الشعر

غداة أتت

غَدَاةَ أَتَتْ وَأَضْمَرَتِ الفِرَاقَا = أَرِقُّ لَهَا وَتَتَّهِمُ اخْتِلَاقَا
أَمُدُّ يَدَ الوِصَالِ بِكُلِّ رِفْقٍ = فَتَكْسِرُ لِلْوِصَالِ يَدًا وَسَاقَا
أُعَتِّقُ بِالوِدَادِ سُلَافَ شَوْقٍ = فَتُهْرِقُ بِالنَّوَى كَأْسًا دِهَاقَا
وَأَرْوِيهَا الحَنِينَ فُرَاتَ هَمْسٍ = فَتَرْوِي مِنْ جِرَاحَاتِي العِرَاقَا
إِذَا وَقَرَ الغَرَامُ بِقَلْبِ حُرٍّ = فَلَنْ يُرْخِي الوَفَاءُ لَهُ وِثَاقَا
أُدَارِي الكِبْرِيَاءَ بِأَلْفِ عُذْرٍ = فَلَمْ تَفِقِ النُّهَى لَمَّا اسْتَفَاقَا
أَقُولُ وَقَدْ عَطَفْتُ عَلَى أَنَيْنِي = لَعَلَّ إِلَى الهَوَى تَبْكِي اشْتِيَاقَا
لَكَمْ قَيَّدْتُ بِاسْمِ الرُّشْدِ نَفْسِي = فَمَا رَدَعَ الوَقَارُ لَهَا انْطِلَاقَا
وَإِنِّي كُلَّمَا نَازَعْتُ قَلْبِي = تَشَبَّثَ بِالَّذي يَخْشَى اعْتِنَاقَا
وَلَوْ أَنِّي أَثُوبُ إِلَى صَوَابِي = لِأَدْرَكْتُ التَّزَلُّف كَيْفَ حَاقَا
إِذَا كَانَتْ تَعِيبُ العِشْقَ بَوْحًا = فَمَاذَا حِينَ نَقْتَرِفُ العِنَاقَا
وَلَنْ تَنْفَكَّ أُنْثَى الغَيْمِ غَضْبَى = وَلَوْ رَكِبَ السَّحَابُ لَهَا البُرَاقَا
فَدَعْ عَنْكَ الأَسَى يَا قَلْبُ صَفْحًا = وَلَا تَدَعِ النَّقَاءَ وَإِنْ أَرَاقَا
وَطَرِّزْ مِنْ حَرِيرِ الصَّفْوِ كَوْنًا = لِمَنْ ذَاقَ الجَمَالَ وَمَا أَذَاقَا
وَغَنِّي يَا حُرُوفُ لِكُلِّ مَعْنَى = فَرِيدٍ فِي أَنَاقَتِهِ تَرَاقَى
بَذَلْتُ لَهَمْ نَفَائِسَ كُلِّ نَبْضٍ = كَأَنِّي قَدْ جَعَلْتُ دَمِي صِدَاقَا
حَمَلْتُ لَهُمْ جَوَاهِرَ كُلِّ فَضْلٍ = وَأَسْرَجْتُ الخُيُولَ لَهُمْ عِتَاقَا
تَفِيضُ مَشَاعِرِي كَالنَّهْرِ بَوْحًا = وَتَمْلَأُ جَدْبَهُمْ حُبًّا دِفَاقَا
وَأَفْتَحُ لِلنُّهَى السَّمْحَاءِ دَرْبًا = فَلَا أَرْضَى لِغَايَتِهَا نِطَاقَا
إِذَا مَا اعْتَدَّ بِابْنِ الفَخْرِ عُجْبٌ = رَأَى فِي كُلِّ مَا يَأْتي خَلَاقَا
وَمَنْ دَخَنْتَ رُؤَاهُ بِجَمْرِ وَهْمٍ = يَظُنُّ الدَّخْنَ قَدْ مَلَأَ الرّوَاقَا
وَلَيْسَ يَضِيرُ قَدْرَ النُّورِ أَعْشَى = يَظُنُّ الفَتْقَ فِي الآفَاقِ فَاقَا
تَهَلْهَلَ كُلَّمَا بَهَرَتْهُ شَمْسٌ = وَهَلَّلَ كُلَّمَا لَمَحَ المَحَاقَا
وَفِي قُرَبِ السَّحَابِ يَرَى يَبَابًا = وَفِي قُبَبِ الإِبَاءِ يَرَى الإِبَاقَا
وَكَيْفَ يُلَامُ؟ غَايَةُ مَا تَسَنَّى = لِيُدْرِكَ مَا الَّذِي فِي العَيْنِ طَاقَا
وَلِلْأَعْرَافِ وَالفِرْدَوْسِ أَهْلٌ = لَهُمْ جُعِلَتْ سَمَاوَاتٌ طِبَاقَا
وَمَا اسْتَعْصَى عَلَى شَفَتِي بَيَانٌ = وَمِنْ كَأْسِ الرُّؤَى كُلٌّ تَسَاقَى
وَنَحْلِي اشْتَارَ مِنْ سَهْلٍ وَصَعْبٍ = يَصُبُّ لِكُلِّ مُتَّكِئٍ مَذَاقَا
فَمَنْ شَاءَ الضِّفَافَ أَصَابَ شَهْدًا = وَمَنْ شَاءَ السُّلَافَ صَفَا وَرَاقَا
إِذَا خَرَقَ السَّفِينَ هَوَى مُطَاعٌ = فَقَدْ غَرِقَ اليَقِينُ وَإِنْ تَوَاقَى
يَصُبُّونَ الرِّيَاءَ بِكَأْسِ وُدٍّ = وَقَدْ مُزِجَتْ مَوَدَّتُهُمْ زُعَاقَا
وَمَنْ يَرْجُو مَقَامِي فِي الثُّرَيَّا = فَكَيْفَ مِنَ الثَّرَى يَرْجُو اللِحَاقَا
سَيُبْصِرُ غَيَّهُ مِنْ بَعْدِ حِينٍ = وَيَخْسَرُ فِي تَطَاوُلِهِ السِّبَاقَا
وَمَا تُجْدِي الفَصَاحَةُ فِي نُفُوسٍ = إِذَا عَلَفَ الضَّمِيرُ بِهَا النِّفَاقَا
كَأَنَّ الصِّدْقَ فِي الزَّمَنِ المُسَجَّى = غَرِيبٌ لَا يَرَى فِيهِمْ رِفَاقَا
سَأَمْضِي بِالرِّسَالَةِ كُلَّ دَرْبٍ = وَإِنْ شَقَّ الدُّجَى أَرَبِي وَشَاقَى
وَفَوْقَ الغَيْمِ أَصْنَعُ فُلْكَ فِكْرِي = وَإِنْ عَلَكُوا بِمَا انْتَهَكُوا السِّيَاقَا
سَيَسْخَرُ مِنْكَ غَرَقَى الذَّاتِ كِبْرًا = وَيَلْحَنُ فِيكَ مَنْ لِلشِّعْرِ بَاقَا
فَلَا تَهْتَمَّ يَا طُوفَانَ نُوحِي = بِمَنْ حَسِبَ الشِّقَاقَ لَهُ انْعِتَاقَا
وَلَا تَغْتَمَّ يَا أَيُّوبَ حِلْمِي = بِمَنْ يَجْتَرُّ فِي فَمِهِ البُّصَاقَا
وَمَاذَا الشِّعْرُ إِلَّا مِنْ مَعِينِي = وَإِنْ كَفَرَ الحَسُودُ بِهِ وَضَاقَا
وَهَذَا كَوْثَرِي بِالزَّجْرِ يَجْري = جَزَاءً بِالَّذِي اقْتَرَفُوا وِفَاقَا
غداة أتت وأضمرت الفراقا = أرق لها وتتهم اختلاقا
أمد يد الوصال بكل رفق = فتكسر للوصال يدا وساقا
أعتق بالوداد سلاف شوق = فتهرق بالنوى كأسا دهاقا
وأرويها الحنين فرات همس = فتروي من جراحاتي العراقا
إذا وقر الغرام بقلب حر = فلن يرخي الوفاء له وثاقا
أداري الكبرياء بألف عذر = فلم تفق النهى لما استفاقا
أقول وقد عطفت على أنيني = لعل إلى الهوى تبكي اشتياقا
لكم قيدت باسم الرشد نفسي = فما ردع الوقار لها انطلاقا
وإني كلما نازعت قلبي = تشبث بالذي يخشى اعتناقا
ولو أني أثوب إلى صوابي = لأدركت التزلف كيف حاقا
إذا كانت تعيب العشق بوحا = فماذا حين نقترف العناقا
ولن تنفك أنثى الغيم غضبى = ولو ركب السحاب لها البراقا
فدع عنك الأسى يا قلب صفحا = ولا تدع النقاء وإن أراقا
وطرز من حرير الصفو كونا = لمن ذاق الجمال وما أذاقا
وغني يا حروف لكل معنى = فريد في أناقته تراقى
بذلت لهم نفائس كل نبض = كأني قد جعلت دمي صداقا
حملت لهم جواهر كل فضل = وأسرجت الخيول لهم عتاقا
تفيض مشاعري كالنهر بوحا = وتملأ جدبهم حبا دفاقا
وأفتح للنهى السمحاء دربا = فلا أرضى لغايتها نطاقا
إذا ما اعتد بابن الفخر عجب = رأى في كل ما يأتي خلاقا
ومن دخنت رؤاه بجمر وهم = يظن الدخن قد ملأ الرواقا
وليس يضير قدر النور أعشى = يظن الفتق في الآفاق فاقا
تهلهل كلما بهرته شمس = وهلل كلما لمح المحاقا
وفي قرب السحاب يرى يبابا = وفي قبب الإباء يرى الإباقا
وكيف يلام؟ غاية ما تسنى = ليدرك ما الذي في العين طاقا
وللأعراف والفردوس أهل = لهم جعلت سماوات طباقا
وما استعصى على شفتي بيان = ومن كأس الرؤى كل تساقى
ونحلي اشتار من سهل وصعب = يصب لكل متكئ مذاقا
فمن شاء الضفاف أصاب شهدا = ومن شاء السلاف صفا وراقا
إذا خرق السفين هوى مطاع = فقد غرق اليقين وإن تواقى
يصبون الرياء بكأس ود = وقد مزجت مودتهم زعاقا
ومن يرجو مقامي في الثريا = فكيف من الثرى يرجو اللحاقا
سيبصر غيه من بعد حين = ويخسر في تطاوله السباقا
وما تجدي الفصاحة في نفوس = إذا علف الضمير بها النفاقا
كأن الصدق في الزمن المسجى = غريب لا يرى فيهم رفاقا
سأمضي بالرسالة كل درب = وإن شق الدجى أربي وشاقى
وفوق الغيم أصنع فلك فكري = وإن علكوا بما انتهكوا السياقا
سيسخر منك غرقى الذات كبرا = ويلحن فيك من للشعر باقا
فلا تهتم يا طوفان نوحي = بمن حسب الشقاق له انعتاقا
ولا تغتم يا أيوب حلمي = بمن يجتر في فمه البصاقا
وماذا الشعر إلا من معيني = وإن كفر الحسود به وضاقا
وهذا كوثري بالزجر يجري = جزاء بالذي اقترفوا وفاقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى