الشعر

قناديل رؤيا

أَمَانِيُّ لَكِنْ مَا لَهُنَّ مَثَالِبُ = حَلَبْنَ النُّهَى لَأْيًا وَهُنَّ مَخَالِبُ
تَوَسَّمَتِ الأَحْلَامُ فِيهِنَّ نُجْعَةً = فَلَمْ تَسْقِهَا غَيْرَ اليَبَابِ السَّحَائِبُ
تَلُوذُ إِلَى المِحْرَابِ حَتَّى كَأَنَّهَا = قَنَادِيلُ رُؤْيَا لَمْ تَطَأْهَا الغَيَاهِبُ
بَرِيقُ مَرَايَا يَسْلُبُ الظَّنَّ رَغْبَةً = تُثِيبُ النَّوَايَا تَارَةً وَتُعَاقِبُ
يُرَاوِدُ قَمْحَ القَصْدِ دَاعٍ وَحَاشِدٌ = وَيَجْنِي شَعِيرَ المَجْدِ عَادٍ وَعَائِبُ
وَمَنْ يَبْتَغِ الدُّولَارَ دِينًا فَإِنَّهُ = كَسِيحُ الرُّؤَى رَثُّ المَعَاذِيرِ نَاكِبُ
أَمَا تَتَّقِي فِي العَقْلِ وَالعَدْلِ فِتْنَةٌ = يُعَابُ بِهَا شَادٍ وَيُمْدَحُ نَاعِبُ
تُعَلِّقُ فِي حَبْلِ القَرَابِينِ رَأْسَهَا = وَتَلْعَقُ مِنْ عُشْبِ الثَّنَاءِ المَوَاهِبُ
لَقَدْ غَادَرَتْ أَرْضَ المَعَالِي لُيُوثُهَا = فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَضْبُعٌ وَثَعَالِبُ
فَلَا تُقْعِدَنَّ اللَّيْثَ مقْعَدَ ذِلَّةٍ = يُسَاوِمُهُ بِالخَسْفِ نَاهٍ وَنَاهِبُ
وَإِنَّ الأَبِيَّ الحُرَّ يَسْمُو عَنِ الخَنَا = وَلَا يَفْتَرِي إِنْ أَنْكَرَتْهُ الرَّوَاسِبُ
فَأَخْجَلُ مَا يُحْنِي الرِّقَابَ تَخَرُّصٌ = وَأَبْجَلُ مَا يَجْلُو القُلُوبَ المَنَاقِبُ
وَغَايَةُ جُهْدِ المَرْءِ فِي الخَوْضِ حِكْمَةٌ = فَإِنْ رَابَ رَأْيًا هَذَّبَتْهُ التَّجَارِبُ
وَمَا الحِلْمُ فِي الإِنْسَانِ إِلَّا تَجِلَّةٌ = يُفَنِّدُ بِالإِحْسَانِ مَا اعْتَلَّ خَائِبُ
وَلَيْسَ عَلَى ذِي الفَضْلِ شَرٌّ كَحَاسِدٍ = لَهُ الحِقْدُ زَادٌ وَالرِّيَاءُ مَشَارِبُ
إِذَا وُسِّدَ الحُكْمُ الحَصِيفُ لِجَاهِلٍ = سَيَرْغَبُ عَنْ أَهْلِ الحِجَا وَيُحَارِبُ
وَمِنْ آيَةِ الإِنْصَافِ عِلْمٌ وَحَيْدَةٌ = وَمِنْ شِيَةِ الإِسْفَافِ بَاغٍ وَصَاخِبُ
وَإِنِّي سَئِمْتُ الجَوْرَ مِنْ كُلِّ غَامِطٍ = وَأَنْ يَحْقُرَ السُّلْطَانَ فِي العَرْشِ حَاجِبُ
أَنَا القِمَّةُ القَعْسَاءُ لِلشَّعْرِ أَحْرُفِي = أَزَاهِيرُ نَحْلٍ لَا تَعِيهَا العَنَاكِبُ
تَعِزُّ عَلَى الجَافِي وَتَدْنُو لِعَارِفٍ = وَيُلْهَمُ أُسْتَاذٌ رُؤَاهَا وَطَالِبُ
أَنَا ابْنُ ضِيَاءِ الشَّمْسِ فِي مَوْسِمِ الدُّجَى = وَتَشْهَدُ لِي بَيْنَ الأَنَامِ المَوَاكِبُ
فَيَعْرِفُ فَخْرِي باِلبَيَانِ مَشَارِقٌ = وَيَعْرِفُ قَدْرِي فِي الزَّمَانِ المَغَارِبُ
يَسِيرُ زَمَانِي وَاليَقِينُ رِكَابُهُ = وَتَنْقَادُ طَوْعًا لِاحْتِكَامِي الرَّغَائِبُ
وَمَا شَرَّفَ الأَقْوَامَ إِلَّا كِفَاحُهُمْ = إِذَا احْتَدَمَتْ فَوْقَ الجُهُودِ المَصَاعِبُ
فَكَيْفَ يُحِيطُ البَدْرُ عِلْمًا بِشَمْسِهِ = وَكَيْفَ سَيُحْصِي الدُّرَّ فِي الْيَمِّ قَارِبُ
وَكَيْفَ يَرَى الجَوْزَاءَ مَنْ لَا يَرَى الدُّجَى = وَكَيْفَ يَعِي سَمْتَ المَعَانِي القُبَاقِبُ
تَسِيرُ نُجُومُ الشِّعْرِ فِي ظِلِّ خُطْوَتِي = وَتَسْعَى إِلَى بَابِ ارْتِقَائِي الكَتَائِبُ
وَلِي مَنْطِقٌ جَلَّ البَيَانُ بِسِحْرِهِ = تَشِيبُ بِمَنْ يَسْطُو عَلَيهِ المَطَالِبُ
وَإِنِّي وَأَيْمُ اللهِ مَا الشَّعْرُ مَذْهَبِي = وَلَكِنْ شُعُورُ القَلْبِ لِلشَّعْرِ ذَاهِبُ
وَمَا اللَّقَبُ المَرْجُوُّ إِلَّا لَجَاجَةٌ = كُفِيتُ بَلَاهَا بِالَّذِي أَنَا رَاغِبُ
وَإِنَّ سَمَاءَ المَجْدِ تَنْأَى بِقَدْرِهَا = إِذَا زَاحَمَتْ فِيهَا النُّجُومَ الكَوَاكِبُ
فَكَيْفَ إِذَا آذَى المَجَرَّةَ غَيْهَبٌ = وَعَابَ سَنَاهَا الإِمَّعَاتُ الجَنَادِبُ
وَلَولَا النَّدَى الدُّرِيُّ مِنْ قَلْبِ ذِي هُدَىً = لِعفْتُ المَدَى ضَاقَتْ عَلَيْهِ المَذَاهِبُ
وَإِنَّ لِأَهْلِ الفَضْلِ فِي النَّفْسِ حُظْوَةً = تَرَاقَى لِرَيَّاهَا النُّجُومُ الثَّوَاقِبُ
فَهَبْ لِي لِسَانَ الحَمْدِ فِي مَدْحِ مُنْصِفٍ = بِحَرْفٍ كَمَاءِ الوَرْدِ رَوَّاهُ سَاكِبُ
نَبِيلٍ سَقَانِي البِرَّ مِنْ حَوْضِ عِلْمِهِ = سُلَافَةَ رَأْىٍ لَمْ تَشُبْهُ الشَّوَائِبُ
يُبَادِرُ لَا يَرْضَى مِنْ الصَّوْتِ بِالصَّدَى = ولا يُدْرِكُ العَلْيَاءَ مَنْ لَا يُطَالِبُ
تَرَاهُ إِلَى الإِبْدَاعِ أَحْصَفُ مَنْ رَعَى = وَأَنْصَفُ مَنْ تَسْعَى إِلَيْهُ النَّجَائِبُ
جَبَرْتَ فُؤَادِي وَالَّذِي قُلْتَ خَالِدٌ = سَيَبْقَى جَوَادِي مَا دَهَتْنِي النَّوَائِبُ
أَرَى تَرْجُمَانَ الدَّهْرِ يَجْتَرُّ حَسْرَةً = عَلَى أُمَّةٍ دَالَتْ عَلَيْهَا النَّوَاصِبُ
وَحَالٍ بِلَحْنِ القَوْلِ تُبْدِعُ صَرْفَهَا = وَتَرْسُمُهَا فَوْقَ الذُّهُولِ الغَرَائِبُ
يُدَعُّ بِهَا حَبْرٌ وَيُعْبَدُ حَاكِمٌ = وَيُسْجَنُ ذُو تَقْوَى وَيُذْبَحُ كَاتِبُ
سَكَارَى كَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمْ = عَلَى أَيِّ صَوْبٍ سَوْفَ تَأْتِي المَصَائِبُ
تَدَاعَوْا إِلَى اللَّذَّاتِ وَالمَوْتُ نَادِلٌ = وَعَادَوا إِبَاءَ الذَّاتِ وَالقَهْرُ نَادِبُ
وَغَابُوا عَنِ الغَايَاتِ عَنْ كُلِّ هِمَّةٍ = وَعَابُوا النَّدَى وَالعَزْمَ إِنْ جَدَّ حَازِبُ
أَلَا كُلُّ مَعْنَى لِلجَمَالِ مُضَيَّعٌ = إِذَا زَيَّنَتْ قُبْحَ الفَسَادِ المَنَاصِبُ
فَلُولَا سُمُوُّ النَّفْسِ مَا ارْتَاحَ بَاسِرٌ = وَلَولَا عُلُوُّ الحَدْسِ مَا امْتَاحَ سَارِبُ
بَلَايَا البَرَايَا مِنْ فَسَادِ ضَمَائِرٍ = وَمِنْ نَزْعَةٍ لِلجُوَرِ حِينَ تُحَاسبُ
وَمِمَّا يُمِرُّ الكَأْسَ مِنْ حَنْظَلِ الأَسَى = أَنِ اسْتَمْرَأَ الصِّدِّيقُ مَا قَالَ كَاذِبُ
فَكَمْ مُخْلِدٍ أَلْقَى المَقَادِيرَ بَاطَلًا = يُفَاخِرُ شَأْوًا حَيْثُ تَهْفُو المَآرِبُ
وَكَمْ مُدَّعٍ عِلْمًا عَلَى ظَهْرِ رِقْعَةٍ = وَلِلْجَهْلِ فِيمَا صَبَّ سَاقٍ وشَارِبُ
وَكَمْ سَادِرٍ كَمْ فَاجِرٍ كَمْ مُتَاجِرٍ = كَأَنَّ لَهُمْ فِي السُّوءِ أَهْلٌ وَصَاحِبُ
أَلَا إِنَّ شَرَّ المُرْجِفَاتِ تَهَافُتٌ = وَأَخْسَرَ مَا يَرْجُو الرِّجَالُ المُوَارِبُ
مَتَى خَنَعَ الشَّاهِينُ وَالسَّبْعُ للِأَذَى = فَلَيْسَ عَجِيبًا أَنْ تَسُودَ الأَرَانِبُ
وَإِنْ ضَاعَ بَيْنَ القَوْمِ عَدْلٌ وَذِمَّةٌ = فَقَدْ ضَاعَ فِيهِمْ مُسْتَحَقٌّ وَوَاجِبُ
وَإِنَّ انْكِفَاءَ المَرْءِ فِي غَرْقَدِ الهَوَى = حَقِيقٌ بِأَنْ تُخْشَى عَلَيْهِ العَوَاقِبُ
أماني لكن ما لهن مثالب = حلبن النهى لأيا وهن مخالب
توسمت الأحلام فيهن نجعة = فلم تسقها غير اليباب السحائب
تلوذ إلى المحراب حتى كأنها = قناديل رؤيا لم تطأها الغياهب
بريق مرايا يسلب الظن رغبة = تثيب النوايا تارة وتعاقب
يراود قمح القصد داع وحاشد = ويجني شعير المجد عاد وعائب
ومن يبتغ الدولار دينا فإنه = كسيح الرؤى رث المعاذير ناكب
أما تتقي في العقل والعدل فتنة = يعاب بها شاد ويمدح ناعب
تعلق في حبل القرابين رأسها = وتلعق من عشب الثناء المواهب
لقد غادرت أرض المعالي ليوثها = فلم يبق إلا أضبع وثعالب
فلا تقعدن الليث مقعد ذلة = يساومه بالخسف ناه وناهب
وإن الأبي الحر يسمو عن الخنا = ولا يفتري إن أنكرته الرواسب
فأخجل ما يحني الرقاب تخرص = وأبجل ما يجلو القلوب المناقب
وغاية جهد المرء في الخوض حكمة = فإن راب رأيا هذبته التجارب
وما الحلم في الإنسان إلا تجلة = يفند بالإحسان ما اعتل خائب
وليس على ذي الفضل شر كحاسد = له الحقد زاد والرياء مشارب
إذا وسد الحكم الحصيف لجاهل = سيرغب عن أهل الحجا ويحارب
ومن آية الإنصاف علم وحيدة = ومن شية الإسفاف باغ وصاخب
وإني سئمت الجور من كل غامط = وأن يحقر السلطان في العرش حاجب
أنا القمة القعساء للشعر أحرفي = أزاهير نحل لا تعيها العناكب
تعز على الجافي وتدنو لعارف = ويلهم أستاذ رؤاها وطالب
أنا ابن ضياء الشمس في موسم الدجى = وتشهد لي بين الأنام المواكب
فيعرف فخري بالبيان مشارق = ويعرف قدري في الزمان المغارب
يسير زماني واليقين ركابه = وتنقاد طوعا لاحتكامي الرغائب
وما شرف الأقوام إلا كفاحهم = إذا احتدمت فوق الجهود المصاعب
فكيف يحيط البدر علما بشمسه = وكيف سيحصي الدر في اليم قارب
وكيف يرى الجوزاء من لا يرى الدجى = وكيف يعي سمت المعاني القباقب
تسير نجوم الشعر في ظل خطوتي = وتسعى إلى باب ارتقائي الكتائب
ولي منطق جل البيان بسحره = تشيب بمن يسطو عليه المطالب
وإني وأيم الله ما الشعر مذهبي = ولكن شعور القلب للشعر ذاهب
وما اللقب المرجو إلا لجاجة = كفيت بلاها بالذي أنا راغب
وإن سماء المجد تنأى بقدرها = إذا زاحمت فيها النجوم الكواكب
فكيف إذا آذى المجرة غيهب = وعاب سناها الإمعات الجنادب
ولولا الندى الدري من قلب ذي هدى = لعفت المدى ضاقت عليه المذاهب
وإن لأهل الفضل في النفس حظوة = تراقى لرياها النجوم الثواقب
فهب لي لسان الحمد في مدح منصف = بحرف كماء الورد رواه ساكب
نبيل سقاني البر من حوض علمه = سلافة رأى لم تشبه الشوائب
يبادر لا يرضى من الصوت بالصدى = ولا يدرك العلياء من لا يطالب
تراه إلى الإبداع أحصف من رعى = وأنصف من تسعى إليه النجائب
جبرت فؤادي والذي قلت خالد = سيبقى جوادي ما دهتني النوائب
أرى ترجمان الدهر يجتر حسرة = على أمة دالت عليها النواصب
وحال بلحن القول تبدع صرفها = وترسمها فوق الذهول الغرائب
يدع بها حبر ويعبد حاكم = ويسجن ذو تقوى ويذبح كاتب
سكارى كأن الناس لم يدر أيهم = على أي صوب سوف تأتي المصائب
تداعوا إلى اللذات والموت نادل = وعادوا إباء الذات والقهر نادب
وغابوا عن الغايات عن كل همة = وعابوا الندى والعزم إن جد حازب
ألا كل معنى للجمال مضيع = إذا زينت قبح الفساد المناصب
فلولا سمو النفس ما ارتاح باسر = ولولا علو الحدس ما امتاح سارب
بلايا البرايا من فساد ضمائر = ومن نزعة للجور حين تحاسب
ومما يمر الكأس من حنظل الأسى = أن استمرأ الصديق ما قال كاذب
فكم مخلد ألقى المقادير باطلا = يفاخر شأوا حيث تهفو المآرب
وكم مدع علما على ظهر رقعة = وللجهل فيما صب ساق وشارب
وكم سادر كم فاجر كم متاجر = كأن لهم في السوء أهل وصاحب
ألا إن شر المرجفات تهافت = وأخسر ما يرجو الرجال الموارب
متى خنع الشاهين والسبع للأذى = فليس عجيبا أن تسود الأرانب
وإن ضاع بين القوم عدل وذمة = فقد ضاع فيهم مستحق وواجب
وإن انكفاء المرء في غرقد الهوى = حقيق بأن تخشى عليه العواقب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى