الشعر
محراب سجوي
دَعِينِي أَسْتَرِدُّكِ مِنْ سُكُونِ = وَأَمْسَحُ عَنْكِ آلامَ السِّنِينِ دَعِينِي أَسْتَقِي عَيْنَيكِ صَمْتًا = وَأَرْوِي الْدَّوْحَ بَوْحَ اليَاسَمِينِ دَعِينِي يَا حَبِيبَةُ إِنَّ قَلْبِي = حَمِيمُ الوُدِّ مَحْمُومُ الشُّجُونِ سَقَاهُ الدَّهْرُ مِنْ شَهْدٍ وَصَابٍ = فَمَا عَقَرَ المَوَدَّةَ لِلخَدِينِ وَطَافَ بِهِ الْجَمَالُ يَتُوقُ حَجًّا = فَمَا لَبَّى لِغَيْرِكِ بِالْحَنِينِ تَوَضَّأَ بِالمَحَبَّةِ مِنْكِ نَهْرًا = طَهُورَ النَّبْعِ فيَّاضَ الْمَعِينِ وَنَاغَى الرُّوحَ طَيفُكِ فِي دَلالٍ = كَتَغْرِيدِ البَلابِلِ فِي الغُصُونِ بِشِعْرٍ مِنْ رَحِيقِ الشَّوْقِ أَشْهَى = وَنَثْرٍ سَحَّ مِنْ شَهْدٍ هَتُونِ وَزَادَ تَعَلُّقي بِكِ صِدْقُ عَزْمٍ = وَعِزَّةُ جَانِبٍ فِي بَعْضِ لِينِ وَقَلْبٌ فَالِقُ الإِحِسَاسِ يَسْمُو = إِلَى الدَّرَجاتِ في الشَّرَفِ المَصُونِ تَبَسَّمَ بِالوَفَاءِ فَكَانَ صَفْوًا = وَأَشْرَقَ وُدُّهُ فِي كُلِّ حِينِ يَحثُّ خُطَى الفُؤَادِ إِلَى شِغَافٍ = بِهِا آوي إِلَى رُكْنِ مَكِينِ أَنَا يَعْقُوبُ فَقْدِكِ بِتُّ أَهْذِي = فَأَيْنَ قَمِيصُ وَصْلِكِ عَنْ جُنُونِي تَسَوَّرَتِ المُدَى مِحْرَابَ سَجْوِي = وَكُنْتُ عَلَى شَفَا حَرَضٍ فَكُونِي تَكَادُ مَشَاعِرِي مِنْ خَلْفِ هَدْئِي = تُلَوِّحُ بِاليَسَارِ وَبِاليَمِينِ تُنَازِعُنِي الفِرَارَ إِلَيكِ مِنِّي = فَأُرْدِي صَبْوَتَي وَأَرُدُّ طِينِي إِذَا غَفَلَتْ عُيُونُ النَّاسِ لَيْلًا = تَرَبَّصَ طَيْفُ حُبِّكِ فِي شُؤُونِي لِيَحْفِرَ فِي جِدَارِ الرُّوحِ نَقْشًا = بِحَبْلَ الوُدِّ فِي عَقْدٍ مَتِينِ أَكَابِرُ لا الوَقَارُ يَذُودُ عَنِّي = وَلا سِنَةٌ مِنَ النَّجْوَى تَقِينِي وَأَنْتِ عَلَى الرُّؤَى يسْلِيكِ رَيْبٌ = وَتُسْلِمُكِ الظُّنُونُ إِلَى الظُّنُونِ تَغلُّ هَوَاكِ أَرْوِقَةُ المَرَايَا = وَتُوغِلُ فِيَّ مِطْرَقَةُ المَنُونِ وَيَنْضَحُ دَلْوُ ظَنِّكِ مِنْ عَذُولٍ = وَيَنْضَحُ ظَنُّ دَلْوِي مِنْ يَقِينِ أَنُوءُ بوِزْرِ مَنْ جَرَّبْتِ قَبْلِي = وَأَحْمِلُ زَوْرَةَ الزَّمَنِ الخَؤُونِ وَمَا قَلْبِي لِغَيْرِ هَوَاكِ يَهْفُو = وَعَهْدُ الحُبِّ فِي شَرَفٍ ضَمِينِ رَعَيْتُكِ فِي حَنَايَا الرُّوحِ حُلْمًا = وَمَا فِي الحُلْمِ غَيْرُكِ مِنْ قَرِينِ كَتَمْتُ العِشْقَ حَتَّى فَاضَ دَمْعِي = وَبَوْحُ الشَّوْقِ فِي سِرٍّ مُبِينِ وَكَمْ خَاضَ الفُؤَادُ غِمَارَ شَوْقٍ = فَعَادَ بِلَوْعَةِ الصَّبِّ الطَّعِينِ فَفُكِّي قَيْدَ رُوحٍ ذَابَ فِيهَا = جَوَى الأَشْوَاقِ فِي أَمَلٍ سَجِينِ يُبَجَّلُ فِي العُلا مَنْ كَانَ مِثْلِي = وَيَنْحَلُ بِالْمُنَى مَنْ كَانَ دُونِي وَمِنْ زَيْتٍي سِرَاجُ البِّرِّ يَزْكُو = وَمِنْ ثقتي وَمِنْ خُلُقِي وَدِينِي وَإِنِّي الطَارِقُ المُنْبَثُّ فَجْرًا = وَبَارِقُ غَيمَتِي سُقْيَا الأَمِينِ أَلَمْ تَجِدِي الجَوَى يَقْتَاتُ عُمْرِي = وَيَفْعَلُ بِي وَيَعْبَثُ فِي حُصُونِي فَضُمِّي يا حَبِيبَةُ قَلْبَ صَبٍّ = وَقُورَ الطَّبْعِ مَكْبُوتَ الأَنِينِ غَدَوْتِ لَهُ الطُّمُوحَ إِلَى المَعَالِي = يُرَاوِدُ رِئْمَ قَلْبِكِ لِلعَرِينِ وَقَدْ أَغْلَى هَوَاكِ فَصِرْتِ تَاجًا = نَفِيسَ القَدْرِ مَفْخَرَةَ الْجَبِينِ بِشَوْقِ الكَوْنِ قَدْ مَخَرَتْ قِلاعِي = وَفِي دُنْيَاكِ أَرْسَتْ بِالسَّفِينِ عَلَى شَفَتَيْكِ قَدْ ذَابَتْ حُرُوفِي = وَفِي عَيْنَيْكِ قَدْ غَابَتْ عُيُونِي وَهَامَ بِعِطْركِ الوُجْدَانُ حَتَّى = أَسَرْتِ فُؤَادَ مَنْبَهِرٍ رَزِينِ وَلَوْلا حِرْصُ مُحْتَشِمٍ لَصَارَتْ = دُمُوعًا فِي الشِّغَافِ وَفِي الجُفُونِ تَعِبْتُ مِنَ الأَنِينِ لِطُولِ حُزْنِي = فَأَيْنَ رُؤَى السُّرُورِ مِنَ الْحَزِينِ وَكُنَّا وَالفِرَاقَ رِفَاقَ دَرْبٍ = وَقَدْ أَزِفَ اللِقَاءُ فَقَرِّبِينِي
دعيني أستردك من سكون = وأمسح عنك آلام السنين دعيني أستقي عينيك صمتا = وأروي الدوح بوح الياسمين دعيني يا حبيبة إن قلبي = حميم الود محموم الشجون سقاه الدهر من شهد وصاب = فما عقر المودة للخدين وطاف به الجمال يتوق حجا = فما لبى لغيرك بالحنين توضأ بالمحبة منك نهرا = طهور النبع فياض المعين وناغى الروح طيفك في دلال = كتغريد البلابل في الغصون بشعر من رحيق الشوق أشهى = ونثر سح من شهد هتون وزاد تعلقي بك صدق عزم = وعزة جانب في بعض لين وقلب فالق الإحساس يسمو = إلى الدرجات في الشرف المصون تبسم بالوفاء فكان صفوا = وأشرق وده في كل حين يحث خطى الفؤاد إلى شغاف = بها آوي إلى ركن مكين أنا يعقوب فقدك بت أهذي = فأين قميص وصلك عن جنوني تسورت المدى محراب سجوي = وكنت على شفا حرض فكوني تكاد مشاعري من خلف هدئي = تلوح باليسار وباليمين تنازعني الفرار إليك مني = فأردي صبوتي وأرد طيني إذا غفلت عيون الناس ليلا = تربص طيف حبك في شؤوني ليحفر في جدار الروح نقشا = بحبل الود في عقد متين أكابر لا الوقار يذود عني = ولا سنة من النجوى تقيني وأنت على الرؤى يسليك ريب = وتسلمك الظنون إلى الظنون تغل هواك أروقة المرايا = وتوغل في مطرقة المنون وينضح دلو ظنك من عذول = وينضح ظن دلوي من يقين أنوء بوزر من جربت قبلي = وأحمل زورة الزمن الخؤون وما قلبي لغير هواك يهفو = وعهد الحب في شرف ضمين رعيتك في حنايا الروح حلما = وما في الحلم غيرك من قرين كتمت العشق حتى فاض دمعي = وبوح الشوق في سر مبين وكم خاض الفؤاد غمار شوق = فعاد بلوعة الصب الطعين ففكي قيد روح ذاب فيها = جوى الأشواق في أمل سجين يبجل في العلا من كان مثلي = وينحل بالمنى من كان دوني ومن زيتي سراج البر يزكو = ومن ثقتي ومن خلقي وديني وإني الطارق المنبث فجرا = وبارق غيمتي سقيا الأمين ألم تجدي الجوى يقتات عمري = ويفعل بي ويعبث في حصوني فضمي يا حبيبة قلب صب = وقور الطبع مكبوت الأنين غدوت له الطموح إلى المعالي = يراود رئم قلبك للعرين وقد أغلى هواك فصرت تاجا = نفيس القدر مفخرة الجبين بشوق الكون قد مخرت قلاعي = وفي دنياك أرست بالسفين على شفتيك قد ذابت حروفي = وفي عينيك قد غابت عيوني وهام بعطرك الوجدان حتى = أسرت فؤاد منبهر رزين ولولا حرص محتشم لصارت = دموعا في الشغاف وفي الجفون تعبت من الأنين لطول حزني = فأين رؤى السرور من الحزين وكنا والفراق رفاق درب = وقد أزف اللقاء فقربيني
