الشعر
نجعة شاكر
دِيَمًا سَقَيتُ وَمَا سَقَينَ جنَانِي = وَرُبَى غَرَسْتُ وَشَوْكُهُنَّ جَنَانِي وَبَرَاعِمٌ ثَابَرْتُ أَرْفَعُ ذِكْرَهَا = فَأَثَبْنَنِي بِالغَدْرِ وَالنُّكْرَانِ مَا انْفَكَّ مَا أَسْدَيتُ يُضْرِمُ قَلْبَهَا = حِقْدًا وَيُبْرِمُ عُقْدَةَ العُدْوَانِ وَأَنَا عَلَى سَرْجِ التَّرَفُّعِ لِلعُلا = أَرْنُو وَيَعْدُو بِالشُّمُوخِ حِصَانِي وَأَجُولُ بِالطَّرَفِ الأَغَرِّ وَكَيْدُهُمْ = يَسْعَى فَيَلْقُفُ إِفْكَهُمْ غُفْرَانِي شَيَّدْتُ مِنْ نَبْضِ اليَقِينِ مَعَاقِلِي = وَسَقَيْتُ مِنْ مَاءِ النُّهَى أَغْصَانِي مَا ضَرَّنِي غَدْرُ اللِّئَامِ وَمَكْرُهُمْ = فَاللهُ فِي دَرْبِ الهُدَى يَرْعَانِي نَحْنُ الكِرَامُ إِذَا الخُطُوبُ تَزَاحَمَتْ = كَالطَّوْدِ فِي ثِقَةٍ وَفِي إِيمَانِ وَلَقَدْ جَعَلْتُ الصَّبْرَ دِرْعَ سَرِيرَتِي = حَتَّى تَكَسَّرَ نَصْلُ كُلِّ جَبَانِ أَنَا ذَا أُسَطِّرُ لِلْمَعَالِي قِصَّةً = مَحْفُورَةً فِي مُهْجَةِ الأَزْمَانِ وَأَصُوغُ مِنْ وَجَعِ الجِرَاحِ قَلَائِدًا = تَزْهُو بِهَا عِزًّا رُبَى البُلْدَانِ وَيَلُومُ بَعْضُ الوَامِقِينَ سَمَاحَتِي = وَيَرَونَ أَنَّ الصَّفْحَ بَعْضُ هَوَانِ الحِلْمُ أَهْيَبُ لِلرِّجَالِ مِنَ الخَنَا = وَالمَاءُ أَقْوَى مِنْ لَظَى النِّيرَانِ وَالسَّيفُ لا يَدْمَى بِلَطْمَةِ حَاقِدٍ = وَالشَّمْسُ لا تَعْمَى بِوَصْمَةِ شَانِي وَأَنَا الذِي لَو شِئْتُ أَقْدِرُ إِنَّمَا = أَلْزَمْتُ نَفْسِي شِرْعَةَ الرَّحْمَنِ وَاللهِ مَا يَومًا رَمَيتُ مُناوِئًا = لَكِنَّ قَوْسِي لِلعُلا أَرْدَانِي إِذْ سِرْتُ دَرْبِي فِي الحَيَاةِ بِمَنطِقٍ = يَسْمُو عَن الأَضْغَانِ لِلإِنْسَانِ وَإِلى الحَقِيقَةِ قَدْ مَدَدْتُ يَدَ الرُّؤَى = وَإِلَى السُّهَا أَرْخَيتُ كلَّ عَنَانِ أَسْعَى وَمِنْ زَمَنِ الطُّفُولَةِ لِلعُلا = لَكِنَّ صَرْفَ الدَّهْرِ قَدْ أَعْيَانِي فِي غُرْبَةٍ خَطَفَتْ شَبَابِيَ عُنْوَةً = وَأَنَا الذِي يَحْتَاجُ لِلأَوْطَانِ ومَسِيرَةٍ مَا انْفَكَّ يَغْرِسُ شَوْكَهَا = حَسَدٌ وَيَقْلَعُ حِقْدَهَا إِحْسَانِي يَا لَيتَ يَا هَذَا الفُؤَادُ جَحَدْتَنِي = وَجَعَلْتَنِي كَالنَّاسِ فِي المِيزَانِ مَا كَانَ أَرْهَقَنِي الزَّمَانُ بِحَاسِدٍ = أَو جَفَّ مِنْ غَدْرِ الوَرَى بُسْتَانِي حَسْبِي مِنَ الحَدَثَانِ مَا ادَّخَرَا لَنَا = فِي مُهْجَةِ الأَقْرَانِ وَالخِلانِ هَذَا يَصُبُّ مِنَ الوَفَاءِ إِخَاءَهُ = صَفْوًا، وَذَلِكَ يَحْتَفِي بِمَكَانِي فَكَأَنَّنِي وَالصَّحْبُ حَولِيَ أَنْجُمًا = أَغْنَى المُلُوكَ وَأَعْظَمُ الفُرْسَانِ مِنْ كُلِّ ذِي شَأْوٍ عَظِيمٍ نَاضِحًا = بِالوُدِّ عِطْرَ الوَرْدِ أَو ذِي شَانِ وَكَرِيمَةٍ تَرْتَادُ كلَّ مُهَذَّبٍ = مِنْ حُسْنِ أَخْلاقٍ وحُسْنِ بَيَانِ هَبَّتْ كَمُنْصَلِتِ الصَوَارِمِ فِي الوَغَى = لِتَجُزَّ هَامَ الزِّيفِ وَالبُهْتَانِ وَتُعِيدُ صَوْتَ الحَقِّ تَقْدَحُ زِنْدَهُ = فِي حَوْزَةِ الأَذْهَانِ بِالبُرْهَانِ تُثْنِي عَلَى البَانِي وَتَمْدَحُ جُهْدَهُ = وَتَصُونُ صِدْقَ العَهْدِ لِلبُنْيَانِ يَا رَبَّةَ الحَرْفِ الأَصِيلِ تَحِيَّةً = تَسْرِي إِلَيْكِ بِنَفْحَةِ الرَّيْحَانِ صُنْتِ اليَرَاعَ عَنِ التَّبَذُّلِ وَالخَنَا = وَأَضَأْتِ قِنْدِيلًا لِخَيْرِ مَعَانِي وَأَتَيْتِنِي بِالفَجْرِ يَبْسِمُ ثَغْرُهُ = لِيُبَدِّدَ الظُّلْمَاءَ عَنْ وِجْدَانِي هَذِي القَصَائِدُ مِنْ مَعِينِ مَوَدَّةٍ = نَبَعَتْ لِتَمْحُوَ قَسْوَةَ الأَحْزَانِ يَا ذَاتَ صَوْمَعَةٍ بِزُهْدِ تَقِيَّةٍ = يَا رَبَّةَ الإِحْسَاسِ وَالإِحْسَانِ أَكْرَمْتِ مِلْءَ الحَمْدِ نُجْعَةَ شَاكِرٍ = وَنَصَرْتِ جُهْدًا أُمَّةَ القُرْآنِ وَصَبَبْتِ حَرْفَ الشِّعْرِ كَأْسَ سُلافَةٍ = مَا انْفَكَّ يُصْبِي مُهْجَةَ الكَرَوَانِ هَذِي فَضَائِلُكِ النَبِيلَةُ أَعْجَزَتْ = لُغَةَ الثَّنَاءِ تَعضُّ طَرْفَ بَنَانِي فَإِلَيكِ مِنْ قَلْبِي السَّلامُ أَسُوقُهُ = فِي كُلِّ حِينٍ شَاهِدًا وَأَوَانِ قَدْ قَالَ شِعْرِي مِنْ بَيَانِيَ مَا سَرَى = لِكِنْ شُعُورِي لَمْ يَقُلْهُ لِسَانِي
ديما سقيت وما سقين جناني = وربى غرست وشوكهن جناني وبراعم ثابرت أرفع ذكرها = فأثبنني بالغدر والنكران ما انفك ما أسديت يضرم قلبها = حقدا ويبرم عقدة العدوان وأنا على سرج الترفع للعلا = أرنو ويعدو بالشموخ حصاني وأجول بالطرف الأغر وكيدهم = يسعى فيلقف إفكهم غفراني شيدت من نبض اليقين معاقلي = وسقيت من ماء النهى أغصاني ما ضرني غدر اللئام ومكرهم = فالله في درب الهدى يرعاني نحن الكرام إذا الخطوب تزاحمت = كالطود في ثقة وفي إيمان ولقد جعلت الصبر درع سريرتي = حتى تكسر نصل كل جبان أنا ذا أسطر للمعالي قصة = محفورة في مهجة الأزمان وأصوغ من وجع الجراح قلائدا = تزهو بها عزا ربى البلدان ويلوم بعض الوامقين سماحتي = ويرون أن الصفح بعض هوان الحلم أهيب للرجال من الخنا = والماء أقوى من لظى النيران والسيف لا يدمى بلطمة حاقد = والشمس لا تعمى بوصمة شاني وأنا الذي لو شئت أقدر إنما = ألزمت نفسي شرعة الرحمن والله ما يوما رميت مناوئا = لكن قوسي للعلا أرداني إذ سرت دربي في الحياة بمنطق = يسمو عن الأضغان للإنسان وإلى الحقيقة قد مددت يد الرؤى = وإلى السها أرخيت كل عنان أسعى ومن زمن الطفولة للعلا = لكن صرف الدهر قد أعياني في غربة خطفت شبابي عنوة = وأنا الذي يحتاج للأوطان ومسيرة ما انفك يغرس شوكها = حسد ويقلع حقدها إحساني يا ليت يا هذا الفؤاد جحدتني = وجعلتني كالناس في الميزان ما كان أرهقني الزمان بحاسد = أو جف من غدر الورى بستاني حسبي من الحدثان ما ادخرا لنا = في مهجة الأقران والخلان هذا يصب من الوفاء إخاءه = صفوا، وذلك يحتفي بمكاني فكأنني والصحب حولي أنجما = أغنى الملوك وأعظم الفرسان من كل ذي شأو عظيم ناضحا = بالود عطر الورد أو ذي شان وكريمة ترتاد كل مهذب = من حسن أخلاق وحسن بيان هبت كمنصلت الصوارم في الوغى = لتجز هام الزيف والبهتان وتعيد صوت الحق تقدح زنده = في حوزة الأذهان بالبرهان تثني على الباني وتمدح جهده = وتصون صدق العهد للبنيان يا ربة الحرف الأصيل تحية = تسري إليك بنفحة الريحان صنت اليراع عن التبذل والخنا = وأضأت قنديلا لخير معاني وأتيتني بالفجر يبسم ثغره = ليبدد الظلماء عن وجداني هذي القصائد من معين مودة = نبعت لتمحو قسوة الأحزان يا ذات صومعة بزهد تقية = يا ربة الإحساس والإحسان أكرمت ملء الحمد نجعة شاكر = ونصرت جهدا أمة القرآن وصببت حرف الشعر كأس سلافة = ما انفك يصبي مهجة الكروان هذي فضائلك النبيلة أعجزت = لغة الثناء تعض طرف بناني فإليك من قلبي السلام أسوقه = في كل حين شاهدا وأوان قد قال شعري من بياني ما سرى = لكن شعوري لم يقله لساني
