الشعر

غرقى الذات

مِنِّي إِلَى الشَّمْسِ، مِنْ قَلْبِي إِلَى رُوحِي = لا يَمْنَحُ الظِّلُّ ضَوْءًا غَيْرَ مَمْنُوحِ
إِنَّي احْتَسَبْتُ عَذَارَى البَذْلِ فِي أُفُقِي = فَمَا تَؤُزُّ سَحَابِي شَهْوَةُ الرِّيحِ
لِي نَفْسُ بَرٍّ يَزِينُ الدَّهْرَ سَوْسَنُهَا = وَمَا تَلَكَّأُ إِنْ قَالَ النَّدَى فُوحِي
وَلِي بَرَاءَةُ حُلْمٍ ظَلَّ يَكْلَؤُهُ = فِي حَوْمَةِ الغَيْبِ مِيرَاثُ التَّبَارِيحِ
فَرَاسَةٌ كُلَّمَا أُغْوَى النُّهَى ذَلَقٌ = لَمْ تَسْتَعِنْ ثَمَّ إِلَّا بِالَّذِي يُوحِي
وَحِكْمَةٌ رُبَمَا اللهُ اِجْتَبَاهُ بِهَا = بِسَجْدَةِ الحُبِّ فِي وَتْرِ التَّرَاوِيحِ
لَكَمْ سَتَرْتُ جَوَى الأَشْوَاقِ فِي خَلَدِي = حَتَّى بُلِيتُ بِقَلْبٍ جِدِّ مَفْضُوحِ
فَسِرُّنَا فِي الهَوَى المَكْتُومِ مُنْبَلِجٌ = مِنْ بَابِ فَضْلٍ لِأَهْلِ العِشْقِ مَفْتُوحِ
فِي بُحَّةِ الصَّمْتِ فِي نَايِ المُنَى شَجَنٌ = فَهَلْ طَرِبْتِ بِنَايٍ غَيْرِ مَبْحُوحِ
وَأَلْمَعِيَّةُ مَعْنًى مَرَّ بِي شَغَفًا = ما بَيْنَ حَيْرَةِ مَلْمُوحٍ وَمَمْلُوحِ
مَا زَالَ يَعْجَزُ مَذْهُولًا بِمَا اتَّهَمَتْ = عَنْ شَرْحِ قَصْدٍ حَيِيِّ اللَّفْظِ مَشْرُوحِ
يَا مَنْ يُجَادِلُ فِي المِصْبَاحِ شَمْسَ ضُحَىً = لا تَأْفُلُ الشَّمْسُ مِنْ ضَوْءِ المَصَابِيحِ
مُنْذُ اسْتَزَلَّ الوَرَى لِلأَرْضِ إِثْمُ هَوَىً = مَا ثَمَّ إِلَّا الأَنَا تَخْتَالُ فِي السُّوحِ
مَنْ كَانَ يَطْلُبُ صَقْرَ المَجْدِ فِي أُفُقٍ = فَلَيْسَ يَفْقِسُ مِنْ بَيْضِ التَّمَاسِيحِ
لَا يَبْلُغُ المَجْدَ مَنْ لَانَتْ عَزَائِمُهُ = وَلَا الَّذِي قَدْ سَرَى فِي رَكْبِ مَقْبُوحِ
وَمِصْرُ لَمْ تَتَّخِذْ دِيرُوطَ عَاصِمَةً = وَلَمْ تُرَاهِنْ عَلَى شَأْوٍ بِمَطْرُوحِ
إِنْ كَانَ يُونُسُ فِي مَرْحُومِ مِحْنَتِهِ = لَمْ يَنْجُ إِلَّا بِتَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحِ
فَكَيْفَ يَنْجُو الَّذِي لَمْ يُؤْتَ نُونَ نِدَا = مِنِ الَّتِي اِغْتَرَبَتْ عَنْ رُوحِ مَجْرُوحِ
مَنْ يَعْشَقِ الرَّوْضَ يَسْقِ الفَرْضَ مَوْثِقَهُ = وَلَا يُجَادِلُ عَنْ لَاحٍ وَعَنْ لُوحِ
وَلَا يُقَدِّمُ رَأَيًا خَوْضَ زَعْنَفَةٍ = مَهْمَا اسْتَقَامَ عَلَى الصِّيدِ المَرَاجِيحِ
إِنَّي صَنْعَتُ لِمَنْ يَرْتَادُ فُلْكَ رُؤَىً = فَكَيفَ يَسْخَرُ غَرْقَى الذَّاتِ مِنْ نُوحِي
وَكَيْفَ يَمْتَدُّ عذْقِي فِي مَدَى لُغَتِي = وَلَا يَرَاهُ الحَيَارَى دَرْبَ تَصْحِيحِ
وَالشِّعْرُ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيْفًا بِمُعْتَرَكٍ = فَمَا انْتِفَاعُ النُّهَى مِنْ أَيِّ تَوْشِيحِ
يَا غَايَةَ الرُّوحِ هَلْ فِي العِشْقِ مَظْلَمَةٌ = مِنْ بَعْدِ هَجْرٍ وَدَمْعٍ فِيكِ مَسْفُوحِ
وَالعَقْلُ فِي حَضْرَةِ الوِجْدَانِ مُنْكَسِرٌ = فَلَيْسَ يَقْوَى عَلَى حُكْمٍ وَتَرْجِيحِ
إِنَّ المَحَبَّةَ قَدْ جَلَّتْ مَقَاصِدُهَا = عَنْ كُلِّ قَوْلٍ وَعَنْ زَيْفٍ وَتَصْرِيحِ
كَأَنَّنَا فِي مَتَاهَاتِ الدُّجَى صُوَرٌ = تَرْجُو الخَلَاصَ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَمْدُوحِ
فَبَادِلِينِي نَقَاءَ الوُدِّ وَاقْتَرِبِي = وَبِالأَحَادِيثِ عَنْ طُهْرِ الهَوَى بُوحِي
لَا تَظْلِمِينِي بِرَيْبٍ فِيكِ يَخْذُلُنِي = يَرِفُّ مِنْهُ فُؤَادِي غَيْرَ مَذْبُوحِ
إِنْ لَمْ تَضُوعِي إِلَى نَيْرُوزِ ذَاكِرَتِي = فَلَا تَضِيعِي بِتَلْوِيحٍ وَتَطْوِيحِ
وَإِنْ سَخِطْتِ عَلَى عُنْقُودِ دَالِيَتِي = فَلَا تَشِيحِي بِوَجْهِ السُّخْطِ عَنْ شِيحِي
مَنْ يُغْلِقِ البَابَ يَعْرِفْ كَيْفَ يَفْتَحُهُ = فَالفَتْحُ وَالغَلْقُ مِنْ ذَاتِ المَفَاتِيحِ
مَا ارْتَدَّ عَنْكِ سَنَا الوِجْدَانِ مِنْ نَزَقٍ = وَلَا اجْتَرَحْتُ بِكِبْرٍ مَتْنَ تَجْرِيحِ
وَلَا تَثَاءَبَ فِيهِ الشَّوْقُ ذَاتَ دُجَىً = فَأَنْتِ كَوْكَبُهُ الدُّرِّيُّ يَا يُوحِي
مَا قُلْتُ إِلَّا سَلَامًا، فِيكِ أَنْشُدُهُ = وَلَا غَضَاضَةَ فِي قَدْحٍ وَتَنْقِيحِ
لَكِنَّ لِلحُبِّ مِيثَاقًا وَلِي ثِقَةً = وَلِلمَعَانِي اجْتِلَاءَ الأَنْفُسِ الفِيحِ
فَإِنْ تَحَلَّيْتِ كُنْتِ الرُّوحَ فِي جَسَدٍ = وَإنْ تَخَلَّيْتِ صِرْتِ الطَّيْفَ فِي الرُّوحِ
مني إلى الشمس، من قلبي إلى روحي = لا يمنح الظل ضوءا غير ممنوح
إني احتسبت عذارى البذل في أفقي = فما تؤز سحابي شهوة الريح
لي نفس بر يزين الدهر سوسنها = وما تلكأ إن قال الندى فوحي
ولي براءة حلم ظل يكلؤه = في حومة الغيب ميراث التباريح
فراسة كلما أغوى النهى ذلق = لم تستعن ثم إلا بالذي يوحي
وحكمة ربما الله اجتباه بها = بسجدة الحب في وتر التراويح
لكم سترت جوى الأشواق في خلدي = حتى بليت بقلب جد مفضوح
فسرنا في الهوى المكتوم منبلج = من باب فضل لأهل العشق مفتوح
في بحة الصمت في ناي المنى شجن = فهل طربت بناي غير مبحوح
وألمعية معنى مر بي شغفا = ما بين حيرة ملموح ومملوح
ما زال يعجز مذهولا بما اتهمت = عن شرح قصد حيي اللفظ مشروح
يا من يجادل في المصباح شمس ضحى = لا تأفل الشمس من ضوء المصابيح
منذ استزل الورى للأرض إثم هوى = ما ثم إلا الأنا تختال في السوح
من كان يطلب صقر المجد في أفق = فليس يفقس من بيض التماسيح
لا يبلغ المجد من لانت عزائمه = ولا الذي قد سرى في ركب مقبوح
ومصر لم تتخذ ديروط عاصمة = ولم تراهن على شأو بمطروح
إن كان يونس في مرحوم محنته = لم ينج إلا بتهليل وتسبيح
فكيف ينجو الذي لم يؤت نون ندا = من التي اغتربت عن روح مجروح
من يعشق الروض يسق الفرض موثقه = ولا يجادل عن لاح وعن لوح
ولا يقدم رأيا خوض زعنفة = مهما استقام على الصيد المراجيح
إني صنعت لمن يرتاد فلك رؤى = فكيف يسخر غرقى الذات من نوحي
وكيف يمتد عذقي في مدى لغتي = ولا يراه الحيارى درب تصحيح
والشعر إن لم يكن سيفا بمعترك = فما انتفاع النهى من أي توشيح
يا غاية الروح هل في العشق مظلمة = من بعد هجر ودمع فيك مسفوح
والعقل في حضرة الوجدان منكسر = فليس يقوى على حكم وترجيح
إن المحبة قد جلت مقاصدها = عن كل قول وعن زيف وتصريح
كأننا في متاهات الدجى صور = ترجو الخلاص بوجه غير ممدوح
فبادليني نقاء الود واقتربي = وبالأحاديث عن طهر الهوى بوحي
لا تظلميني بريب فيك يخذلني = يرف منه فؤادي غير مذبوح
إن لم تضوعي إلى نيروز ذاكرتي = فلا تضيعي بتلويح وتطويح
وإن سخطت على عنقود داليتي = فلا تشيحي بوجه السخط عن شيحي
من يغلق الباب يعرف كيف يفتحه = فالفتح والغلق من ذات المفاتيح
ما ارتد عنك سنا الوجدان من نزق = ولا اجترحت بكبر متن تجريح
ولا تثاءب فيه الشوق ذات دجى = فأنت كوكبه الدري يا يوحي
ما قلت إلا سلاما، فيك أنشده = ولا غضاضة في قدح وتنقيح
لكن للحب ميثاقا ولي ثقة = وللمعاني اجتلاء الأنفس الفيح
فإن تحليت كنت الروح في جسد = وإن تخليت صرت الطيف في الروح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى