الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

الزهد الجديد

لا كراهية العالم بل السيادة عليه

ليس الزّهد أن يقف الإنسان على حافّة الحياة كما يقف غريب على باب مدينة لا يريد دخولها، ولا أن يكره المال لأنّه عجز عن امتلاكه، ولا أن يزدري الجمال لأنّه لم يذق معناه، ولا أن ينسحب من العالم ثمّ يسمّي انسحابه علوّا روحيّا. فالزّهد حين يفهم على هذا الوجه الفقير يتحوّل إلى عزاء للضّعف، أو قناع للعجز، أو خصومة باردة مع الحياة. أمّا الزّهد في معناه الأعمق فليس حربا على العالم، بل تحرير لمركز الإنسان من أن يحتلّه العالم. ليس تحريما للطّيّبات، بل منع للطّيّبات من أن تتحوّل إلى أرباب صغيرة. ليس رفضا للمال، بل رفض لأن يصير المال مالكا لصاحبه. ليس تركا للتّقنيّة، بل امتلاك لمسافة داخليّة تجعل الإنسان يستعملها دون أن تستعمله. إنّه فنّ ترتيب الأشياء في مواضعها، حتّى تبقى الوسائل وسائل، والغايات غايات، والقلب قلبا، لا سوقا مفتوحا لكلّ عابر يبيع وهما أو يشتري كرامة.

لقد اختلط الزّهد في أذهان كثيرين بصورة كئيبة شاحبة؛ ثوب خشن، ووجه عابس، وبيت فقير، ويد فارغة، وصوت يعظ النّاس أن يتركوا الدّنيا كأنّ الدّنيا كلّها رجس مطلق. وهذا الفهم لا ينصف الحياة ولا ينصف الرّوح. فالإنسان لم يخلق ليحارب الموجودات، بل ليعرف قدرها. وليس كلّ امتلاك سقوطا، ولا كلّ راحة غفلة، ولا كلّ جمال فتنة، ولا كلّ نجاح دنيويّة مذمومة. قد يكون المال في يد إنسان صالح طريقا إلى ستر الفقير، وبناء المدرسة، وحماية الأسرة، وصون الكرامة من سؤال النّاس. وقد تكون التّقنيّة جسرا إلى علم نافع، وصلة رحم، وكشف ظلم، ونشر حكمة. وقد يكون الجمال تهذيبا للذّوق، لا بابا للغرور. العيب ليس في الأشياء ابتداء، بل في لحظة انقلابها من خادمة للإنسان إلى سيّدة عليه.

“فالزّهد ليس ألّا تملك، بل ألّا تملك. قد لا يملك الفقير شيئا، ولكنّه عبد لما لا يملك، يلهث خلفه بقلب مأسور وإن خلت يداه.”

فالزّهد ليس ألّا تملك، بل ألّا تملك. هذه هي الكلمة الفاصلة. قد لا يملك الفقير شيئا، ولكنّه عبد لما لا يملك، يلهث خلفه بقلب مأسور وإن خلت يداه. وقد يملك الغنيّ مالا كثيرا، لكنّ المال في يده لا في قلبه، يستدعيه للخير ولا يستدعيه للخضوع، ينفقه إذا وجب، ويتركه إذا مسّ كرامته، ولا يساوم به على ضميره. الزّهد إذن ليس صورة اقتصاديّة، بل حالة سياديّة. ليس مقدار ما في يدك، بل مقدار ما في يد الأشياء منك. ليس أن يكون بيتك صغيرا أو كبيرا، بل هل صار البيت معيار قيمتك؟ ليس أن تلبس البسيط أو الفاخر، بل هل تستطيع أن تبقى أنت إذا تغيّر الثّوب؟ ليس أن تستعمل الجديد أو القديم، بل هل فقدت سكينتك لأنّك لم تلحق بالجديد؟

إنّ العالم الحديث لا يخاف من الإنسان الفقير بالضّرورة، بل يخاف من الإنسان المكتفي. لأنّ الفقير قد يكون قابلا للإغراء إذا صار الفقر في قلبه انكسارا، أمّا المكتفي فصعب الشّراء. والاكتفاء هنا لا يعني توقّف الطّموح ولا موت الرّغبة في التّحسين، بل يعني أنّ الإنسان لا يضع جوهره في الخارج، ولا يربط كرامته بما يمكن أن يسلب منه. السّوق يريد إنسانا لا يشبع، لا لأنّه محتاج دائما، بل لأنّه قلق دائما. يريد قلبا مفتوحا لكلّ نقص جديد، وعينا لا تستقرّ على نعمة، ونفسا تشعر أنّ ما لديها قليل بمجرّد أن ترى ما عند غيرها. والزّهد الجديد يأتي هنا كفعل مقاومة: أن يقول الإنسان للسّوق: أستعملك، لكنّني لا أستمدّ منك تعريفي لنفسي؛ أشتري منك ما أحتاج، لكنّني لا أسمح لك أن تصنع لي حاجتي؛ أمرّ بين واجهاتك، لكنّني لا أترك قلبي معلّقا على زجاجها.

القناعة، بهذا المعنى، ليست نقيض الطّموح. بل لعلّ الطّموح بلا قناعة يصير جوعا لا ينتهي، والقناعة بلا طّموح قد تصير خمولا متديّن العبارة. القناعة الرّاشدة هي أن يعرف الإنسان ما يكفيه كي لا يستعبد، والطّموح الرّاشد هو أن يعرف ما يطلبه كي لا يتوحّش. القناعة تقول: لست ناقصا لأنّني لا أملك كلّ شيء. والطّموح يقول: أستطيع أن أرتقي دون أن أحتقر ما أنا فيه. القناعة تحمي الرّوح من الجشع، والطّموح يحميها من الرّكود. فإذا اجتمعا صار الإنسان قادرا على العمل بلا هلع، وعلى النّجاح بلا غرور، وعلى السّعي بلا عبوديّة. أمّا إذا انفصلا، صار الطّموح وحشا يلتهم صاحبه، أو صارت القناعة كساء للعجز والكسل والخوف من المغامرة.

إنّ الجشع ليس حبّ المال فقط، بل هو فراغ يحاول أن يتنكّر في صورة طّموح. الجشع حفرة في الدّاخل مهما ألقيت فيها من الأشياء اتّسعت. يطلب الإنسان مالا أكثر، لا لأنّه يعرف ماذا سيفعل به، بل لأنّه يخاف أن يقف مع نفسه بلا رقم جديد يطمئنه. يطلب شهرة أكثر، لا لأنّه يحمل رسالة أوسع، بل لأنّه لا يطيق صمتا لا يذكره فيه أحد. يطلب امتلاكا أكثر، لا لأنّ الحاجة تدعوه، بل لأنّ الفراغ يدفعه. والزّهد لا يعالج هذا الفراغ بإهانة المال أو الجمال أو النّجاح، بل بكشف موضع الجوع الحقيقيّ. فليست كلّ رغبة في الخارج طلبا للخارج؛ كثير منها استغاثة داخليّة من قلب لم يجد معنى، وروح لم تجد سكينة، وذات لا تعرف كيف تكون كافية إلّا إذا تراكم حولها الضّجيج.

“البساطة هنا ليست نقصا اجتماعيّا، بل قوّة داخليّة. البساطة ليست ضيقا في الإمكانات، بل اتّساع في الدّاخل يجعل الإنسان غير محتاج إلى كثرة الزّوائد كي يشعر أنّه موجود.”

والبساطة هنا ليست نقصا اجتماعيّا، بل قوّة داخليّة. في زمن صار التّعقيد فيه علامة على المكانة، تبدو البساطة كأنّها فقر في الخيال أو عجز عن اللّحاق. لكنّ البساطة في حقيقتها ليست ألّا يملك الإنسان ما يقدر عليه، بل أن يملك قدرة الحذف، قدرة أن يقول: هذا لا أحتاجه، وهذا لا يشبهني، وهذا يثقل حياتي ولا يرفعها، وهذا يأخذ من روحي أكثر ممّا يعطي جسدي. البساطة ليست ضيقا في الإمكانات، بل اتّساع في الدّاخل يجعل الإنسان غير محتاج إلى كثرة الزّوائد كي يشعر أنّه موجود. إنّ البيت البسيط الّذي تسكنه السّكينة أرقى من قصر تسكنه المقارنة. واللّباس الهادئ الّذي لا يطلب من صاحبه أن يمثّل دورا أعلى من نفسه أكرم من زينة تحوّل صاحبها إلى إعلان متحرّك. والبساطة الّتي تأتي من وعي واختيار ليست هبوطا، بل ارتقاء من ضجيج الأشياء إلى صفاء المعنى.

والإنسان الحديث محتاج إلى هذا الزّهد أكثر من إنسان العصور الماضية، لا لأنّه يملك أقلّ، بل لأنّه محاصر بما لا يحصى ممّا يطالبه أن يريد. كان الإنسان القديم يقاوم ندرة الأشياء، أمّا إنسان اليوم فيقاوم وفرتها العدوانيّة. كان يخاف ألّا يجد، أمّا اليوم فيخاف ألّا يلحق. كان يبتلى بالحاجة، أمّا اليوم فيبتلى بالاحتمالات الّتي لا تنتهي. هاتف في يده يفتح له ألف سوق، وألف عين، وألف مقارنة، وألف رغبة صغيرة، حتّى صار يحمل مدينة كاملة من النّداءات في جيبه. ومن لم يملك زهدا داخليّا أمام هذه الوفرة صار كمن دخل بحرا من العسل ولم يعرف كيف يتنفّس؛ يموت لا من الحرمان، بل من التّخمة.

والتّقنيّة هي الاختبار الأوضح لهذا الزّهد الجديد. فليست المشكلة أن نستخدم الهاتف أو المنصّة أو الذّكاء الاصطناعيّ أو وسائل الاتّصال، فهذه أدوات عظيمة إذا وضعت في موضعها. المشكلة أن تتحوّل التّقنيّة من نافذة نطلّ بها على العالم إلى باب يقتحم منه العالم غرفة القلب كلّ لحظة. ألّا تعود أنت من يقرّر متى تفتحها، بل هي الّتي تستدعيك. ألّا تكون وسيلة لإنجاز العمل، بل مصنعا لتأجيله. ألّا تكون سبيلا إلى المعرفة، بل آلة لتفتيت الانتباه. ألّا تكون وسيلة لصلة الإنسان، بل بديلا باهتا عن حضوره. الزّهد في التّقنيّة ليس كسر الجهاز ولا اعتزال العصر، بل استعادة السّيادة على مفتاح الدّخول والخروج. أن تسأل قبل كلّ استعمال: هل أنا الآن أستخدم الأداة، أم الأداة تستخدم قلقي؟ هل أفتحها لحاجة، أم لأنّني لا أحتمل الصّمت؟ هل أبحث عن معرفة، أم عن جرعة اعتراف؟ هل أتّصل بالنّاس، أم أهرب من نفسي بينهم؟

إنّ من علامات السّيادة على التّقنيّة أن يستطيع الإنسان أن يغلقها دون أن يشعر كأنّه اختنق، وأن يضعها بعيدا في حضرة من يحبّ، وأن يقرأ نصّا طويلا دون أن يتلفّت ذهنه كطائر مذعور، وأن يجعل لها وقتا لا أن تجعل هي لكلّ وقته شكلا، وألّا يسمح للخوارزميّة أن تربّي ذوقه وغضبه وفضوله بدلا عنه. التّقنيّة الحديثة بارعة في أن تتحوّل إلى مربّ خفيّ؛ تعلّمك ما الّذي تراه، وما الّذي تتجاهله، ومتى تغضب، ومتى تضحك، وماذا تشتهي، ومن تقارن نفسك به. والزّهد هنا يعني أن تقول لها: أنت خادمة عند باب العقل، لا ملكة على عرشه.

والزّهد الجديد لا يستقيم إلّا إذا فهمنا أنّ الأشياء ليست خطرا بذاتها، بل الخطر في اضطراب ترتيبها. المال في اليد قوّة، وفي القلب قيد. الشّهرة إذا جاءت تابعة للأثر قد تكون وسيلة لنفع أوسع، وإذا صارت غاية أفسدت النّيّة والفكرة. الرّاحة إذا أعانت على العمل كانت نعمة، وإذا صارت غاية الحياة أفسدت الرّجولة والهمّة والرّوح. الجمال إذا هذّب الذّوق كان بابا إلى الامتنان، وإذا صار معيار القيمة صار طاغية ناعما. حتّى العلم إذا صار سلّما للكبر فقد شيئا من نوره، والعمل الصّالح إذا صار مسرحا للأنا ضعف إخلاصه. الزّهد إذن ليس في نوع الشّيء فقط، بل في مرتبته داخل النّفس. ما كان خادما فليبق خادما، وما كان وسيلة فليبق وسيلة، وما كان زينة فلا ينصّب على عرش المعنى.

“معيار الزّهد الحقيقيّ أن تستطيع ترك الشّيء إذا مسّ كرامتك. الزّهد ليس ألّا ترغب، بل ألّا تنهزم أمام رغبتك حين تستدعيك إلى ما دون كرامتك.”

ومعيار الزّهد الحقيقيّ أن تستطيع ترك الشّيء إذا مسّ كرامتك. هنا تظهر الحقيقة لا في الخطب. قد تقول إنّ المال في يدك، لكن هل تستطيع ترك مال يأتيك من باب يهين ضميرك؟ قد تقول إنّ المنصب لا يملكك، لكن هل تستطيع أن ترفضه إذا اشترط عليك الصّمت عن الحقّ؟ قد تقول إنّك لا تعبد السّمعة، لكن هل تستطيع أن تخسر مديح النّاس كي تحفظ صدقك؟ قد تقول إنّ التّقنيّة أداة، لكن هل تستطيع أن تنفصل عنها حين تسرق بيتك وقراءتك وصلاتك وحضورك؟ قد تقول إنّك حرّ من الاستهلاك، لكن هل تستطيع ألّا تشتري ما لا تحتاجه إذا كان الجميع حولك يقيسونك به؟ الزّهد ليس ألّا ترغب، بل ألّا تنهزم أمام رغبتك حين تستدعيك إلى ما دون كرامتك.

وهذا المعيار يفتح بابا أوسع؛ فالزّهد ليس تركا للأشياء فقط، بل قدرة على ترك الصّور. وكم من إنسان لا يملك مالا كثيرا لكنّه لا يستطيع ترك صورته في عيون النّاس. وكم من زاهد في الطّعام واللّباس عبد لمكانته الرّوحيّة. وكم من بسيط المعيشة شديد التّعلّق بأن يقال عنه بسيط نقيّ. وكم من ناقد للاستهلاك يستهلك اعتراف النّاس بنقده للاستهلاك. إنّ النّفس بارعة في تبديل الأصنام؛ إذا كسر صنم المال صنعت من الزّهد صنما، وإذا هزم حبّ الشّهرة في ميدان ظهر في ميدان آخر. لذلك يحتاج الزّهد إلى يقظة دائمة، لأنّه ليس قرارا واحدا، بل حراسة مستمرّة للدّاخل من أن يعيد تشكيل عبوديّته بلغة أرقى.

والزّهد بهذا المعنى ليس ضدّ الفاعليّة في الحياة، بل شرط من شروطها. الإنسان المستعبد للأشياء يتعب قبل أن يبدأ، لأنّ قراراته محكومة بالخوف من الخسارة، وبالرّغبة في الظّهور، وبالقلق من المقارنة. أمّا الزّاهد بمعنى السّيّد على الأشياء، فهو أقدر على الفعل؛ لأنّه أخفّ. ليس خفيفا بمعنى السّطحيّة، بل بمعنى أنّه لا يحمل في قلبه أثقالا لا ضرورة لها. يستطيع أن يتّخذ قرارا عادلا لأنّ مصلحته لا تعميه بسهولة. يستطيع أن يقول كلمة حقّ لأنّ السّمعة ليست إلهه. يستطيع أن يبدع لأنّه لا يطارد كلّ موجة. يستطيع أن يعمل طويلا لأنّه لا يطلب من كلّ عمل أن يمنحه تصفيقا فوريّا. إنّ الزّهد يحرّر الطّاقة من الحراسة المستمرّة للمظاهر، ويعيدها إلى البناء.

وفي الأسرة، يظهر الزّهد الجديد في القدرة على ألّا يتحوّل البيت إلى معرض مقارنة. كم من بيوت كان يمكن أن تسكنها الرّحمة، لكنّ أصحابها أرهقوها بمطاردة صورة اجتماعيّة لا تنتهي: أثاث فوق الحاجة، مناسبات فوق الطّاقة، مظاهر تفوق الدّخل، وقلق دائم من كلام النّاس. الزّهد الأسريّ ليس أن يعيش النّاس في حرمان، بل ألّا تهدم الأسرة سكينتها لتشتري إعجابا عابرا. ألّا يربّى الطّفل على أنّ قيمته في ما يملك زملاؤه، ولا أن يختنق الأب ليؤدّي دور المقتدر دائما، ولا أن تستنزف الأمّ في سباق العرض الاجتماعيّ. البيت الزّاهد بيت يعرف كيف يفرح بما لديه، وكيف يطلب الأفضل دون أن يجلد نفسه، وكيف يجعل الحبّ والرّحمة والحوار أثمن من الأشياء المحيطة بها.

وفي العمل والإدارة، الزّهد يعني ألّا يتحوّل المنصب إلى هويّة. المدير غير الزّاهد يخاف من كلّ كفاءة حوله، لأنّ كرسيّه هو قلبه. أمّا المدير الزّاهد في المنصب بمعناه الصّحيح فيعرف أنّه مؤتمن لا متألّه، وأنّ قيمته ليست في إطالة ظلّه على الآخرين، بل في إنجاح المؤسّسة ولو ظهر غيره. والموظّف الزّاهد ليس كسولا ولا فاقد طّموح، بل هو من يعمل بإتقان دون أن يبيع روحه لترقية ظالمة، أو يطعن زميله ليتقدّم، أو يجعل العمل يبتلع أسرته وصحّته وعبادته ومعناه. الزّهد في المجال المهنيّ هو أن تنجح دون أن تتحوّل إلى عبد للنّجاح، وأن تطمح دون أن تجعل الطّموح محرقة لكلّ ما هو إنسانيّ فيك.

وفي الإصلاح والفكر، الزّهد من أخطر ما يحتاجه المصلحون. فكم من مشروع صالح أفسدته رغبة صاحبه في أن يكون هو العنوان. وكم من فكرة عظيمة ضعفت لأنّ صاحبها لم يستطع أن يفرح بنجاحها على يد غيره. الزّهد الإصلاحيّ أن تخدم الحقّ ولو لم ينسب إليك، وأن تبني ما يبقى ولو لم تذكر، وأن تقبل أن تكون جنديّا في موضع الجنديّة، وقائدا إذا كنت أصلح للقيادة، وألّا تجعل الدّعوة إلى الخير طريقا خفيّا إلى مجد الذّات. هذا من أصعب الزّهد، لأنّ أصنام المعنى أشدّ خفاء من أصنام المال. قد يترك الإنسان الدّنيا الظّاهرة، لكنّه يظلّ متعلّقا بأن يكون “الرّجل الّذي ترك الدّنيا”، فيصير عبده بصورة أخرى.

“المجتمعات الّتي لا تعرف الزّهد تتحوّل إلى جماعات قابلة للابتزاز. تشترى بالرّفاه الزّائف، وتساق بالخوف من فقد الامتيازات، وتخدّر بالاستهلاك.”

والزّهد الجديد يحتاج إلى لغة جديدة؛ لغة لا تحتقر العالم، ولا تبرّر الهروب منه، ولا تخلط بين الفقر والفضيلة، ولا بين الغنى والغفلة. هناك فقير متعلّق بالدّنيا أكثر من غنيّ، وهناك غنيّ أزهد من فقير، وهناك من يلبس البسيط وقلبه مسكون بالمقارنة، وهناك من يلبس الجميل وقلبه حرّ. العبرة ليست بالمشهد وحده، بل بما وراءه. لا يعني ذلك أنّ الظّاهر لا قيمة له، فالمظاهر تؤثّر وتكشف أحيانا، لكنّ الحكم العميق لا يتوقّف عندها. الزّهد مقام داخليّ تظهر آثاره في السّلوك؛ في القدرة على التّرك، والإنفاق، والاعتدال، ورفض الحرام، وحفظ الكرامة، وعدم الانكسار أمام الفقد، وعدم الطّغيان عند الوجد.

ومن هنا نحتاج إلى تربية على الزّهد لا بوصفه مادّة وعظيّة، بل بوصفه مهارة وجوديّة. أن يتعلّم الطّفل منذ صغره الفرق بين ما يحتاجه وما يشتهيه، وألّا يحصل دائما على كلّ ما يريد، وأن يرى أبويه يفرحان بالبساطة ولا يعتذران عنها، وأن يتعلّم أنّ الشّيء إذا كسر لا تنكسر النّفس معه، وأنّ النّاس لا يقاسون بثيابهم وأجهزتهم ومنازلهم. وأن يتعلّم الشّابّ أنّ الطّموح ليس سباق استعراض، وأنّ بناء الذّات أعمق من بناء الصّورة، وأنّ التّقنيّة نافعة بقدر ما تخدم مقاصده، خطرة بقدر ما تصير مقاصده. وأن يتعلّم المجتمع أنّ البساطة ليست علامة فشل، وأنّ القناعة ليست ضدّ النّهضة، وأنّ السّيادة على الأشياء أرقى من كثرتها.

وليس الزّهد الجديد فرديّا فحسب، بل له بعد اجتماعيّ وحضاريّ. المجتمعات الّتي لا تعرف الزّهد تتحوّل إلى جماعات قابلة للابتزاز. تشترى بالرّفاه الزّائف، وتساق بالخوف من فقد الامتيازات، وتخدّر بالاستهلاك، وتلهى عن حقوقها بأسواق لا تنام. أمّا المجتمع الّذي يملك قدرا من الزّهد الحضاريّ، فهو أقدر على الصّمود، لأنّه لا يبيع قراره بسهولة، ولا يضحّي بكرامته من أجل وفرة ملوّثة، ولا يسمح للسّوق أن يكون معبده الأعلى. الزّهد هنا ليس فقر الأمم، بل استقلالها الأخلاقيّ أمام سطوة المال والاستهلاك والصّورة. أمّة لا تعرف كيف تقول “يكفينا” لن تعرف كيف تقول “لا” حين تهان.

ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل الزّهد إلى خطاب يبرّر الظّلم أو يطلب من المحرومين أن يرضوا بالحرمان. فليس من الزّهد أن يقال للجائع: ازهد في الخبز، ولا أن يقال للمظلوم: ازهد في حقّك، ولا أن يقال للفقير: لا تطالب بعدالة التّوزيع لأنّ الدّنيا فانية. هذا تزوير للزّهد واستعمال له ضدّ الإنسان. الزّهد لا يلغي العدالة، بل يطهّر المطالبة بها من الجشع والحقد. الزّهد لا يطلب من النّاس أن يقبلوا الإهانة، بل يمنحهم من الدّاخل قوّة تجعلهم لا يبيعون كرامتهم ولو اشتدّ احتياجهم. الزّهد الحقّ يقف ضدّ الظّلم، لأنّه لا يخاف فقدان فتات الظّالم، ولا يغريه ثمن السّكوت.

إنّ الزّهد الجديد، في جوهره، هو أن يعيش الإنسان في العالم دون أن يتحوّل العالم إلى مستعمر لقلبه. أن يحبّ الجمال دون أن يعبد الصّورة. أن يطلب المال دون أن يبيع المعنى. أن يستعمل التّقنيّة دون أن يصبح امتدادا لشاشتها. أن يطمح دون أن يتحوّل إلى ذئب في سوق المكانة. أن يفرح بالأشياء دون أن يجعلها مصدر قيمته. أن يخسر شيئا دون أن يخسر نفسه. أن يربح شيئا دون أن ينسى نفسه. أن يعرف متى يأخذ، ومتى يترك، ومتى يقول: هذا كثير على روحي وإن كان قليلا في أعين النّاس.

ولعلّ أصدق تعريف للزّهد أنّه حرّيّة الاختيار أمام سطوة الإغراء. فمن لا يملك التّرك لا يملك الأخذ حقّا. إذا كنت لا تستطيع ترك الشّيء، فأنت لا تملكه، بل هو يملكك. إذا كنت لا تستطيع ترك مال مريب، أو شهرة مهينة، أو علاقة تبتلع كرامتك، أو عادة تسرق انتباهك، أو منصّة تشوّه روحك، أو مظهر يفوق طاقتك، فليست المسألة أنّك تحبّ هذه الأشياء فقط، بل أنّك فقدت السّيادة عليها. أمّا حين تستطيع أن تقول: أريده، لكنّه لا يستحقّني إن أخذ من كرامتي؛ أستعمله، لكنّه لا يدخل إلى قلبي؛ أفرح به، لكنّني لا أنهار بدونه؛ حينها يبدأ الزّهد لا كحرمان، بل كملك داخليّ.

وفي الخاتمة، فإنّ الزّهد ليس غبارا أو رمادا على رأس الحياة، بل تاج خفيّ على رأس النّفس الحرّة. ليس أن تغادر العالم، بل أن تدخل إليه بقدمين ثابتتين وقلب غير قابل للبيع. ليس أن تكره الأشياء، بل أن تعرف أسماءها الحقيقيّة؛ هذا مال، لا إله؛ هذه تقنيّة، لا قدر؛ هذه سمعة، لا كرامة؛ هذا جمال، لا معنى نهائيّ؛ هذا نجاح، لا خلاص؛ هذه رغبة، لا أمر واجب الطّاعة. فإذا عرفت الأشياء أسماءها، عادت إلى مواضعها، وإذا عادت إلى مواضعها، استعاد الإنسان عرشه الدّاخليّ.

“الزّهد الجديد هو أن تكون سيّدا وسط الوفرة، لا هاربا إلى العدم؛ أن تمشي في السّوق وقلبك ليس دكّانا؛ أن تحمل الهاتف ولا يحملك.”

الزّهد الجديد هو أن تكون سيّدا وسط الوفرة، لا هاربا إلى العدم؛ أن تمشي في السّوق وقلبك ليس دكّانا؛ أن تحمل الهاتف ولا يحملك؛ أن تملك المال ولا يسكنك؛ أن تطلب الرّفعة ولا تدوس روحك في الطّريق إليها؛ أن ترضى بما عندك دون أن تقتل ما يمكنك أن تصيره؛ أن تبني وتنجح وتحبّ وتتجمّل وتتعلّم وتعمل، ثمّ تبقى قادرا، عند لحظة الامتحان، أن تترك كلّ ما يمسّ كرامتك كمن يخلع غبارا عن كتفه. هناك فقط لا يكون الزّهد كراهية للعالم، بل سيادة عليه؛ ولا يكون نقصا في الحياة، بل امتلاء بما هو أعلى من كلّ ما يعرضه العالم ثمّ يمضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى