ميلاد جديد
حِينَ يَغِيبُ دِفْءُ شَمْسِكِ عَنْ قَلْبِي، يَرْتَجِفُ فِيَّ كُلُّ شَيْءٍ؛ كَأَنَّ البَيْنَ شِتَاءٌ لَا يَعْرِفُ لِفُصُولِ الأَرْضِ حُكْمًا، وَكَأَنَّ البَوْحَ شَجَرَةٌ أَدْرَكَهَا الخَرِيفُ قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ اخْضِرَارَهَا. تَتَسَاقَطُ الكَلِمَاتُ مِنْ أَغْصَانِهَا وَرَقًا ذَابِلًا، وَتَبْقَى فِي الجُذُورِ عِبَارَاتٌ لَمْ تَجِدْ إِلَيْكِ سَبِيلًا، فَتُوَاصِلُ نُمُوَّهَا فِي العَتَمَةِ، وَتُثْقِلُ التُّرَابَ بِمَا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
غَيْرَ أَنَّ الصَّدْرَ، حِينَ تَتَوَحَّشُ فِيهِ البُرُودَةُ، يَأْنَسُ مِنْ جَانِبِ شَوْقِهِ الأَيْسَرِ نَارًا تَسْرِي. نَارًا لَا تَأْكُلُهُ، وَإِنَّمَا تَأْكُلُ مَا تَرَاكَمَ عَلَيْهِ مِنْ جَلِيدِ الغِيَابِ؛ فَيَقْتَبِسُ مِنْهَا شُعْلَةَ اللهْفَةِ، وَيَمْشِي بِهَا فِي دُرُوبِ الحَنَايَا، يُوقِدُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ خَامِدَةٍ قِنْدِيلًا، وَيَرُدُّ إِلَى النَّفْسِ بَعْضَ مَا سَلَبَهُ الفِرَاقُ مِنْ دِفْءٍ. وَمَا زَالَتِ الشُّعْلَةُ بِالحَنِينِ تَتَّقِدُ، وَمَا زَالَ القَلْبُ بِالشَّوْقِ يَرْتَجِفُ؛ كَأَنَّ الجَمْرَ وَالبَرْدَ تَعَاهَدَا عَلَيْهِ، فَهٰذَا يُبْقِيهِ حَيًّا، وَذَاكَ يُبْقِيهِ مُنْتَظِرًا. وَبَيْنَ اهْتِزَازِهِ وَاشْتِعَالِهِ يَتَصَبَّرُ لِيَوْمٍ يَعُودُ فِيهِ دِفْءُ الشَّمْسِ إِلَى حِضْنِ القَمَرِ، وَتَنْطَفِئُ غُرْبَةُ المَدَارِ فِي اكْتِمَالِ اللِّقَاءِ.
فَيَا قَلْبِي، رِفْقًا بِي؛ لَا تُثْقِلْ خُطُوَاتِي بِكُلِّ هٰذَا الحَنِينِ، وَلَا تَجْعَلْ مِنْ كُلِّ ذِكْرَى نَافِذَةً يَدْخُلُ مِنْهَا الغِيَابُ. أَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَخْتَرْ مَا حَلَّ بِكَ، وَأَنَّ الشَّوْقَ لَمْ يَسْتَأْذِنْكَ حِينَ أَقَامَ فِيكَ؛ وَلٰكِنَّنِي أَنَا الَّذِي أَحْمِلُ ارْتِجَافَكَ فِي أَضْلُعِي، وَأَسْمَعُ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ مِنْكَ طَرْقًا عَلَى بَابٍ لَمْ يُفْتَحْ بَعْدُ. كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى أَعْوَامِي الَّتِي مَضَتْ قَبْلَكِ، بَدَتْ لِي كَمَمَرَّاتٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تُفْضِ إِلَى غُرْفَةٍ، وَكَصُفُوفٍ مِنَ الأَيَّامِ مَرَّتْ عَلَيَّ دُونَ أَنْ تَمُرَّ فِيَّ. أَرَى نَفْسِي فِيهَا أَتَحَرَّكُ وَأَعْمَلُ وَأَضْحَكُ وَأَصْمُتُ، ثُمَّ لَا أَجِدُ لِذٰلِكَ كُلِّهِ فِي ذَاكِرَةِ الرُّوحِ وَزْنًا؛ كَأَنَّ الحَيَاةَ كَانَتْ تُجَرِّبُ صَوْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ اسْمَكِ. يُصِيبُنِي السَّأَمُ مِنْ تِلْكَ السِّنِينَ لَا لِقِلَّةِ مَا جَرَى فِيهَا، وَإِنَّمَا لِأَنَّكِ لَمْ تَكُونِي فِيهَا. وَيَأْخُذُنِي حَنِينٌ مُسْتَحِيلٌ إِلَى أَنْ أَعُودَ إِلَى أَوَّلِ العُمْرِ، فَأَبْدَأَ بِكِ، وَأَسِيرَ مَعَكِ، وَأَنْتَهِي إِلَيْكِ؛ فَلَا تَكُونِي فَصْلًا مُتَأَخِّرًا فِي كِتَابِي، بَلْ تَكُونِينَ الحَرْفَ الأَوَّلَ الَّذِي يُعِيدُ إِلَى كُلِّ مَا بَعْدَهُ صِحَّةَ المَعْنَى.
لِمَاذَا تَأَخَّرَ اللِّقَاءُ، وَكَانَ كُلٌّ مِنَّا يَمْشِي نَحْوَ الآخَرِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ؟ لِمَاذَا تَرَكَنَا الطَّرِيقُ نَقْطَعُ كُلَّ هٰذِهِ المَسَافَاتِ وَحْدَنَا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مَكَانٌ لَا يَسْكُنُهُ سِوَى الآخَرِ؟ كَمْ مِنْ يَوْمٍ انْقَضَى وَأَنْتِ تَبْحَثِينَ عَنْ حِصْنٍ يَحْفَظُ رِقَّتَكِ مِنْ قَسْوَةِ الطُّرُقِ، وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ يَكُفُّ رُوحِي عَنْ حَيَاةِ التَّرْحَالِ؟ كُنَّا نَعْبُرُ المَدَائِنَ وَالوُجُوهَ، وَنَحْمِلُ فِي دَوَاخِلِنَا مَفَاتِيحَ بَيْتٍ لَمْ نَعْرِفْ بَعْدُ أَيْنَ بَابُهُ. وَحِينَ جَمَعَنَا اللِّقَاءُ، لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ شَيْئًا جَدِيدًا بَدَأَ فَحَسْبُ؛ شَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا قَدِيمًا جِدًّا عَادَ إِلَى مَوْضِعِهِ. كَأَنَّ الرُّوحَ عَرَفَتْكِ قَبْلَ أَنْ تَرَاكِ العَيْنُ، وَكَأَنَّ اسْمَكِ كَانَ مَكْتُوبًا فِي نَسِيجِهَا بِحِبْرٍ لَا يَظْهَرُ إِلَّا حِينَ يَبْلُغُهُ الضَّوْءُ المُنَاسِبُ.
وَكَمْ سَأَلْتُكِ فِي دَاخِلِي: أَلَنَا سَبِيلٌ إِلَى أَنْ نَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ؟ ثُمَّ يَجِيئُنِي مِنْ مَعْنَاكِ مَا يَرُدُّ السُّؤَالَ إِلَيَّ: وَهَلْ نَحْنُ إِلَّا نَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ؟ غَيْرَ أَنَّنَا، فِي الحَقِيقَةِ، لَا نَبْدَأُ العُمْرَ، وَإِنَّمَا نُكْمِلُهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُنَا. نَجْمَعُ أَعْوَامَهُ الغَرِيبَةَ اليَتِيمَةَ، وَنَضَعُهَا بَيْنَ يَدَيْنَا لِنُعِيدَ تَسْمِيَتَهَا؛ فَلَا يَبْقَى مَا مَضَى ضَيَاعًا كُلُّهُ، بَلْ يَغْدُو طَرِيقًا شَاقًّا قَادَ، عَلَى بُعْدِهِ، إِلَى هٰذَا القُرْبِ. أَنْتِ لَمْ تَجِدِي الحِصْنَ، وَأَنَا لَمْ أَجِدِ الوَطَنَ؛ حَتَّى تَقَابَلَ فِينَا الاحْتِيَاجَانِ، فَصِرْتُ لَكِ جِدَارًا لَا يَحْجُبُ عَنْكِ السَّمَاءَ، وَصِرْتِ لِي أَرْضًا لَا تُقَيِّدُ خُطْوَتِي. أَحْمِيكِ مِنْ وَحْشَةِ الطَّرِيقِ، وَتَحْمِينَنِي مِنْ وَحْشَةِ الوُصُولِ إِلَى أَمَاكِنَ لَا أَنْتِ فِيهَا.
لَا أَذْكُرُ لِي حَيَاةً قَبْلَكِ. أَذْكُرُ أَيَّامًا، وَلَا أَذْكُرُ عُمْرًا. أَذْكُرُ طُرُقًا، وَلَا أَذْكُرُ وُجْهَةً. أَذْكُرُ أَنَّنِي كُنْتُ هُنَا، وَلَا أَذْكُرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَنَا. وُلِدْتُ مُنْذُ عَرَفْتُكِ؛ لَا لأَنَّ مَا سَبَقَكِ عَدَمٌ، وَلٰكِنْ لأَنَّكِ رَدَدْتِ إِلَيَّ الحَيَاةَ مِنْ دَاخِلِهَا، وَجَعَلْتِ لِلْوُجُودِ طَعْمًا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُ شَكْلٌ فَقَطْ. وَقَبْلَكِ كُنْتُ أُكْرِمُ المَرْأَةَ؛ أَحْفَظُ لَهَا مَكَانَهَا، وَأَصُونُ فِي حَضْرَتِهَا لِسَانِي وَيَدِي وَمَوْقِفِي. ثُمَّ عَلَّمْتِنِي أَنْ لِلِاحْتِرَامِ مَقَامًا أَعْمَقَ مِنَ الإِكْرَامِ؛ فَالإِكْرَامُ قَدْ يَأْتِي مِنْ عَلُوٍّ، أَمَّا الاحْتِرَامُ فَلِقَاءُ رُوحَيْنِ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. عَلَّمْتِنِي أَنْ أَرَى فِي المَرْأَةِ إِنْسَانًا كَامِلَ المَعْنَى، لَا مَوْضِعًا لِلحِمَايَةِ وَالتَّكْرِيمِ وَحْدَهُمَا؛ وَأَنْ أُصْغِيَ إِلَيْهَا كَمَنْ يُصْغِي إِلَى حَقِيقَةٍ، لَا كَمَنْ يَتَفَضَّلُ بِالسَّمَاعِ.
إِلَيْهِمْ أَقُولُ: الإِهَانَةُ مُؤْلِمَةٌ، وَلٰكِنَّ الهَوَانَ أَشَدُّ إِيلَامًا؛ فَالإِهَانَةُ جُرْحٌ يَأْتِي مِنْ خَارِجِ النَّفْسِ، وَالهَوَانُ يَدٌ تَنْهَضُ مِنْ دَاخِلِهَا لِتُسَلِّمَ الجُرْحَ مَفَاتِيحَهَا. مَنْ يُهَانُ قَدْ يَبْقَى عَزِيزًا، أَمَّا مَنْ يَرْضَ بِالهَوَانِ فَقَدْ شَارَكَ مُهِينَهُ فِي هَدْمِهِ. وَإِلَيْكِ أَقُولُ: مَا أَرَدْتُ لِحُبِّي أَنْ يَكُونَ عَلَيْكِ سُلْطَانًا، وَلَا لِحَنَانِي أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي يَدَيْكِ دَيْنًا. أُرِيدُهُ فَضَاءً يَسَعُكِ، وَسَكَنًا لَا يَضِيقُ بِحُرِّيَّتِكِ، وَقُرْبًا يَرْفَعُكِ وَلَا يَسْتَصْغِرُكِ. فَمَا أَجْمَلَ الحُبَّ حِينَ يَحْمِي الكَرَامَةَ، وَمَا أَقْبَحَهُ حِينَ يَتَذَرَّعُ بِاللهْفَةِ لِيَسْتَبِيحَهَا.
أَلَا لَيْتَ لِي فِي عُمْرِي حَيَاةً زَائِدَةً أَهَبُهَا لَكِ فَوْقَ حَيَاتِكِ؛ لَا لِأُطِيلَ عَدَدَ سِنِيكِ فَقَطْ، بَلْ لِأُكَثِّرَ فِيهَا مَوَاسِمَ الفَرَحِ، وَأَقْتَطِعَ مِنْ طَرِيقِكِ مَا أَسْتَطِيعُ مِنَ التَّعَبِ. لَيْتَ لِي عُمْرَيْنِ؛ وَاحِدًا أَعِيشُهُ مَعَكِ، وَآخَرَ أَفْرُشُهُ تَحْتَ خُطَاكِ لِئَلَّا تَمَسَّكِ حِجَارَةُ الطَّرِيقِ. لَسَكَبْتُ لَكِ شَهْدَ الحَنَانِ صَفْوًا لَمْ تَمَسَّهُ مَرَارَةٌ، وَقَطَفْتُ لَكِ مِنْ رَحِيقِ القَلْبِ زَهْرًا لَمْ تَذْبُلْهُ يَدُ الفُصُولِ. لَجَمَعْتُ لَكِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ لَحْظَتَهُ النَّقِيَّةَ، وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ ظِلَّهُ، وَمِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ أَلْطَفَ مَا فِيهَا؛ ثُمَّ بَنَيْتُ مِنْهَا عُمْرًا يَلِيقُ بِقَلْبٍ تَعِبَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ. وَلَمَحَوْتُ مِنْ ذَاكِرَتِكِ كُلَّ لَحْظَةٍ شَعَرْتِ فِيهَا أَنَّكِ وَحْدَكِ، وَكُلَّ طَرِيقٍ مَشَيْتِهِ دُونَ يَدٍ تُؤَانِسُ خُطْوَتَكِ، وَكُلَّ لَيْلٍ اضْطُرِرْتِ فِيهِ أَنْ تَكُونِي لِنَفْسِكِ الحِصْنَ وَالحَارِسَ وَالسِّرَاجَ. لَا لِأَمْحُوَ مَا صَنَعَ مِنْكِ هٰذِهِ المَرْأَةَ الَّتِي أُحِبُّ، وَلٰكِنْ لأُعِيدَ إِلَى تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ نِهَايَةً أَرْحَمَ، فَتَعْرِفَ كُلُّ غُرْبَةٍ فِيكِ أَنَّ لَهَا آخِرًا وَطَنًا.
أَمَّا أَنَا، فَحَسْبِي أَنْ أَضَعَ رَأْسِي عِنْدَ آخِرِ العُمْرِ عَلَى يَقِينٍ وَاحِدٍ: أَنَّ الأَعْوَامَ الَّتِي تَأَخَّرَتْ عَنْكِ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَسْرِقَ مِنِّي الأَعْوَامَ الَّتِي سَتَجِيءُ مَعَكِ. فَإِنْ كَانَ اللِّقَاءُ قَدْ تَأَخَّرَ، فَلَعَلَّهُ جَاءَ حِينَ صَارَ كُلٌّ مِنَّا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَعْرِفَ نِعْمَةَ الآخَرِ، وَأَنْ يَحْمِلَهَا دُونَ أَنْ يُسِيءَ حَمْلَهَا. وَإِنْ كَانَ الفِرَاقُ قَدْ مَرَّ بِنَا، فَمَا كَانَ إِلَّا مِحْرَاثًا شَقَّ أَرْضَ الرُّوحِ، لِتَجِدَ بُذُورُ اللِّقَاءِ مَوْضِعًا أَعْمَقَ لِلْجُذُورِ. وَحِينَ تَعُودُ شَمْسُكِ، لَنْ تَجِدَ قَلْبِي كَمَا تَرَكَتْهُ؛ سَتَجِدُهُ قَدْ حَفِظَ لَهَا دِفْأَهَا فِي الجَمْرِ، وَحَفِظَ مَكَانَهَا فِي الِارْتِجَافِ. سَتَجِدُ الشُّعْلَةَ لَا تَزَالُ بِالحَنِينِ تَتَّقِدُ، وَالقَلْبَ لَا يَزَالُ بِالشَّوْقِ يَرْتَجِفُ؛ غَيْرَ أَنَّهُ، هٰذِهِ المَرَّةَ، لَنْ يَحْتَرِقَ وَلَنْ يَبْرُدَ. سَيَهْدَأُ فِي حِضْنِكِ، كَقَمَرٍ وَجَدَ أَخِيرًا شَمْسَهُ.
