الشعر

المداد دم

في رثاء الشيخ أحمد ياسين

الحُزْنُ يَكْتُبُ فِي قَلْبِي وَيخْتَصِمُ = فَكَيْفَ تَخْذُلُ حَرْفِي أَيُّهَا القَلَمُ
لَقَدْ كَتَبْتَ وَمُوقُ القَلْبِ نَاضِبَةٌ = فَكَيْفَ تَصْمُتُ عَجْزًا وَالمِدَادُ دَمُ
أُكْتُبْ وَسَطِّرْ وَفَجِّرْ كُلَّ قَافِيَةٍ = وَابْذُلْ بِدَمْعِكَ مَا لا تَبْذُلُ الدِّيَمُ
الدَّمْعُ يَسْفَحُ مَا أُخْفِي فَيُغْرِقُنِي = وَالنَّارُ تَلْفَحُ فِي صَدْرِي وَتَضْطَرِمُ
وَالوَجْدُ يَخْفِقُ فِي الوُجْدَانِ لا جَزَعًا = وَإِنَّمَا غَضَبًا أَنْ تَرْضَخَ الهِمَمُ
أُكْتُبْ فَإِنَّ مُصَابِي اليَوْمَ ذُو جَلَلٍ = تَكَادُ مِنْ هَوْلِهِ الأَرْكَانُ تَنْقَصِمُ
غَابَ السِّرَاجُ وَمَا غَابَ الضِّيَاءُ بِهِ = وَأَظْلَمَ البَدْرُ لَمْ يَشْفَعْ لَهُ تَمَمُ
وَأَجْفَلَ الفَجْرُ أَنْ تُنْعَى بِغُرَّتِهِ = شَمْسُ الوُجُودِ وَأَنْ تَسْتَبْشِرَ الرَّخَمُ
قَضَى الإِمَامُ شَهِيدًا فَاحْتَفَتْ زُحَلٌ = بِمَا أَصَابَ وَبُشَّتْ لِلنَّدَى النُّجُمُ
وَأَقْبَلَتْ مِنْ جِنَانِ الخُلْدِ عَابِقَةٌ = مِنَ النَّسِيمِ تَحُفُّ الرُّوحَ، وَالسَّلَمُ
وَأَشْرَقَ الوَجْهُ فِي طُهْرٍ وَفِي جَذَلٍ = كَأَنَّهُ مِنْ سَنَاءِ النُّورِ يَبْتَسِمُ
أَبَا مُحَمَّدِ إِنَّ النَّفْسَ مُطْرِقَةٌ = وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالأَحْزَانُ تَحْتَدِمُ
أَبَا مُحَمَّدِ لا غَابَتْ شُمُوسُكُمُ = عَنِ القُلُوبِ وَلا أَوْهَى بِهَا الأَلَمُ
عَلَى فِرَاقِكَ فَلْيَبْكِ الرِّجَالُ دَمًا = وَلْيُطْرِقِ الكَوْنُ وَلْيُسْتَنْطَقِ البَكَمُ
أَيَا سَمِيَّ رَسُولِ اللهِ تَهْنِئَةً = نُلْتَ المرَامَ وَنَالُوا الخُسْرَ وَانْهَزَمُوا
رُمْتَ الشَّهَادَةَ يَا شَيْخِي فَفُزْتَ بِهَا = وَمَا لِمِثْلِكَ إِلا الفَوْزُ وَالكَرَمُ
أَقْسَمْتَ بِاللهِ أَنْ تَحْيَا بِمَنْهَجِهِ = حُرًّا أَبِيًّا فَتَمَّ العَهْدُ وَالقَسَمُ
وَكَمْ تَمَنَّيْتَ رُضْوَانًا وَمَغْفِرَةً = فَاهْنَأْ بِصُحْبَةِ مَنْ فِي قُرْبِهِمْ نِعَمُ
يَا شَيْخُ أَحْمَدُ طِبْ نَفْسًا فَقَدْ غَرَسَتْ = يَدَاكَ مِنْ ثَمَرَاتِ العِزِّ مَا طَعِمُوا
فَكُنْتَ أَنْصَعَ نِبْرَاسٍ لِمَنْ جَهِلُوا = وَكُنْتَ أَسْطَعَ مِقْيَاسٍ لِمَنْ عَلِمُوا
وَكُنْتَ خَيْرًا عَلَى الكُرْسِيِّ مِنْ نُجُبٍ = مِنَ الرِّجَالِ وَمَنْ تَسْعَى بِهُمْ قَدَمُ
فَمِثْلُ عَزْمِكَ مَا قَدْ أَبْصَرَتْ مُقَلِي = وَمِنْ طِرَازِكَ لَمَّا تُنْجِبِ الأُمَمُ
وَمَا لِجُهْدِكَ نِدٌّ يَا جَوَادَ يَدٍ = وَمَا لِوَصْفِكَ إِلا أَنَّكَ الهَرَمُ
وَفَاجِرٌ مَدَّهُ فِي غِيِّهِ صَلَفٌ = حَتَّى تَغَوَّلَ فِي آلاتِهِ العَدَمُ
يُرِيدُ حَتْفَكَ مَا أَغْبَاهُ مِنْ نَجِسٍ = وَكَيْفَ يَرْشُدُ مَنْ تَسْتَحْقِرُ البُهُمُ
وَكَيْفَ يَعْلَمُ هَذَا المُمْتَرِي سَفَهًا = أَنَّ الشَّهَادَةَ تُحْيِي وَالرَّدَى يَصِمُ
مَا مُتَّ فِيْنَا وَمَاتَ الجُلُّ مِنْ وَجَلٍ = بَلْ زِدْتَ قَدْرًا وَزَادَ العَزْمُ وَالشَّمَمُ
قَدْ عِشْتَ رَمْزًا لأَهْلِ العِزِّ قَاطِبَةً = وَقَدْ قَضَيْتَ وَأَنْتَ الرَّمْزُ وَالعَلَمُ
لَئِنْ تَصَرَّمَ عَهْدٌ وَانْقَضَى أَجَلٌ = فَإِنَّ عَهْدَكَ فِينَا لَيْسَ يَنْصَرِمُ
وَلَيْسَ يُجْحَدُ عِنْدَ النَّاسِ قَدْرُكُمُ = وَلَيْسَ تُنْكَرُ عِنْدَ الخَالِقِ الذِّمَمُ
أُسْدَ الكَتَائِبِ هِذَا اليَوْمُ يَوْمُكُمُ = اشْفُوا الصُّدُورَ فَإِنَّ الحُرَّ يَنْتَقِمُ
هَذَا المُؤَسِّسُ قَدْ غَالتْهُ شِرْذِمَةٌ = مِنَ القُرُودِ وَغِيلَتْ قَبْلَهُ القِيَمُ
وَالفَاجِرُ الغِرُّ مَزْهُوٌّ بِمَا اقْتَرَفَتْ = مِنْهُ اليَدَانِ سَيَزْهُو فِيهُمَا النَّدَمُ
دُكُّوا العَدُوَّ وَهُزُّوا الأَرْضَ تَحْتَهُمُ = لا تَنْثَنُوا وَجَلًا فَالخَاسِرُونَ هُمُ
وَأَطْلِقُوا مِنْ شَدِيدِ البَأْسِ عَاصِفَةً = تَأْتِي عَلَيهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُمْ ظَلَمُوا
لا يَعْدِلُ الثَّأْرَ فِي يَاسِينَ كُلُّهُمُ = هَلْ يَسْتَوِي كُلُّ دُودِ الأَرْضِ وَالحَرَمُ
وَإِنَّمَا الثَّأْرُ لِلْكُرْسِيِّ فَانْتَقِمُوا = وَلْيَصْدُقِ الفِعْلُ فِيكُمْ مَا يَقُولُ فَمُ
تَمْضِي حَمَاسُ عَلَى آثَارِ قَائِدِهَا = وَتَسْتَمِرُّ بِهَا فِي كَفِّهَا اللُّجُمُ
الخَيْلُ تَرْكُضُ وَالقَسَّامُ فَارِسُهَا = وَالسَّيْفُ يَرْدَعُ مَنْ لا يَرْدَعُ الكَلِمُ
دَمُ الشَّهِيدِ يَخُطُّ اليَوْمَ مَرْحَلَةً = مِنْ الجِهَادِ وَفَصْلًا حَدُّهُ الخَذَمُ
يَا مَنْ تَغَارُ وَيَا أَحْرَارَ أُمَّتِنَا = عُوْدُوا إِلَى الحَقِّ إِنَّ الحَقَّ عِزُّكُمُ
القُدْسُ تَهْتِفُ وَالأَقْصَى يَصِيحُ بِكُمْ = وَالطِّفْلُ يُسْمِعُ مَنْ فِي أُذْنِهِ صَمَمُ
لَيْتَ الذِّيْنَ بِدَعْوَى السِّلْمِ فِي خَتَلٍ = تَعُودُ عَنْهُ وَدَعْوَى العِزِّ تَلْتَزِمُ
مَا كَانَ أَخْلَقَكُمْ أَنْ تَنْصُرُوا وَطَنًا = عَاثَ العَدُوُّ بِهِ وَاسْتَفْحَلَ الوَخَمُ
لا كَالمَشَايِخِ فِي البَلْوَى وَقَدْ بَطِنُوا = شَلُّوا اللِسَانَ وَصَمُّوا سَمْعَهُمْ وَعَمُوا
وَقَادَةُ الذُّلِّ كَالأَصْنَامِ خَائِرَةٌ = لَوْ كَانَ يَغْضَبُ مِنْ إِذْلالِهِ الصَّنَمُ
يَسْتَعْصِمُونَ بِأَمْرِيكَا وَمَا عَلِمُوا = أَنَّا بِحَبْلِ إِلَهِ الكَوْنِ نَعْتَصِمُ
وَأَنَّنَا كَالبُزَاةِ الصِّيدِ مَطْعَمُنَا = أَعْلَى الجِبَالِ فَلا غَثٌّ وَلا رَمَمُ
هُمَا الجَنَاحَانِ فِي الآفَاقِ تَرْفَعُنَا = وَهَلْ سَيَرْفَعُ إِلا الدِّينُ وَالشِّيَمُ
الحزن يكتب في قلبي ويختصم = فكيف تخذل حرفي أيها القلم
لقد كتبت وموق القلب ناضبة = فكيف تصمت عجزا والمداد دم
أكتب وسطر وفجر كل قافية = وابذل بدمعك ما لا تبذل الديم
الدمع يسفح ما أخفي فيغرقني = والنار تلفح في صدري وتضطرم
والوجد يخفق في الوجدان لا جزعا = وإنما غضبا أن ترضخ الهمم
أكتب فإن مصابي اليوم ذو جلل = تكاد من هوله الأركان تنقصم
غاب السراج وما غاب الضياء به = وأظلم البدر لم يشفع له تمم
وأجفل الفجر أن تنعى بغرته = شمس الوجود وأن تستبشر الرخم
قضى الإمام شهيدا فاحتفت زحل = بما أصاب وبشت للندى النجم
وأقبلت من جنان الخلد عابقة = من النسيم تحف الروح، والسلم
وأشرق الوجه في طهر وفي جذل = كأنه من سناء النور يبتسم
أبا محمد إن النفس مطرقة = والعين تدمع والأحزان تحتدم
أبا محمد لا غابت شموسكم = عن القلوب ولا أوهى بها الألم
على فراقك فليبك الرجال دما = وليطرق الكون وليستنطق البكم
أيا سمي رسول الله تهنئة = نلت المرام ونالوا الخسر وانهزموا
رمت الشهادة يا شيخي ففزت بها = وما لمثلك إلا الفوز والكرم
أقسمت بالله أن تحيا بمنهجه = حرا أبيا فتم العهد والقسم
وكم تمنيت رضوانا ومغفرة = فاهنأ بصحبة من في قربهم نعم
يا شيخ أحمد طب نفسا فقد غرست = يداك من ثمرات العز ما طعموا
فكنت أنصع نبراس لمن جهلوا = وكنت أسطع مقياس لمن علموا
وكنت خيرا على الكرسي من نجب = من الرجال ومن تسعى بهم قدم
فمثل عزمك ما قد أبصرت مقلي = ومن طرازك لما تنجب الأمم
وما لجهدك ند يا جواد يد = وما لوصفك إلا أنك الهرم
وفاجر مده في غيه صلف = حتى تغول في آلاته العدم
يريد حتفك ما أغباه من نجس = وكيف يرشد من تستحقر البهم
وكيف يعلم هذا الممتري سفها = أن الشهادة تحيي والردى يصم
ما مت فينا ومات الجل من وجل = بل زدت قدرا وزاد العزم والشمم
قد عشت رمزا لأهل العز قاطبة = وقد قضيت وأنت الرمز والعلم
لئن تصرم عهد وانقضى أجل = فإن عهدك فينا ليس ينصرم
وليس يجحد عند الناس قدركم = وليس تنكر عند الخالق الذمم
أسد الكتائب هذا اليوم يومكم = اشفوا الصدور فإن الحر ينتقم
هذا المؤسس قد غالته شرذمة = من القرود وغيلت قبله القيم
والفاجر الغر مزهو بما اقترفت = منه اليدان سيزهو فيهما الندم
دكوا العدو وهزوا الأرض تحتهم = لا تنثنوا وجلا فالخاسرون هم
وأطلقوا من شديد البأس عاصفة = تأتي عليهم جميعا إنهم ظلموا
لا يعدل الثأر في ياسين كلهم = هل يستوي كل دود الأرض والحرم
وإنما الثأر للكرسي فانتقموا = وليصدق الفعل فيكم ما يقول فم
تمضي حماس على آثار قائدها = وتستمر بها في كفها اللجم
الخيل تركض والقسام فارسها = والسيف يردع من لا يردع الكلم
دم الشهيد يخط اليوم مرحلة = من الجهاد وفصلا حده الخذم
يا من تغار ويا أحرار أمتنا = عودوا إلى الحق إن الحق عزكم
القدس تهتف والأقصى يصيح بكم = والطفل يسمع من في أذنه صمم
ليت الذين بدعوى السلم في ختل = تعود عنه ودعوى العز تلتزم
ما كان أخلقكم أن تنصروا وطنا = عاث العدو به واستفحل الوخم
لا كالمشايخ في البلوى وقد بطنوا = شلوا اللسان وصموا سمعهم وعموا
وقادة الذل كالأصنام خائرة = لو كان يغضب من إذلاله الصنم
يستعصمون بأمريكا وما علموا = أنا بحبل إله الكون نعتصم
وأننا كالبزاة الصيد مطعمنا = أعلى الجبال فلا غث ولا رمم
هما الجناحان في الآفاق ترفعنا = وهل سيرفع إلا الدين والشيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى