الشعر

شمع الضمير

صَفَاءُ النَّفْسِ يَكْمُنُ فِي الصُّدُورِ = وَصِدْقُ العَهْدِ يُمحَصُ فِي الدُّهُورِ
وَعَذْبُ الشِّعْرِ دُونَ الفِكْرِ مُرٌّ = وَلا يُمْتَارُ بِالطَّعْمِ المَرِيرِ
وَإِنِّي قَدْ عَصَرْتُ النَّبْضَ حَرْفًا = لَيَنْطِقُ مِنْ رُؤَى قَلْبِي الأَثِيرِ
صَبَبْتَ الحَرْفَ فِي كَأْسِ احْتِفَالٍ = بِمَا قَدْ قَالَ ذُو القَلَمِ الجَسُورِ
فَأَسْعَدَنَا مَشَاعِرُ فَذِّ حَرْفٍ = رَقِيْقِ القَلْبِ فَيَّاضِ الشُّعُورِ
وَيَا عَذْبَ القَصِيدِ أَرَاكَ تَبْدُو = كَبَدْرِ التَّمِّ أَشْرَقَ فِي السُّطُورِ
تُغَرِّدُ فِي التِّلالِ وَفِي الرَّوَابِي = وَتُلْقِي العِطْرَ فِي ثَغْرِ الزُّهُورِ
خُذِ اليُمْنَى لِتَمْسَحَ عَنْكَ حُزْنًا = وَبِاليُسْرَى أَضُمُّكَ فِي حُبُورِ
صَحِبْتُ الصَّادِقِينَ فَطِبْتُ نَفْسًا = وَأَدْرَكْتُ السَّعَادَةَ فِي المَصِيرِ
أَلا إِنَّ النُّفُوْسَ إِذَا اسْتَقَامَتْ = تَسَامَتْ بِالخَطِيرِ عَنِ الحَقِيرِ
تُكَابِدُ فِي الحَيَاةِ صُرُوفَ دَهْرٍ = وَتَنْجُو بِالدُّعَاءِ وَبِالطَّهُورِ
أَنَا الْمَهْمُومُ قَدْ أَفْنَيْتُ عُمْرِي = أُضِيءُ الدَرْبَ مِنْ شَمعِ الضَّمِيرِ
تَرَكْتُ المًحْبطِينَ بِقَاعِ وَهْمٍ = وَحَلَّقْتُ انْعِتَاقًا نَحْوَ نُورِ
وَلَمْ أَعْبَأْ بِأَهْلِ الزَّيْفِ لَمَّا = جَلَا صِدْقُ السَّرِيرَةِ لِلْبَصِيرِ
تَعَلَّمْتُ التَّجَافِيَ عَنْ صَغَارٍ = وَطِرْتُ إِلَى المَعَالِي كَالصُّقُورِ
وَأَطْلَقْتُ العَنَانَ لِخَيْلِ فِكْرِي = لِتَعْبُرَ بِي إِلَى الدَّرْبِ المُثِيرِ
لكَمْ وَرَدَ المَنَاهِلَ وَهْيَ جَدْبٌ = فَأَصْدرَ بِي عَنِ المَاءِ النَّمِيرِ
أُنَاشِدُهَا الهُطُولَ بِفَيْضِ عِلْمٍ = تَجَاهَلهُ الكَبِيرُ مَعِ الصَّغِيرِ
وَأَقْلَعَ ذُو البَصِيرَةِ عَنْ سَبِيلٍ = وَأَتْبَعَ خُطْوَةَ الأَعْمَى الضَرِير
فَكُنْتُ وَبَعْدَ هَذَا الجُهْدِ أَبْدُو = كَسَاقِي الأَرْضِ فِي اليَوْمِ الْمَطِيرِ
وَمَا يُرْجَى لِذِي قَدْرٍ مَقَامٌ = إِذَا فَخَرَ البَصِيرُ بِدَارِ عُورِ
رَضِيتُ بِقِسْمَةِ الرَّحْمَنِ حُبًّا = لِأَنْعَمَ بِالسَّكِينَةِ فِي الخُدُورِ
فَكَمْ مِنْ كُرْبَةٍ ضَاقَتْ عَلَيْنَا = فَفَرَّجَهَا اللَّطِيفُ بِلَا نَذِيرِ
سَأَمْضِي مَا حَيِيْتُ عَلَى سَبِيلِي = وَلا أَرْجُو سِوَى المَوْلَى القَدِيرِ
أَذُوْدُ بِهِمَّتِي عَنْ كُلِّ حَقٍّ = وَأُبْرِئُ ذِمَّةَ العَبْدِ الشَّكُورِ
فَمَا نَفْعُ المَقَامِ لِذِي غُرُورٍ = وَقَدْ حَرَضَ الحَيَاةَ إِلَى الثُّبُورِ
سَأَلْتُ اللهَ أَنْ تُجْزَى بِخَيْرٍ = وَأَنْ تُسْقَى الزُّلالَ مِن السُرُورِ
هُوَ المَوْلَى إِذَا مَا تَابَ قَوْمٌ = سَيُكْرِمُهُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيْرِ
صفاء النفس يكمن في الصدور = وصدق العهد يمحص في الدهور
وعذب الشعر دون الفكر مر = ولا يمتار بالطعم المرير
وإني قد عصرت النبض حرفا = لينطق من رؤى قلبي الأثير
صببت الحرف في كأس احتفال = بما قد قال ذو القلم الجسور
فأسعدنا مشاعر فذ حرف = رقيق القلب فياض الشعور
ويا عذب القصيد أراك تبدو = كبدر التم أشرق في السطور
تغرد في التلال وفي الروابي = وتلقي العطر في ثغر الزهور
خذ اليمنى لتمسح عنك حزنا = وباليسرى أضمك في حبور
صحبت الصادقين فطبت نفسا = وأدركت السعادة في المصير
ألا إن النفوس إذا استقامت = تسامت بالخطير عن الحقير
تكابد في الحياة صروف دهر = وتنجو بالدعاء وبالطهور
أنا المهموم قد أفنيت عمري = أضيء الدرب من شمع الضمير
تركت المحبطين بقاع وهم = وحلقت انعتاقا نحو نور
ولم أعبأ بأهل الزيف لما = جلا صدق السريرة للبصير
تعلمت التجافي عن صغار = وطرت إلى المعالي كالصقور
وأطلقت العنان لخيل فكري = لتعبر بي إلى الدرب المثير
لكم ورد المناهل وهي جدب = فأصدر بي عن الماء النمير
أناشدها الهطول بفيض علم = تجاهله الكبير مع الصغير
وأقلع ذو البصيرة عن سبيل = وأتبع خطوة الأعمى الضرير
فكنت وبعد هذا الجهد أبدو = كساقي الأرض في اليوم المطير
وما يرجى لذي قدر مقام = إذا فخر البصير بدار عور
رضيت بقسمة الرحمن حبا = لأنعم بالسكينة في الخدور
فكم من كربة ضاقت علينا = ففرجها اللطيف بلا نذير
سأمضي ما حييت على سبيلي = ولا أرجو سوى المولى القدير
أذود بهمتي عن كل حق = وأبرئ ذمة العبد الشكور
فما نفع المقام لذي غرور = وقد حرض الحياة إلى الثبور
سألت الله أن تجزى بخير = وأن تسقى الزلال من السرور
هو المولى إذا ما تاب قوم = سيكرمهم ويعفو عن كثير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى