الشعر

فسحة من نقاء

سِيَّانِ مَا تَنْهَبُ الدُّنْيَا وَمَا تَهَبُ = كِلاهُمَا مِنْ مَعِينِ الضِّدِّ يَنْقَلِبُ
هَذَا بِبَعْضِ كَفَافِ العَيشِ مُغْتَبِطٌ = وَذَاكَ يَرْفُلُ فٍي النُّعْمَى وَيَنْتَحِبُ
فِيمَ التَّعَلُّل بِالأَسْبَابِ فِي أُمَمٍ = تَعَاقَرُوا الرَّيْبَ فِي الأَلْبَابِ وَاضْطَرَبُوا
وَمَا يُفِيدُ حَكِيمٌ قَالَ مَوْعِظَةً = فِي تُرَّهَاتِ زَمَانٍ كُلُّهُ عَجَبُ
لا النَّاسُ فِيهِ فُلُولَ العَدْلِ رَاعِيَةً = وَلا القِيَاسُ ضُرُوعَ العَقْلِ يَحْتَلِبُ
وَلِلحَيَاةِ مَقَالِيدٌ مَتَى انْتُهِكَتْ = وَلَّتْ عُهُودُ الهُدَى وَاشْتَدَّتِ الرِيَبُ
وَالمَرْءُ يَغْرسُ مَا يَخْتَارُ مِنْ قَدَرٍ = فَيَرْفَعُ الرَّأْسَ حِينَ الحَصْدِ أَوْ يَئِبُ
يَا صَاحِبَ الطَلْعَةِ الغَرَّاءِ تَغْرِفُ مِنْ = عِطْرِ الخُزَامَى الذِي فِي الرُّوحِ يَنْسَكِبُ
يَا شَاعِرًا أَسْرَجَ الإِحْسَاسَ فَانْتَظَمَتْ = قَوَافِلُ الحَمْدِ تُهْدِي بَعْضَ مَا يَجِبُ
لَكَمْ نَثَرْتَ سَجَايَا حِكْمَةٍ شَهِدَتْ = بِأَنَّهَا لِلنَّدَى وَالبِرِّ تَنْتَسِبُ
وَكَمْ صَبَبْتَ حُرُوفَ النُّورِ فِي قُلَلِ = بِهَا تَجَلَّتْ مَعَانٍ وَانْجَلَتْ حُجُبُ
مِنْ أَينَ أَجْمَعُ إِكْلِيلَ المُنَى نَسَقًا = وَأَنْتَ فِي الدَّهْرِ إِكْلِيلٌ لِمَنْ حَسُبُوا
وَمَا أَقُولُ وَقَدْ أَخْجَلْتَ نَحْلَ فَمِي = فَلَيسَ ثَمَّةَ إِلا الصَّمْتُ وَالصَّخَبُ
فَخُذْ مِنَ النَّدِّ مَا يَصْفُو بِهِ كَدَرٌ = وَخُذْ مِنَ الوُدِّ مَا يَنْأَى وَيَقْتَرِبُ
وَدَعْ سَفَاهَةَ أَغْرَارٍ بُلِيتُ بِهِمْ = فَإِنَّهُمْ مِنْ سَرَابِ المَينِ قَدْ شَرِبُوا
ظَنُّوا التَّطَاوُلَ مَنْجَاةً وَلاحَ لَهُمْ = فِي قَبْوِ سَهْوِي الذِي خَالُوهُ يُحْتَطَبُ
مَا انْفَكَّ يَسْعَى بِوَادِي البَهْتِ غَيْظُهُمُ = كَأَنَّمَا الغَدْرُ أُمٌّ وَالخِدَاعُ أَبُ
إِنِّي أَنَا النَّجْمُ مَا كَادَوا وَمَا مَكَرُوا = أَسْمُو إِلَى الفَضْلِ حَتَّى كِدْتُ أَحْتَجِبُ
هِيَ المَعَالِي تُرَقِّي الصَّابِرِينَ لَهَا = يَوْمَ الحَصَادِ وَمِيرَاثُ العُلَا رُتَبُ
سَلِ الزَّمَانَ عَنِ المَعْنَى سَيَعْرِفُنِي = سِفْرُ الخُلُودِ وَتَدْرِي قَدْرِيَ الكُتُبُ
أَنَا النَّقِيُّ الَّذِي صَانَتْ مَبَادِئُهُ = عَهْدَ الكِرَامِ وَلَمْ يَدْنَسْ لَهُ أَرَبُ
لَولا بَقِيَّةُ أَخْلاقٍ أَلُوذُ بِهَا = لقُمْتُ أَكْشِفُ بِالحَقِّ الذِي ارْتَكَبُوا
يَا صَاحِبِي إِنَّ هَذَا الدَّرْبَ مُؤْلِمَةٌ = أَشْوَاكُهُ وَمَدَى أُولِي الهُدَى تَعَبُ
لَا يَرْحَمُ الغَيْظُ قَلْبًا حِينَ يَسْكُنُهُ = وَلَا يُنِيرُ دَيَاجِي الكَائِدِ الشُهُبُ
فَلَا تُدَاوِي جِرَاحًا مِنْ أَذَى حَسَدٍ = فَإِنَّمَا فِي دَوَاءِ الحَاسِدِ العَطَبُ
وَدَعْ نُبَاحَ ذَوِي الأَحْقَادِ فِي غَسَقٍ = فَالنَّارُ تَبْقَى وَإِنْ لَمْ يُدْفَعِ الحَطَبُ
مَهْ يِا لِسَانُ وَجُدْ بِالعَفْوِ وَادْعُ لَهُمْ = وَدُمْ كَمَا أَنْتَ لا يُسْرِفْ بِكَ الغَضَبُ
هَلْ تُقْلَعُ العَيْنُ إِنْ شَابَ الجُفُوْنَ قَذَى = أَو يُقْطَعُ الرَّأْسُ إِنْ مَا عَقَّهُ الذَّنَبُ
هِيَ الرُّؤُوسُ فَمِنْهَا فَارِغٌ صَلِفٌ = بِلا حَيَاءٍ وَمِنْهَا العِلْمُ وَالأَدَبُ
هِيَ النُّفُوسُ فَمِنْهَا النَّحْلُ عَامِلَةً = مِنْهَا الذُّبَابُ وَمِنْهَا التِّبْرُ وَالتُرَبُ
وَلَيسَ لِلمَرءِ إِلا الحلْمُ نَهْجَ تُقَى = وَفُسْحَةٌ مِنْ نَقَاءٍ فِيهِ يَغْتَرِبُ
سيان ما تنهب الدنيا وما تهب = كلاهما من معين الضد ينقلب
هذا ببعض كفاف العيش مغتبط = وذاك يرفل في النعمى وينتحب
فيم التعلل بالأسباب في أمم = تعاقروا الريب في الألباب واضطربوا
وما يفيد حكيم قال موعظة = في ترهات زمان كله عجب
لا الناس فيه فلول العدل راعية = ولا القياس ضروع العقل يحتلب
وللحياة مقاليد متى انتهكت = ولت عهود الهدى واشتدت الريب
والمرء يغرس ما يختار من قدر = فيرفع الرأس حين الحصد أو يئب
يا صاحب الطلعة الغراء تغرف من = عطر الخزامى الذي في الروح ينسكب
يا شاعرا أسرج الإحساس فانتظمت = قوافل الحمد تهدي بعض ما يجب
لكم نثرت سجايا حكمة شهدت = بأنها للندى والبر تنتسب
وكم صببت حروف النور في قلل = بها تجلت معان وانجلت حجب
من أين أجمع إكليل المنى نسقا = وأنت في الدهر إكليل لمن حسبوا
وما أقول وقد أخجلت نحل فمي = فليس ثمة إلا الصمت والصخب
فخذ من الند ما يصفو به كدر = وخذ من الود ما ينأى ويقترب
ودع سفاهة أغرار بليت بهم = فإنهم من سراب المين قد شربوا
ظنوا التطاول منجاة ولاح لهم = في قبو سهوي الذي خالوه يحتطب
ما انفك يسعى بوادي البهت غيظهم = كأنما الغدر أم والخداع أب
إني أنا النجم ما كادوا وما مكروا = أسمو إلى الفضل حتى كدت أحتجب
هي المعالي ترقي الصابرين لها = يوم الحصاد وميراث العلا رتب
سل الزمان عن المعنى سيعرفني = سفر الخلود وتدري قدري الكتب
أنا النقي الذي صانت مبادئه = عهد الكرام ولم يدنس له أرب
لولا بقية أخلاق ألوذ بها = لقمت أكشف بالحق الذي ارتكبوا
يا صاحبي إن هذا الدرب مؤلمة = أشواكه ومدى أولي الهدى تعب
لا يرحم الغيظ قلبا حين يسكنه = ولا ينير دياجي الكائد الشهب
فلا تداوي جراحا من أذى حسد = فإنما في دواء الحاسد العطب
ودع نباح ذوي الأحقاد في غسق = فالنار تبقى وإن لم يدفع الحطب
مه يا لسان وجد بالعفو وادع لهم = ودم كما أنت لا يسرف بك الغضب
هل تقلع العين إن شاب الجفون قذى = أو يقطع الرأس إن ما عقه الذنب
هي الرؤوس فمنها فارغ صلف = بلا حياء ومنها العلم والأدب
هي النفوس فمنها النحل عاملة = منها الذباب ومنها التبر والترب
وليس للمرء إلا الحلم نهج تقى = وفسحة من نقاء فيه يغترب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى