الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

المواطنة عقد عدالة لا إذابة هوية

جدلية الانتماء بين احترام القانون العام وحماية الخصوصية الثقافية

يُولَد الإنسانُ في لغةٍ لم يخترها، وذاكرةٍ لم يكتبها، واسمٍ لم يضعه لنفسه، وحدودٍ لم يرسمها بيده. يأتي إلى العالم محمولًا على إرثٍ سابقٍ عليه، فيجد حوله أهلًا، ولسانًا، وبيئةً، ورموزًا، وعاداتٍ، وحكاياتٍ عن الذات والآخر، وعن الوطن والغريب، وعن الماضي والمستقبل. وليس في هذا كلّه ما يُعاب؛ فالإنسان لا ينشأ في فراغٍ أبيض، ولا تتكوّن روحه في هواءٍ بلا رائحة، بل يحتاج إلى جذرٍ أوّل يمنحه موضعه في الأرض، كما تحتاج الشجرة إلى تربةٍ تعرفها قبل أن تمدّ أغصانها في السماء.

غير أنّ الخطر يبدأ حين تتحوّل هذه المعطيات الأولى من ذاكرةٍ تُعين على الفهم إلى سجنٍ يمنع الإنصاف، ومن انتماءٍ يهب الإنسان طمأنينته الأولى إلى أداةٍ لقياس وطنيّة الآخرين. فالإنسان لا يملك الوطن لأنّه وُلد فيه قبل غيره، ولا يفقد حقّه فيه لأنّه جاء إليه بعد غيره. والأسبقيّة في المكان ليست صكّ امتلاكٍ للكرامة العامّة، كما أنّ الاختلاف في اللغة أو الدين أو العادة ليس تصريحًا بالإقصاء. الوطن أعمق من الدّم، وأوسع من الوثيقة، وأرقى من أن يُختزل في عادةٍ ثقافيّةٍ غالبة. إنّه بيتٌ عامّ، لا يقوم على تشابه الساكنين، بل على عدالة العَقد الذي يحميهم جميعًا.

ومن هنا ينبغي أن نبدأ تعريف المواطنة: ليست المواطنة أن يُشبه الفردُ الأغلبيّة، ولا أن يخلع المختلف ضميره على عتبة المجتمع كي ينال الاعتراف، ولا أن يذوب الوافد في ثقافة الغالب حتّى يُسمح له بالانتماء. المواطنة ليست امتحانًا في التشابه، بل عهدٌ في العدل. ليست شهادةَ تطابقٍ ثقافيّ، بل رابطةَ حقوقٍ وواجباتٍ تجمع المختلفين تحت قانونٍ عامٍّ يحمي الجميع من الجميع.

“المواطنة ليست امتحانًا في التشابه، بل عهدٌ في العدل. ليست شهادةَ تطابقٍ ثقافيّ، بل رابطةَ حقوقٍ وواجباتٍ تجمع المختلفين تحت قانونٍ عامٍّ يحمي الجميع من الجميع.”

الأغلبيّة، مهما اتّسع عددها وتجذّرت ذاكرتها، لا تملك ضمير الأقلّيّة. والأقلّيّة، مهما كانت خصوصيّتها أو هشاشتها أو حاجتها إلى الحماية، لا تملك حقّ نقض القانون العام أو تعطيل العَقد المشترك. هذه هي القاعدة التي لا ينهض وطنٌ عادلٌ بغيرها: لا انحياز للأغلبيّة لأنّها أغلبيّة، ولا انحياز للأقلّيّة لأنّها أقلّيّة، بل انحيازٌ للعدل حيث كان، ومقاومةٌ للظلم من أيّ جهةٍ جاء.

فالأغلبيّة تظلم حين تجعل ثقافتها الخاصّة قانونًا أخلاقيًّا مُلزِمًا للجميع، وحين تحوّل ذوقها إلى معيارٍ للمواطنة، ومألوفها إلى محكمةٍ على الضمائر، وعاداتها إلى شرطٍ للقبول. والأقلّيّة أو الوافد يظلم حين يطلب حقوق العَقد العام ثم يرفض واجباته، أو يتمتّع بحماية القانون ثم يحتقر النظام الذي يحميه، أو يتّخذ خصوصيّته ذريعةً للإكراه أو انتهاك حقوق الآخرين. العدل لا يسأل أوّلًا: من الأكثر عددًا؟ ولا: من الأشدّ خصوصيّة؟ بل يسأل: أين وقع الظلم؟ ومن انتهك الحقّ؟ ومن حوّل الهُويّة إلى سلاح، أو الخصوصيّة إلى تمرّد، أو الأغلبيّة إلى وصاية؟

ولهذا لا بدّ من تفريقٍ دقيقٍ بين القانون العامّ والذوق العامّ. القانون العامّ وظيفته حماية الحقوق، ومنع العدوان، وصون السِّلم المدني، وردع الإكراه، وضبط المصالح المشتركة. أمّا الذوق العامّ، في كثيرٍ من صوره، فهو حصيلةُ عادةٍ اجتماعيّةٍ أو مزاجٍ ثقافيٍّ أو ميراثٍ رمزيٍّ محترمٍ في مجاله، لكنّه لا يصلح وحده أن يكون مصدرًا للتجريم أو الإقصاء أو انتقاص المواطنة. ليس كلّ ما تستنكره الأغلبيّة ينبغي أن يتحوّل إلى مخالفةٍ قانونيّة، وليس كلّ ما يخالف مألوف المجتمع يُعدّ تهديدًا للوطن. وفي المقابل، ليس كلّ ما يريده الفرد باسم الحرّيّة ينبغي أن يُقبل إذا كان اعتداءً على غيره أو إكراهًا له أو انتهاكًا لحقوقه.

الميزان هنا ليس المزاج، بل الضرر. ليس الاستغراب، بل العدوان. ليس مخالفة العادة، بل انتهاك الحقّ. فمَن اختلف في طعامه أو لباسه أو معتقده أو طريقته في الاحتفال أو الامتناع عن الاحتفال، دون أن يعتدي على غيره، فمساحته من صميم حرّيّة الضمير. أمّا من أكره أو ظلم أو عنّف أو انتهك حقًّا باسم ثقافته أو دينه أو خصوصيّته، فقد خرج من دائرة الخصوصيّة إلى دائرة العدوان. عندها لا يعود الاختلاف حُجّةً له، بل يصبح القانون حُجّةً عليه.

هنا يظهر الفرق الجوهريّ بين الاندماج والذوبان. الاندماج التزامٌ مدنيّ راشد؛ أن يتعلّم الإنسان لغة المجال العامّ بالقدر الذي يتيح له المشاركة والفهم والتواصل، وأن يحترم القانون، وأن يقبل النظام الدستوري، وأن يشارك في الحياة العامّة دون انغلاقٍ عدائيّ، وأن يحترم حقوق الآخرين كما يطالبهم باحترام حقوقه. الاندماج يعني أنّك دخلت بيتًا مشتركًا، فعليك أن تعرف أبوابه، وتحترم نظامه، وتسهم في صيانته، ولا تتعامل معه كفندقٍ مؤقّتٍ تأخذ منه الخدمة ولا تبالي بسقفه إن تصدّع.

“الاندماج يصنع مواطنين، أمّا الذوبان فيصنع منافقين اجتماعيّين؛ أناسًا يقولون ما لا يؤمنون به، ويخفون ما لا ينبغي أن يُجبروا على إخفائه، ويعيشون في الخارج على صورةٍ لا تطابق الداخل.”

أمّا الذوبان فهو شيءٌ آخر. الذوبان أن يُطلب من الإنسان أن يحتقر أصله، أو يتخلّى قسرًا عن معتقده، أو يقلّد الأغلبيّة في كلّ شيء، أو يثبت وطنيّته بأن يتبرّأ من ذاكرته، أو يسلّم ضميره للمزاج الاجتماعي خوفًا من النبذ أو طلبًا للقبول. الاندماج يصنع مواطنين، أمّا الذوبان فيصنع منافقين اجتماعيّين؛ أناسًا يقولون ما لا يؤمنون به، ويخفون ما لا ينبغي أن يُجبروا على إخفائه، ويعيشون في الخارج على صورةٍ لا تطابق الداخل. والمجتمع الذي يفرض التشابه لا يلغي الاختلاف، بل يدفعه إلى السراديب حيث يتحوّل من تنوّعٍ طبيعيّ إلى احتقانٍ مكتوم.

ولا يستقيم هذا البناء إلا بركيزتين متلازمتين: لا وصاية على الضمير، ولا خصوصيّة فوق القانون. فمن جهة الضمير، لا يحقّ للدولة أو المجتمع أن يفرض على الإنسان أن يعتقد ما لا يؤمن به، أو أن يحبّ ما لا يحبّ، أو أن يأكل ما يرفض، أو أن يشرب ما يأباه، أو أن يحتفل بما يخالف قناعته، أو أن يتبنّى سلوكًا شخصيًّا يراه منافيًا لدينه أو أخلاقه، ما دام لا يعتدي على غيره. للإنسان حرمٌ داخليّ لا يجوز اقتحامه باسم الأغلبيّة، ولا باسم الحداثة، ولا باسم الدين، ولا باسم العلمانيّة، ولا باسم الوحدة الوطنيّة. الضمير ليس إدارةً حكوميّة، ولا لجنةً اجتماعيّة، ولا ساحةً عامّة يتناوب الناس على تفتيشها.

والدولة العادلة ليست واعظًا دينيًّا، وليست واعظًا علمانيًّا، وليست شرطةَ ذوق. ليست مهمّتها أن تجعل الناس متديّنين على صورةٍ بعينها، ولا متحرّرين على صورةٍ بعينها، ولا متشابهين في أطعمتهم وأعيادهم وأزيائهم وطرائق عيشهم. وظيفتها أن تحمي القانون والحقوق والسِّلم المدني، وأن تمنع العدوان والإكراه، وأن تضمن ألّا يتحوّل اختلاف الناس إلى قهرٍ متبادل. وحين تتحوّل الدولة إلى واعظ، ولو باسم قيمةٍ نبيلة، فإنّها تبدأ بتفتيش الضمير وتنتهي غالبًا إلى مصادرة الإنسان.

لكن حرّيّة الضمير لا تعني حصانة الهُويّة من القانون. فلا يحقّ لفردٍ أو جماعة أن يقولوا: ثقافتنا تسمح لنا بانتهاك حقوق غيرنا، أو ديننا يعفينا من القانون العامّ، أو خصوصيّتنا تبيح لنا الإكراه، أو عاداتنا تسمح بظلم المرأة أو الطفل أو المختلف، أو جماعتنا فوق الدولة. الهُويّة حقّ، لكنّها ليست سلاحًا. والخصوصيّة كرامة، لكنّها ليست رخصةً للعدوان. والثقافة ذاكرة، لكنّها لا تكون فوق العدل. لا يجوز للأغلبيّة أن تسحق المختلف باسم المجتمع، ولا يجوز للمختلف أن يخرق العَقد باسم الخصوصيّة.

“الهُويّة حين تنضج تمنح الإنسان عمقًا وكرامةً واستمراريّة، وحين تتوحّش تنقلب من بيتٍ للمعنى إلى خندقٍ للعدوان.”

بهذا المعنى، الهُويّة حقّ لا سلاح. للمجتمعات ذاكرةٌ ولغةٌ وتاريخٌ ورموز، ولا يليق بعقلٍ جادّ أن يستخفّ بها أو يعدّها تفاصيلَ ثانويّة. فلا وطن بلا ذاكرة، ولا مجتمع بلا لسانٍ عامّ، ولا استقرار بلا شعورٍ مشترك بأنّ الناس لا يعيشون في فندقٍ عابر، بل في بيتٍ له ماضٍ وسقفٌ ومصير. غير أنّ هذه الذاكرة لا تمنح أحدًا حقّ إذلال المختلف، كما أنّ خصوصيّة المختلف لا تمنحه حقّ تفكيك العَقد المشترك. الهُويّة حين تنضج تمنح الإنسان عمقًا وكرامةً واستمراريّة، وحين تتوحّش تنقلب من بيتٍ للمعنى إلى خندقٍ للعدوان.

ولعلّ صورة الزواج المدنيّ تضيء معنى المواطنة دون أن تختزله. فالرجل والمرأة يلتقيان غالبًا وهما آتيان من بيتين وذاكرتين وتربيتين ومزاجين، يحمل كلٌّ منهما عاداته في الطعام والكلام والصمت والفرح والغضب وترتيب الأشياء والنظر إلى العالم. ثم ينشئان بيتًا مشتركًا، لا يقوم على أن يمحو أحدهما الآخر، ولا على أن يُكره أحدهما صاحبه على أن يحبّ ما يحبّ، ويكره ما يكره، ويأكل ما يأكل، ويفكّر كما يفكّر. إنّ الزواج الناضج ليس ابتلاعًا متبادلًا، بل ميثاق عيش؛ عقد حقوقٍ وواجبات، وسقف رحمةٍ ومسؤوليّة، ومجال وفاءٍ لا مجال استحواذ.

في البيت المشترك، لا يحقّ لأحد الطرفين أن يقول للآخر: لن تكون شريكًا كاملًا حتّى تصبح نسخةً منّي. ولا يحقّ للآخر أن يقول: أريد دفء البيت وحقوقه، لكنّي أرفض كلّ واجبٍ يحفظه من الانهيار. هناك ما يخصّ البيت كلّه: أمنه، نفقته، نظامه، احترامه، حماية أفراده، وصيانة عهده. وهناك ما يخصّ كلّ فردٍ فيه: ضميره، ذوقه، ذاكرته، بعض عاداته، ومساحة نفسه التي لا يصحّ أن تُنتهك ما دامت لا تهدم البيت ولا تظلم الشريك. فإذا تحوّلت الشراكة إلى تسلّط ماتت المودّة، وإذا تحوّلت الخصوصيّة إلى تمرّدٍ على أصل العَقد تصدّع البيت.

وهكذا الوطن. إنّه بيتٌ مشترك لا يقوم على التشابه القسريّ ولا على الفوضى، بل على الوفاء بالعَقد مع احترام الخصوصيّة. لا يحقّ للأغلبيّة، بوصفها الطرف الأقوى أو الأقدم أو الأوسع عددًا، أن تفرض ذوقها الثقافيّ وطقوسها الخاصّة على الجميع. ولا يحقّ للأقلّيّة أو الوافد أو المختلف أن يطلب دفء البيت وحمايته ثم يرفض المشاركة في صيانة سقفه، أو احترام قانونه، أو الوفاء بواجباته. المواطنة العادلة تشبه زواجًا مدنيًّا بين المختلفين: لا تُلغي الخصوصيّة، ولا تُسقط الواجب؛ لا تُصادر الضمير، ولا تسمح بنقض القانون.

“المواطنة ليست إذابةً ثقافيّة، بل عقدُ عدالة. القانون العامّ للجميع، والضمير الشخصيّ لصاحبه، والحقوق لا تُصادر باسم الهُويّة، والواجبات لا تُرفض باسم الخصوصيّة.”

ومن هنا يمكن أن تُقال القاعدة الجامعة بلا تردّد: المواطنة ليست إذابةً ثقافيّة، بل عقدُ عدالة. القانون العامّ للجميع، والضمير الشخصيّ لصاحبه، والحقوق لا تُصادر باسم الهُويّة، والواجبات لا تُرفض باسم الخصوصيّة. هذه الصيغة ليست حلًّا بلاغيًّا، بل أساسٌ سياسيّ وأخلاقيّ. فالمجتمع الذي لا يفرّق بين القانون والذوق ينزلق إلى وصاية الأغلبيّة. والمجتمع الذي لا يفرّق بين الخصوصيّة والعدوان ينزلق إلى فوضى الجماعات. وبين الوصاية والفوضى تقع المواطنة العادلة: صعبة، دقيقة، لكنّها وحدها القادرة على أن تجعل الاختلاف مصدر ثراء لا مقدّمة احتراب.

إنّ أصعب ما في المواطنة أنّها لا تقبل الحلول السهلة. فمن السهل أن يقال للناس: تشابهوا كي تستقرّوا. ومن السهل أيضًا أن يقال لهم: افعلوا ما تشاؤون باسم الاختلاف. لكنّ التشابه القسريّ يقتل الروح، والاختلاف المنفلت يهدم العَقد. أمّا الطريق العادل فهو أن نؤسّس فضاءً عامًّا يتّسع للمختلفين دون أن يسمح لهم بالتظالم؛ وأن نحمي الخصوصيّات دون أن نجعلها معاول لهدم القانون؛ وأن نحترم ذاكرة الأغلبيّة دون أن نحوّلها إلى سلطةٍ على ضمير الأقلّيّة؛ وأن نحمي الأقلّيّة دون أن نمنحها حقّ تعطيل المجتمع أو ابتزاز القانون.

الوطن العادل ليس مكانًا بلا ملامح، ولا مكانًا بملامح مفروضة على الجميع. إنّه كيانٌ له ذاكرةٌ عامّة، ولغةُ مجالٍ عامّ، وقانونٌ جامع، ومؤسّساتٌ حارسة، وفي داخله مساحاتٌ رحبة للضمائر والخصوصيّات والعادات المتنوّعة. اللغة العامّة لا تعني إلغاء اللغات الخاصّة. والقانون العامّ لا يعني مصادرة الضمير. والذاكرة الوطنيّة لا تعني محو الذكريات الفرعيّة. والاندماج لا يعني التشابه الكامل. والاحترام لا يعني التطابق. والمساواة لا تعني إنكار الفروق، بل تعني ألّا تتحوّل الفروق إلى درجاتٍ في الكرامة.

وهذا هو الامتحان الأخلاقيّ الحقيقيّ لأيّ دولةٍ وأيّ مجتمع: كيف يُعامل من لا يشبهه؟ لا تظهر عدالة الوطن في احتفائه بمن يوافقون مزاجه العامّ، بل في قدرته على حماية من يختلفون عنه ما داموا أوفياء للعَقد، ملتزمين بالقانون، غير معتدين على حقوق سواهم. وفي المقابل، لا يظهر نضج الأقلّيّة أو الوافد في مقدار ما يطالب به من حقوق فقط، بل في مقدار فهمه لواجبات البيت المشترك، واحترامه للقانون العامّ، واستعداده للمشاركة في صيانة الوطن الذي يطلب منه الاعتراف والحماية.

إنّ المواطنة ليست بطاقةً تُمنح ثم تُترك بلا مضمون، ولا نشيدًا يردّده الناس في المناسبات، ولا ولاءً لفظيًّا للدولة، ولا تشابهًا ثقافيًّا مصطنعًا. المواطنة وعيٌ بالعَقد: أن يعرف الإنسان ما له وما عليه، وأن يدرك أنّ حقوقه لا تكتمل إلا بقبوله حقوق غيره، وأنّ خصوصيّته لا تُصان إلا في ظلّ قانونٍ يصون خصوصيّات الآخرين، وأنّ حرّيّته لا تكون حقيقيّة إذا تحوّلت إلى إكراهٍ لغيره، وأنّ انتماءه لا يكون ناضجًا إذا احتاج إلى إذلال المختلف كي يثبت نفسه.

لذلك ينبغي أن نعيد بناء معنى الوطن في الوعي المدنيّ: الوطن ليس أن يتشابه الناس حتّى لا يختلفوا، بل أن يتعلّموا كيف يختلفون دون أن يتظالموا. ليس أن يُمحى الخاصّ لصالح العامّ، ولا أن يُهدم العامّ لصالح الخاصّ، بل أن يقوم بينهما ميزانٌ دقيق؛ يحمي السقف المشترك، ويترك لكلّ روحٍ نافذتها. وإذا كان للوطن من معنى أخلاقيّ عميق، فهو أن يستطيع أن يقول لأبنائه جميعًا: لكم في هذا البيت حقٌّ مصون، وعليكم له عهدٌ لازم؛ لا يملك أحدكم ضمير الآخر، ولا يملك أحدكم هدم السقف على رؤوس الجميع.

هنا فقط تصبح المواطنة عقدًا كريمًا لا صفقة إذعان، وبيتًا للكرامة لا معسكرًا للتشابه، ووعدًا بأن يظلّ الإنسان كامل الحقّ، واضح الواجب، حرّ الضمير، ملتزمًا بالعدل. وهنا فقط نستطيع أن نخرج من ثنائيّةٍ مدمّرة: أغلبيّة تريد وطنًا على صورتها وحدها، أو خصوصيّات تريد حقوق الوطن دون عهده. فالوطن ليس مرآة طرفٍ واحد، ولا ساحة فرارٍ من القانون، بل بيتُ عدالةٍ مفتوحٌ لمن يحفظ عهده، ويحترم اختلاف ساكنيه، ويعرف أنّ السقف، إن سقط، لا يختار فوق أيّ رأسٍ ينهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى