بِالتُّقَى فِي كُلِّ قَافِلَةٍ = مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَالعَنَا طَابَا
شَوْقُ النُّفُوسِ إِلَى الرَّحْمَنِ يَدْفَعُهَا = حَتَّى غَدَتْ فِي جِوَارِ البَيْتِ حُجَّابَا
وَأَخْلَصُوا ذِي الخُطَى بِالطُّهْرِ وَانْطَلَقُوا = فِي مَوْكِبِ النُّورِ آحَادًا وَأَسْرَابَا
أَلْقَوْا ثِيَابَ غُرُورِ العِزِّ فَاجْتَمَعُوا = بِيضَ القُلُوبِ وَكُلُّ الفَخْرِ قَدْ ذَابَا
فَلَيْسَ يَرْفَعُ يَوْمُ الحَجِّ مَفْخَرَةً = وَلَيْسَ يَعْرِفُ أَنْسَابًا وَأَحْسَابَا
حَلُّوا ضُيُوفًا عَلَى الرَّحْمَنِ وَانْتَشَرُوا = فِي الكَعْبَةِ اليَوْمَ تَهْلِيلًا وَتِرْحَابَا
تَجْرِي الدُّمُوعُ رَجَاءً وَهْيَ خَاشِعَةٌ = وَيَنْبِضُ القَلْبُ إِجْلَالًا وَإِطْنَابَا
وَتَرْتَقِي الرُّوحُ فَوْقَ الفُلْكِ سَامِيَةً = عَنِ الدَّنَايَا وَعَنْ دُنْيَا سَقَتْ صَابَا
فَلَا هُمُومَ سِوَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ = وَلَا رَجَاءَ سِوَى الغُفْرَانِ أَثْوَابَا
وَلَا حَدِيثَ سِوَى مَا كَانَ تَلْبِيَةً = وَلَا لِبَاسَ سِوَى الإِحْرَامِ جِلْبَابَا
وَلَيْسَ يُشْغِلُ مَالٌ رَغْمَ فِتْنَتِهِ = وَلَا بَنُونَ وَلَا زَوْجٌ، وَمَنْ حَابَى
جَاؤُوا بِدَمْعَةِ أَيَّامٍ بِهِمْ عَبَرَتْ = وَالعُمْرُ وَلَّى وَشَعْرُ الرَّأْسِ قَدْ شَابَا
جَاؤُوا حَيَارَى وَهَمُّ الوِزْرِ يَدْفَعُهُمْ = نَحْوَ الغَفُورِ وَقَلْبٌ بِالهُدَى ثَابَا
رُوحُ اليَقِينِ تَلَاقَتْ فِي مَنَاسِكِهَا = فَاسْتَلْهَمَتْ مِنْ عَمِيقِ الغَيْبِ أَلْبَابَا
يَدْعُونَ رَبًّا كَرِيمًا قَادِرًا أَحَدًا = بِأَنْ يَعُودَ تَقِيَّ النَّفْسِ أَوَّابَا
وَأَنْ يُعِينَ عَلَى الدُّنْيَا وَزِيْنَتِهَا = أَنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ لَا يُبْقِي لَهُ بَابَا
يَرْجُونَ جَنَّةَ رُضْوَانٍ وَمَرْحَمَةٍ = فِيْهَا الكَوَاعِبُ حُورُ العِينِ أَتْرَابَا
يَدْعُونَ فِي رَغَبٍ فَالقَلْبُ فِي طَمَعٍ = أَوْ يَحْتَمِي رَهَبًا بِالدَّمْعِ مُنْسَابَا
وَاللَّهُ فِي كَرَمٍ يُعْطِي بِمَا سَأَلُوا = فَمَنْ يَلُذْ بِحِمَى الرَّحْمَنِ مَا خَابَا
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العَرْشِ يَجْمَعُهُمْ = عَلَى التَّبَايْنِ إِخْوَانًا وَأَحْبَابَا
فِي خَيْرِ مُؤْتَمَرٍ لِلْخَيْرِ مُنْعَقِدٍ = فِي كُلِّ عَامٍ فَحِزْبُ الكُفْرِ قَدْ هَابَا
يَخْشَى التَّوَحُّدَ يُؤْوِي أُمَّةً ضَعُفَتْ = بَعْدَ الشَّتَاتِ فَصَارَتْ فِيهِ أَذْنَابَا
وَيُسْتَبَاحُ حِمَى الإِسْلَامِ فِي زَمَنٍ = ضَاعَ الجِهَادُ وَبَاتَ الدِّينُ أَلْقَابَا
وَعَاشَ فِيْهِ دُعَاةُ الحَقِّ فِي أَلَمٍ = وَهُمْ يَرَوْنَ نَصِيرَ الحَقِّ كَذَّابَا
يَا أُمَّةً لَوْ تَعِي مَا فِي تَجَمُّعِهَا = لَأَصْبَحَتْ فَوْقَ هَامِ الدَّهْرِ غلَّابَا
تِلْكَ الجُمُوعُ لَوِ اسْتَشْرَى لَظَى دَمِهَا = لَارْتَجَّ كِسْرَى وَصَاحَ الرُّومُ إِرْهَابَا
يَا مَوْكِبَ النُّورِ فِي أَرْكَانِهِ اتَّضَحَتْ = رُوحُ العَقِيدَةِ إِيمَانًا وَإِيجَابَا
جَاؤُوا مُلَبِّيْنَ إِبْرَاهِيمَ دَعْوَتَهُ = فِي بَطْنِ مَكَّةَ رُجَّالًا وَرُكَّابَا
إِنَّ المَنَاسِكَ رَمْزٌ لَيْسَ يُدْرِكُهُ = إِلَّا التَّقِيُّ وَمَنْ يَرْتَادُ مِحْرَابَا
فَلَيْسَ يُرْجَمُ إِبْلِيْسٌ بِحَضْرَتِهِ = وَلَيْسَ نَعْبُدُ أَوْثَانًا وَأَنْصَابَا
لَكِنَّنَا أُمَّةٌ لِلَّهِ طَائِعَةٌ = وَاللَّهُ يَجْعَلُ لِلْغُفْرَانِ أَسْبَابَا
طُوبَى لِمَنْ كَسَبُوا عَفْوًا وَمَغْفِرَةً = فَالخُلْدُ مَسْكَنُ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ تَابَا
أَمَّا لِمَنْ ظَلَمُوا فَالنَّارُ ذَاتُ لَظَى = وَالوَيْلُ يَصْهَرُهُمْ وَالهُونُ أَحْقَابَا
وَالحَجُّ يَمْنَحُ لِلتُّجَّارِ مَا اكْتَسَبُوا = وَالحَجُّ يَفْتَحُ لِلْفِرْدَوْسِ أَبْوَابَا
وَاللَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ الذَّنْبِ إِنْ صَدَقُوا = بُشْرَى الحَجِيجِ وَكَانَ اللَّهُ تَوَّابَا
هل الهلال لشهر الحج فانسابا = كل الحجيج لبيت الله طلابا
وأقبلوا بالتقى في كل قافلة = من كل فج عميق، والعنا طابا
شوق النفوس إلى الرحمن يدفعها = حتى غدت في جوار البيت حجابا
وأخلصوا ذي الخطى بالطهر وانطلقوا = في موكب النور آحادا وأسرابا
ألقوا ثياب غرور العز فاجتمعوا = بيض القلوب وكل الفخر قد ذابا
فليس يرفع يوم الحج مفخرة = وليس يعرف أنسابا وأحسابا
حلوا ضيوفا على الرحمن وانتشروا = في الكعبة اليوم تهليلا وترحابا
تجري الدموع رجاء وهي خاشعة = وينبض القلب إجلالا وإطنابا
وترتقي الروح فوق الفلك سامية = عن الدنايا وعن دنيا سقت صابا
فلا هموم سوى ما كان من زلل = ولا رجاء سوى الغفران أثوابا
ولا حديث سوى ما كان تلبية = ولا لباس سوى الإحرام جلبابا
وليس يشغل مال رغم فتنته = ولا بنون ولا زوج، ومن حابى
جاؤوا بدمعة أيام بهم عبرت = والعمر ولى وشعر الرأس قد شابا
جاؤوا حيارى وهم الوزر يدفعهم = نحو الغفور وقلب بالهدى ثابا
روح اليقين تلاقت في مناسكها = فاستلهمت من عميق الغيب ألبابا
يدعون ربا كريما قادرا أحدا = بأن يعود تقي النفس أوابا
وأن يعين على الدنيا وزينتها = أن يغفر الذنب لا يبقي له بابا
يرجون جنة رضوان ومرحمة = فيها الكواعب حور العين أترابا
يدعون في رغب فالقلب في طمع = أو يحتمي رهبا بالدمع منسابا
والله في كرم يعطي بما سألوا = فمن يلذ بحمى الرحمن ما خابا
سبحان ربك رب العرش يجمعهم = على التباين إخوانا وأحبابا
في خير مؤتمر للخير منعقد = في كل عام فحزب الكفر قد هابا
يخشى التوحد يؤوي أمة ضعفت = بعد الشتات فصارت فيه أذنابا
ويستباح حمى الإسلام في زمن = ضاع الجهاد وبات الدين ألقابا
وعاش فيه دعاة الحق في ألم = وهم يرون نصير الحق كذابا
يا أمة لو تعي ما في تجمعها = لأصبحت فوق هام الدهر غلابا
تلك الجموع لو استشرى لظى دمها = لارتج كسرى وصاح الروم إرهابا
يا موكب النور في أركانه اتضحت = روح العقيدة إيمانا وإيجابا
جاؤوا ملبين إبراهيم دعوته = في بطن مكة رجالا وركابا
إن المناسك رمز ليس يدركه = إلا التقي ومن يرتاد محرابا
فليس يرجم إبليس بحضرته = وليس نعبد أوثانا وأنصابا
لكننا أمة لله طائعة = والله يجعل للغفران أسبابا
طوبى لمن كسبوا عفوا ومغفرة = فالخلد مسكن من أوفى ومن تابا
أما لمن ظلموا فالنار ذات لظى = والويل يصهرهم والهون أحقابا
والحج يمنح للتجار ما اكتسبوا = والحج يفتح للفردوس أبوابا
والله يغفر كل الذنب إن صدقوا = بشرى الحجيج وكان الله توابا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى