الشعر

الدمعة العذراء

إِلَى حُورِيَّةِ الشَّمْسِ
إِلَى نَفْسِي
إِلَى تَاجٍ عَلَى رَأْسِي
إِلَى فِرْدَوسِيَ الغَافِي عَلَى ظَمَئِي
وَسُقْيَا كَوْثَرِي الْمُنْسَابِ فِي لِينِي
إِلَى ذِكْرَى اِبْتِسَامَتِهَا وَدَمْعَتِهَا وَشَايِ الْعَصْرِ مِنْ كَانُونِ تِشْرِينِ
تُحَدِّثُنِي عَنِ الْقُدْسِ
وَعَنْ أَمْسِي
وَعَنْ بَطَلٍ أَتَى بِالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ
أُحَلِّقُ فِي مَعَارِجِهَا فَتُدْنِينِي
وَتُطْعِمُنِي رَغِيفَ حَنَانِهَا الْمَخْبُوزَ فِي تَنُّورِهَا الطِّينِي
وَتَسْقِينِي حَلِيبَ الْعِزِّ مِنْ ثَدْيٍ فِلَسْطِينِي

وَحِينَ أَلُوذُ بِالأَوْهَامِ،
يَأْخُذُنِي نِدَاؤُكِ مِنْ سَرَابِ الوَقْتِ
مِنْ سِنَتِي
إِلَى كَفَّيْنِ تُمْسِكَ دَفَّةَ الدُّنْيَا
وَتُطْعِمُنِي يَقِينَ الضَّوْءِ،
تَمْسَحُ غُصَّةَ الشَّكْوَى،
وَتُلْبِسُنِي قَمِيصَ العِفَّةِ المَغْزُولِ بِالتَّقْوَى
فَيَنْحَسِرُ الأَسَى عَنِّي
وَتُورِقُ بَسْمَةٌ بَيْضَاءُ فِي سِنِّي
يُرَتِّلُهَا صَدَى الذِّكْرَى وَيُشْجِينِي

مَدَاكِ مَدَحْ
وَثَغْرُكِ مِنْ شَذَاكِ نَضَحْ
وَوَجْهُكِ رَغْمَ قَهْرِ الْحُزْنِ نَهْرُ فَرَحْ
وَوَمْضُ الدَّمْعَةِ الْعَذْرَاء يَا أُمَّاهُ قَوْسُ قُزَحْ
فَأَنْتِ الرَّوْحُ تَسْرِي فِي شَرَايِينِي
وَأَنْتِ الطُّهْرُ يَا أُمِّي
دُعَاءُ الْفَجْرِ، نُورُ الصَّدْرِ، إِبْرِيقُ الْوَضُوءِ، بَرَاءةُ الْقِسْمَاتِ، دِفْءُ الْحِضْنِ
آيَاتٌ تُنَاجِينِي
خَدِيجَةَ كُنْتِ فِي بَعْلٍ
وَآمِنَةً إِلَى طِفْلٍ
وَمَرْيَمَ فِي نِسَاءِ الْأرْضِ
أَنْقَى مِنْ صَقِيلِ الدُّرِّ
أَرْقَى مِنْ نَبِيلِ الشِّعْرِ
أَتْقَى مِنْ دُعَاةِ الزُّهْدِ وَالدِّينِ

هِيَ الرَّحِمُ الَّتِي وَسِعَتْ جِرَاحَ الأَرْضِ
مَا نَكَصَتْ
وَمَا ضَاقَتْ بِمَا حَمَلَتْ مِنَ المِحَنِ
هِيَ الحِصْنُ الَّذِي يَأْوِي
بِهِ المَلْهُوفُ باِلوَطَنِ
وَهَذِي أَنْتِ يَا أُمِّي
دُمُوعُكِ أَغَلَى مَنْ وُجُودِ الكَوْنِ
أَغْلَى مَنْ مَدَى الزَّمَنِ
وَحِينَ أَغُضُّ فِي وَهَنٍ
يُخَاصِمُ فِي المَدَى ظِلِّي
أَرَى وِجْدَانَهَا نَهْرًا
يَفِيضُ عَلَى جَفَافِ العُمْرِ،
يَغْسِلُ بِالنَّدَى رُوحِي،
وَيَشْفِي لَوْعَةَ الأَحْزَانِ يَا أُمَّاهُ فِي سُوحِي
بِلا مَنٍّ يُوَافِينِي

لِأَجْلِكِ أَنْتِ يَا أُمِّي
لِعَرْشِ جَلَاَلِكِ الْأُمِّي
لِتِلْكَ الدَّمْعَةِ الشَّمَّاءِ فِي عَيْنَيْكِ تَفْخَرُ بِي
جَعَلْتُكِ قِبْلَةَ الْعُمُرِ
أُنَـمِّي غُصْنَكِ الْعُمَرِيْ
لِيَعْلُوَ فِي سَمَاءِ الْمَجْدِ يَحْمِلُ سُنْبُلَاتِ الْحُبِّ
يُخْبِرُ عَنْ حَصَانٍ أَنْجَبَتْ بِالصَّبْرِ حُرًّا غَيْرَ مَفْتُونِ
فَقَلْبُ الطِّفْلِ يُوهِينِي عَلَى أَثَرِ
وَطِفْلُ الْقَلْبِ يُؤْوِينِي عَلَى حَذَرِ
وَفِي الْقَلْبَيْنِ أَدْفِنُ لِـمَّتِي الْبَيْضَاءَ
أَرْقُبُ شُرْفَةَ الذِّكْرَى لِوَجْهٍ أَنْ يَعُودَ لَنَا سَنَا طَيْفٍ
يَقُولُ: بـَخٍ…
فَيُحْيِينِي

كَبِرْتُ وَشِخْتُ يَا أُمِّي
وَمَا زَالَتْ حُرُوفُ الطِّفْلِ تَكْتُبُنِي
وَمَعْنَى الْيُتْمِ يبْكِينِي
وَمَا زَالَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ فِي أَثَرِي
بِآمَالٍ تُوَدِّعُنِي وَآلَامٍ تُوَاعِدُنِي
وَبَوْصَلَتِي لِدَرْبِ رِضَاِكِ يَا قَمَرِي تُنَادِينِي
أُفَتِّشُ صُرَّةَ الْكَلِمَاتِ عَنْ مَعْنَى يَذُوبُ عَلَى شِفَاهِ الْبِرِّ أَدْعِيَةً
وَأُفْرِزُ مِنْ رَحِيقِ الصَّمْتِ شَهْدَ قَصِيدَةٍ ثَكْلَى
تَلُـمُّ الْقَلْبَ عَنْ شَفَتِي
تَؤُمُّ الْحُبَّ فِي رِئَتِي
تُوَاسِي طِفْلَكِ الْمَسْطُورَ فِي سِفْرِ الْحَنِينِ إِلَيْكِ
مَا عَثَرَتْ بِهِ لُغَتِي
وَلَا عَمَهَتْ عَنَاوِينِي

سَلَامٌ كُلَّمَا انْبَلَجَتْ خُيُوطُ الشَّمْسِ،
فِي عَتْمِي
سَلَامٌ كُلَّمَا سَجَدَتْ حُرُوفُ النُّورِ فِي المِحْرَابِ
يَا أُمِّي
سَلَامٌ خَالِدٌ يَبْقَى،
كَمَا تَبْقَى فِلَسْطِينُ الَّتِي عُجِنَتْ بِطِيبَتِكِ
وَفُرْنَ الطِّينِ وَالعِشَّةْ
أُسَافِرُ فِي مَحَطَّاتِ الحَيَاةِ المُرَّةِ الهَشَّةْ،
وَأَبْحَثُ فِي وُجُوهِ الخَلْقِ،
عَنْ دِفْءٍ يُشَابِهُ دِفْءَ نَظْرَتِكِ
فَلَا أَلْقَى سِوَى جَدْبٍ،
سِوَى ثَلْجٍ مِنَ الخُذْلَانِ يُقْصِينِي
وَيَبْقَى طَيْفُكِ القُدْسِيُّ
حَدْسًا نَابِضًا فِي الصَّدْرِ يَأْوِينِي
يُدَثِّرُنِي، وَيُدْنِينِي، وَيَحْمِينِي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى