الشعر
ابن قلبك
نَعَى الزَّمَانُ مَعِينَ الطُّهْرِ حِينَ نُعِي = وَغَابَ عَنْهُ الأَسَى السَّاجِي فَكَانَ مَعِي وَدَّعْتَ يَا أَبَتِ الدُّنْيَا وَوَدَّعَنِي = بِوَجْدِ مَوْتِكَ مَا فِي العَينِ مِنْ هَمَعِ كَأَنَّمَا الأَرْضُ بَعْدَ الفَقْدِ فِي ثَكَلٍ = وَالْحُزْنُ يَجْتَاحُنِي فِي سَيْلِ مُمْتَقِعِ ذَرَفْتُ دَمْعَ فِرَاقٍ غَيرَ مُنْسكِبٍ = وَذُبْتُ حَتَّى كَأَنَّ القَلْبَ فِي نَزَعِ يَا وَالِدِي وَجِهَاتُ الكَوْنِ وَاسِعَةٌ = وَزَّعْتُ حُبَّكَ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ تَسَعِ تَكَادُ رُوحِي مِنَ الأَشْوَاقِ فِي تَلَفٍ = وَالشَّوْقُ فِي الصَّدْرِ يَطْغَى غَيْرُ مُنْقَمِعِ يَا لِلمَشَاعِرِ كَمْ تَأْسَى لِغُرْبَتِهَا = وَكَمْ يَفُتُّ شَفِيفُ الحُزْنِ فِي الضَّلَعِ أَبْكِيكَ حُزْنًا شُعُورِي فِي لَظَى كَبِدِي = وَلَيْسَ حُزْنِيَ فِي شِعْرِي بِمُصْطَنَعِ هَلْ غَابَ عَنِّي السَّنَا المُمْتَدُّ فِي أُفُقِي = وَأَسْبَلَ المَوتُ جَفْنَ الصَّادِقِ الوَرِعِ؟ وَهَلْ طَوَتْ صَفْحَةُ الأَيَّامِ مَنْ فَتَحَتْ = لَهُ القُلُوبُ طُرُوسَ الحُبِّ وَالتَّبَعِ؟ هُوَ النَّبِيلُ الَّذِي كَانَتْ بَصِيرَتُهُ = نُورًا يُضِيءُ بَنَهْجٍ خَيْرِ مُتَّبَعِ بِالأَمْسِ كُنَّا وَصَحْنُ العَيشِ يَجْمَعُنَا = وَاليَومَ بِتْنَا بِجَمْعٍ غَيرِ مُجْتَمِعِ مَا زِلْتُ أَذْكُرُ نُورَ الوَجْهِ مُبْتَسِمًا = يُرَدِّدُ الذِّكْرَ وَالتَّرْحِيبَ فِي ضَوَعِ وَيَصْطَفِي مِنْ لَذِيذِ القُرْبِ مُبْتَهِجًا = دُعَابَةً مِنْ حَنَانٍ غَيرِ مُنْصَدعِ آنَستُ فِيهِ الرِّضَا حبًّا يَطِيبُ بِهِ = فَحَطَّ قَلْبِي عَلَى كَفَّيهِ لَمْ يُرَعِ قَدْ كَانَ يَتلُو كِتَابَ اللهِ مُعْتَكِفًا = وَكَانَ يَسمُو عَنِ الفَحشَاءِ والطَّبَعِ وَكَانَ آخِرَ مَنْ يُدْعَى إِلَى هَرَج = وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَسعَى إِلَى الجُمَعِ أَبَا سَمِيرٍ سَقَاكَ اللهُ كَوْثَرَهُ = مَع الحَبِيبِ تَذُوقُ الأَمْنَ فِي الجُرَعِ طُوبَى لِرُوحِكَ عَافَتْ دَارَ مَخْمَصَةٍ = لِدَارِ خُلْدٍ مَعِ الأَبْرَارِ فِي النُّجَعِ نَادَاكَ رَبُّكَ لِلرُّضْوَانِ فَانْتَقَلَتْ = فِي عَشْرِ عِتْقٍ بِشَوْقٍ غَيرَ مُمْتَنِعِ وَأَرْهَقَتْكَ سِنِينُ العُمْرِ مُصْطَبِرًا = فَارْتَحْ بِرَوضَةِ هَذَا اللَحْدِ وَاضْطَجِعِ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ لِلصَّوْتِ الرَّحِيمِ فِدًى = حَتَّى يُعَبِّقَ لِي وِجْدَانَ مُسْتَمِعِ أَرَى الحَيَاةَ سَرَابًا بَعْدَمَا رَحَلَتْ = رُوحُ الصَّفَاءِ وَغَابَتْ فِي دُجَى الخُدَعِ مَضَيْتَ لِلخُلْدِ مَحْمُودًا وَمُكْتَمِلًا = فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ عِنْدَ اللهِ فَارْتَفِعِ بُشْرَى رَأَيتُكَ فِيهَا أَهْلَ جَنَّتِهِ = وَأَنْتَ أَهْلُ دُعَاءِ السَّاجِدِ الضَّرِعِ أَنَا ابْنُ قَلْبِكَ لَمْ تُنْجِبْهُ مِنْ رَفَثٍ = وَإِنَّمَا مِنْ لِقَاءِ البِرِّ بِالوَلَعِ لَولا يَقِينِي بِحَقِّ اللهِ قَدَّرَهُ = عَلَى العِبَادِ لأَسْقَانِي الرَّدَى فَزَعِي لَو يَسْتَرِدُّكَ دَمْعُ العَينِ يَا أَبَتِي = لَكُنْتُ جُدْتُ بِدَمْعٍ غَيرِ مُنْقَطِعِ لَكِنَّهَا سُنَّةُ الأَيَّامِ نَجْرَعُ مِنْ = كَأْسِ المَنُونِ شَرَابًا غَيرَ مُجْتَرَعِ وَلَو يُعَمَّرُ فِيهَا خَالِدًا بَشَرٌ = لَكَانَ أَحْمَدَ خَيرَ الخَلْقِ وَالشِّيَعِ لا كُنْتِ يَا نَفْسُ إِنْ أَوْرَدْتِنِي تَلَفًا = إِيَّاكِ أَنْ تُوقِعِي إِيَّاكِ أَنْ تَقَعِي وَلا تَكُونِي مِن الأَنْعَامِ مَطْلَبُهَا = طِيْبُ التَّقَلُّبِ بَينَ الرِّيِّ وَالشِّبَعِ أَوْ مَنْ تَبِيعُ لأَدْنَى الأَمْرِ نَزْعَتَهَا = وَإِنْ دَعَاهُا عَظِيمُ الأَمْرِ لَمْ تَبِعِ يَا نَفْسُ لا تَطْلُبِي الدُّنْيَا وَإِنْ ضَحكَتْ = وَقَدْ أَمَاطَ الرَّدَى عَنْ وَجْهِهَا البَشِعِ شَمْطَاءَ رَقْطَاءَ لا تُبْقِي عَلَى أَمَلٍ = تُخَاتِلُ العُمْرَ بَينَ اليَأْسِ وَالطَّمَعِ كَأَنَّهَا الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ زُخْرُفُهَا = وَالنَّاسُ مَا بَينَ خَدَّاعٍ وَمُنْخَدِعِ فَيَا بْنَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ مُحْتَسِبًا = أَحْسِنْ عَزَاكَ فَخَيرُ الصَّبْرِ فِي الجَزَعِ وَالمَوْتُ خَيرُ لِسَانٍ قَالَ مَوْعِظَةً = مَهْمَا أَذَاقَكَ مِنْ سَفْعٍ وَمِنْ سَلَعِ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ الدُّنْيَا عَلَى دَعَةٍ = وَلا عَلَى عدْوَةِ البَلْوَى فَخُذْ وَدَعِ وَابْذلْ نَدَاكَ إِلَى غَايَاتِ ذِي شَرَفٍ = تَرْجُو العَظِيمَ وَإِنْ زَلَّ الهَوَى فَزَعِ وَاقْطَعْ رَجَاكَ سوَى مَا كَانَ هِمَّتُهُ = لِرُتْبَةِ العِزِّ فِي الدَّارَينِ وَارْتَفِعِ وَانْظُرْ لأَمْرِكَ دَهْرًا وَالْتَزِمْ سُبُلًا = فَالحُرُّ يَنْظُرُ فِي مَا يَدَّعِي وَيَعِي وَاصْبِرْ عَلَى جَفْوَةِ الأَحْبَابِ مَعْذِرَةً = فَلَيسَ تُقلَعُ عَينُ الرَّأْسِ مِنْ وَجَعِ إِلامَ تَصْدِفُ عَنْ زَادٍ لآخِرَةٍ = وَتَصْرِفُ العَيشَ بَينَ البُّخْلِ وَالجَشَعِ وَتَسْحَقُ العَزْمَ فِي أَسْبَابِ شِقْوَتِهِ = وَتَلْحَقُ الوَهْمَ فِي جَرْفٍ مِنَ البِدَعِ هِيَ الحَيَاةُ إِلَى الأَكْفَانِ تَصْرِفُنَا = وَفِي السَّرَابِ يَخُوضُ العُمْرُ وَالمُتَعِ فَمَا غَدًا يَرْتَجِي الإِنْسَانُ يُدْرِكُهُ = حَتْمًا وَمَا يَرْجعُ المَفْقُودُ بِالهَلَعِ فَأَطْلِقِ اليَوْمَ مِنْ ضِيقِ الدُّنَا جَسَدًا = وَأَعْتِقِ الرُّوحَ فِي دَيمُومَةِ الوَسَعِ
نعى الزمان معين الطهر حين نعي = وغاب عنه الأسى الساجي فكان معي ودعت يا أبت الدنيا وودعني = بوجد موتك ما في العين من همع كأنما الأرض بعد الفقد في ثكل = والحزن يجتاحني في سيل ممتقع ذرفت دمع فراق غير منسكب = وذبت حتى كأن القلب في نزع يا والدي وجهات الكون واسعة = وزعت حبك في الدنيا فلم تسع تكاد روحي من الأشواق في تلف = والشوق في الصدر يطغى غير منقمع يا للمشاعر كم تأسى لغربتها = وكم يفت شفيف الحزن في الضلع أبكيك حزنا شعوري في لظى كبدي = وليس حزني في شعري بمصطنع هل غاب عني السنا الممتد في أفقي = وأسبل الموت جفن الصادق الورع؟ وهل طوت صفحة الأيام من فتحت = له القلوب طروس الحب والتبع؟ هو النبيل الذي كانت بصيرته = نورا يضيء بنهج خير متبع بالأمس كنا وصحن العيش يجمعنا = واليوم بتنا بجمع غير مجتمع ما زلت أذكر نور الوجه مبتسما = يردد الذكر والترحيب في ضوع ويصطفي من لذيذ القرب مبتهجا = دعابة من حنان غير منصدع آنست فيه الرضا حبا يطيب به = فحط قلبي على كفيه لم يرع قد كان يتلو كتاب الله معتكفا = وكان يسمو عن الفحشاء والطبع وكان آخر من يدعى إلى هرج = وكان أول من يسعى إلى الجمع أبا سمير سقاك الله كوثره = مع الحبيب تذوق الأمن في الجرع طوبى لروحك عافت دار مخمصة = لدار خلد مع الأبرار في النجع ناداك ربك للرضوان فانتقلت = في عشر عتق بشوق غير ممتنع وأرهقتك سنين العمر مصطبرا = فارتح بروضة هذا اللحد واضطجع يا ليتني كنت للصوت الرحيم فدى = حتى يعبق لي وجدان مستمع أرى الحياة سرابا بعدما رحلت = روح الصفاء وغابت في دجى الخدع مضيت للخلد محمودا ومكتملا = في مقعد الصدق عند الله فارتفع بشرى رأيتك فيها أهل جنته = وأنت أهل دعاء الساجد الضرع أنا ابن قلبك لم تنجبه من رفث = وإنما من لقاء البر بالولع لولا يقيني بحق الله قدره = على العباد لأسقاني الردى فزعي لو يستردك دمع العين يا أبتي = لكنت جدت بدمع غير منقطع لكنها سنة الأيام نجرع من = كأس المنون شرابا غير مجترع ولو يعمر فيها خالدا بشر = لكان أحمد خير الخلق والشيع لا كنت يا نفس إن أوردتني تلفا = إياك أن توقعي إياك أن تقعي ولا تكوني من الأنعام مطلبها = طيب التقلب بين الري والشبع أو من تبيع لأدنى الأمر نزعتها = وإن دعاها عظيم الأمر لم تبع يا نفس لا تطلبي الدنيا وإن ضحكت = وقد أماط الردى عن وجهها البشع شمطاء رقطاء لا تبقي على أمل = تخاتل العمر بين اليأس والطمع كأنها الكوكب الدري زخرفها = والناس ما بين خداع ومنخدع فيا بن هدي رسول الله محتسبا = أحسن عزاك فخير الصبر في الجزع والموت خير لسان قال موعظة = مهما أذاقك من سفع ومن سلع لن تستقيم لك الدنيا على دعة = ولا على عدوة البلوى فخذ ودع وابذل نداك إلى غايات ذي شرف = ترجو العظيم وإن زل الهوى فزع واقطع رجاك سوى ما كان همته = لرتبة العز في الدارين وارتفع وانظر لأمرك دهرا والتزم سبلا = فالحر ينظر في ما يدعي ويعي واصبر على جفوة الأحباب معذرة = فليس تقلع عين الرأس من وجع إلام تصدف عن زاد لآخرة = وتصرف العيش بين البخل والجشع وتسحق العزم في أسباب شقوته = وتلحق الوهم في جرف من البدع هي الحياة إلى الأكفان تصرفنا = وفي السراب يخوض العمر والمتع فما غدا يرتجي الإنسان يدركه = حتما وما يرجع المفقود بالهلع فأطلق اليوم من ضيق الدنا جسدا = وأعتق الروح في ديمومة الوسع
