الحرية الداخلية والظلم الخارجي
حتّى لا يصبح تهذيب النّفس ستارا لتبرئة القيد
من أخطر ما يقع فيه الخطاب الأخلاقيّ حين يتحدّث عن الحرّيّة الدّاخليّة أنّه قد يتحوّل، من حيث لا يشعر أو من حيث يشعر، إلى حارس مهذّب لأبواب السّجون. يبدأ الكلام نبيلا عن ضرورة تحرير النّفس من الخوف، ومن عبوديّة الرّغبة، ومن إدمان الاعتراف، ومن القابليّة للاستلاب، ثمّ ينتهي عند بعض الألسنة إلى عبارة باردة قاسية تقول للمقهور: لو كنت أقوى من الدّاخل لما استعبدك أحد، ولو أصلحت قلبك لما غلبك الظّلم، ولو تحرّرت من حاجتك وخوفك لما استطاعت البنى السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة أن تطحنك. وهنا تنقلب الحكمة إلى قسوة، ويتحوّل الوعظ إلى سكّين ناعم، ويدعى الإنسان إلى أن يفتّش في جرحه عن سبب السّكّين، لا في يد من طعنه.
إنّ تحرير النّفس أصل عظيم، لا يصحّ إنكاره ولا التّهوين منه. فالإنسان الّذي يحمل في داخله خوفا مطلقا، وحاجة لا تنضبط، ورغبة مريضة في رضا النّاس، وعبوديّة للصّورة والاستهلاك، يكون أكثر قابليّة لأن يقاد من خارج نفسه. ومن لم يملك شيئا من سيادة الدّاخل، استطاع كلّ ناظر أن يستعبده بنظرة، وكلّ سوق أن يجرّه بوهم، وكلّ سلطة أن تبتزّه بخوف، وكلّ جماعة أن تطرده من ذاته باسم الانتماء. غير أنّ هذه الحقيقة، على صوابها، ليست الحقيقة كلّها. فالإنسان لا يعيش في فراغ أخلاقيّ، ولا تتشكّل قابليّته للاستعباد داخل غرفة معزولة عن التّاريخ والاقتصاد والسّياسة والتّربية والإعلام. إنّ النّفس أرض، نعم، لكنّها أرض تمطر عليها أنظمة، وتهبّ فوقها رياح، وتحاط بسياج، وتحفر تحتها قنوات، وقد تزرع فيها بذور لم تخترها، ثمّ يلام صاحب الأرض وحده على نوع الثّمر.
ولذلك يجب أن نميّز بدقّة بين مسؤوليّة الإنسان عن قابليّته للاستعباد، ومسؤوليّة البنى الّتي تصنع هذه القابليّة وتستثمرها. الإنسان مسؤول حين يستطيع أن يرى القيد ثمّ يزيّنه لنفسه، وحين يملك بابا للمقاومة فيؤثر الرّاحة، وحين يعرف أنّ الرّغبة تهينه فيتبعها، وحين يبيع كرامته ليحافظ على صورته، وحين يتهرّب من السّؤال لأنّ السّؤال سيكلّفه تغييرا. مسؤول لأنّه ليس حجرا تدفعه الرّياح بلا إرادة، ولا صفحة بيضاء تكتب عليها القوى الخارجيّة ما تشاء بلا مقاومة. في الإنسان دائما مساحة، ولو ضاقت، يستطيع فيها أن يقول: لا. يستطيع أن يراجع، وأن يتوقّف، وأن يتعلّم، وأن يردّ بعض النّداءات، وأن يحفظ في داخله منطقة لا تشترى. وهذه المساحة هي أصل التّكليف، ومن دونها يتحوّل الإنسان إلى ضحيّة مطلقة لا معنى لمحاسبتها ولا لتربيتها.
“إنّ البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة لا تقف خارج الإنسان كمنظر بعيد، بل تدخل في تكوينه الدّاخليّ. الفقر ليس نقصا في المال فحسب، بل ضغط على الخيال، وانكماش في الأفق.”
لكنّه لا يكون مسؤولا بالقدر نفسه حين تغلق حوله الأبواب، ويفقّر حتّى يصير الخبز شاغله الأوّل والأخير، ويجهّل حتّى لا يملك أدوات فهم ما يفعل به، ويخوّف حتّى يرى السّلامة في الصّمت، ويحاصر بإعلام يصنع له الوهم صباح مساء، ويلقى في سوق لا يبيع السّلع فقط بل يبيع القلق، ويربّى في مجتمع يقيس النّاس بالمظاهر ثمّ يقال له بعد ذلك: تحرّر من ضغط المظاهر. أيّ عدل هذا الّذي يضع إنسانا في طاحونة تدور ليلا ونهارا، ثمّ يلومه وحده لأنّه خرج منها مهشّم العظام؟ وأيّ حكمة تلك الّتي تحدّث الجائع عن الزّهد دون أن تسأل من سرق خبزه، وتحدّث الخائف عن الشّجاعة دون أن تسأل من زرع الرّعب في الطّرقات، وتحدّث المستهلك عن القناعة دون أن تفكّك صناعة كاملة تقوم على خلق النّقص في نفسه؟
إنّ البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة لا تقف خارج الإنسان كمنظر بعيد، بل تدخل في تكوينه الدّاخليّ. الفقر ليس نقصا في المال فحسب، بل ضغط على الخيال، وانكماش في الأفق، وإرهاق للرّوح، وتحويل للحياة إلى معركة بقاء يوميّة. ومن طحنت أيّامه في طلب الضّروريّ لا يملك دائما رفاهية التّأمّل الطّويل في هندسة رغباته. والجهل ليس فراغا في المعلومات فقط، بل عجز عن تسمية القيد، ومن لم يعرف اسم مرضه قد يظنّ الحمّى قدرا أو طبيعة أو ذنبا شخصيّا. والخوف السّياسيّ لا يسكت اللّسان وحده، بل يعيد تشكيل الأعصاب، ويجعل الإنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه الرّقيب، ويزرع في داخله شرطيّا صغيرا لا ينام. والإعلام الموجّه لا يعرض الأكاذيب فقط، بل يعيد ترتيب الممكن والمستحيل في وعي النّاس، فيجعل الظّلم ضرورة، والكرامة ترفا، والسّؤال تهوّرا، والصّمت حكمة.
ومن هنا يصبح اختزال الاستعباد في ضعف الفرد خيانة معرفيّة وأخلاقيّة. نعم، في الإنسان ضعف يستغلّ، لكن من الّذي حوّل هذا الضّعف إلى نظام ربح؟ في الإنسان رغبة في الاعتراف، لكن من الّذي صنع من الاعتراف سوقا؟ في الإنسان خوف من الفقد، لكن من الّذي جعل الفقد سيفا فوق رأسه؟ في الإنسان ميل إلى الرّاحة، لكن من الّذي حوّل التّرفيه إلى صناعة تفتيت للوعي؟ في الإنسان حاجة إلى الجماعة، لكن من الّذي جعل الجماعة أداة تطبيع وإخضاع؟ إنّ القوى الكبرى لا تخلق الإنسان من العدم، لكنّها تدرس مداخله، وتضخّم هشاشاته، وتغذّي حاجاته، وتستثمر مخاوفه، ثمّ تقول له بعد ذلك: أنت اخترت. وهذا القول قد يكون صحيحا في سطح الفعل، لكنّه ناقص في عمق التّكوين.
أخطر الخطاب الأخلاقيّ حين يقول للإنسان: أصلح داخلك فقط. فهذه الـ “فقط” الصّغيرة قد تكون بابا واسعا لتبرئة الظّالمين. حين يقال للعامل المستنزف: المشكلة في طمعك لا في أجر لا يكفي الحياة. وحين يقال للمرأة أو الرّجل داخل علاقة قهريّة: المشكلة في ضعفك الدّاخليّ لا في بنية ظلم تستنزف كرامتك. وحين يقال للشّعوب المفقّرة: مشكلتكم في ثقافة الاستهلاك لا في اقتصاد قائم على احتكار الثّروة وفتح ألف باب للإنفاق القهريّ. وحين يقال للنّاس تحت الاستبداد: حرّروا أنفسكم من الخوف فقط، دون أن يذكر جهاز الخوف ومنابعه وأدواته، فإنّ الخطاب لا يعود تهذيبا للنّفس، بل يصبح تطييبا للجراح كي لا نذكر الجلّاد.
“الظّلم لا يخاف من إنسان يتأمّل في غرفته فقط، بل يخاف من وعي داخليّ يتحوّل إلى سؤال عامّ، ومن طهارة نفسيّة تنقلب إلى مقاومة أخلاقيّة.”
إنّ الوعظ الّذي يطلب من الإنسان أن يكون قويّا دون أن يحارب ما يضعفه، وأن يكون حرّا دون أن يسأل عمّن يصنع أسره، وأن يكون واعيا دون أن يفكّك مؤسّسات التّجهيل، وأن يكون قنوعا دون أن يكشف اقتصاد صناعة الاحتياج، هو وعظ ناقص، وربّما كان في بعض استعمالاته شريكا ناعما للظّلم. فالظّلم يحبّ الأخلاق حين تكون فرديّة منزوية لا تقترب من البنية. يحبّ أن يسمع النّاس كلاما عن الصّبر لا يفتح سؤال العدالة، وعن الزّهد لا يكشف النّهب، وعن الطّاعة لا يضبط السّلطة، وعن السّلام الدّاخليّ لا يقترب من العنف الخارجيّ. الظّلم لا يخاف من إنسان يتأمّل في غرفته فقط، بل يخاف من وعي داخليّ يتحوّل إلى سؤال عامّ، ومن طهارة نفسيّة تنقلب إلى مقاومة أخلاقيّة، ومن زهد يفضح سوق الاستعباد، ومن شجاعة لا تكتفي بالهدوء بل تطالب بتغيير شروط الخوف.
ومع ذلك، فليس من العدل أيضا أن نقع في الطّرف المقابل، فنحمّل البنى الخارجيّة كلّ شيء، ونجعل الإنسان مجرّد دمية في يد النّظام والسّوق والمجتمع. فمثل هذا الخطاب قد يبدو متعاطفا مع الضّحيّة، لكنّه يسلبها آخر ما تملك؛ قدرتها على الاستجابة. إنّ تحويل الإنسان إلى نتيجة كاملة للظّروف يريحه من اللّوم، لكنّه قد يحرمه من القوّة. والواقع أنّ الإنسان، حتّى داخل القيد، يظلّ قادرا على أشكال من الاختيار والمقاومة؛ قد لا يستطيع تغيير النّظام كلّه، لكنّه يستطيع أن يمنع النّظام من احتلال ضميره كلّه. قد لا يملك إسقاط بنية الفقر، لكنّه يستطيع أن يبني داخل ضيقه شيئا من الكرامة والتّضامن والمعرفة. قد لا يستطيع أن يوقف آلة الإعلام، لكنّه يستطيع أن يحرس جزءا من انتباهه. قد لا يملك أن يغيّر شروط السّوق كلّها، لكنّه يستطيع أن يراجع ما يستهلك، وأن يربّي أولاده على معيار أصدق، وأن ينضمّ إلى من يبنون بدائل صغيرة. هذه القدرة ليست تبرئة للبنية، بل رفض لأن تكون البنية قدرا إلهيّا لا يقاوم.
العلاقة الصّحيحة إذن ليست مفاضلة بين تحرير النّفس ومقاومة الظّلم، بل ربط عضويّ بينهما. تحرير النّفس لا يلغي مقاومة الظّلم، لأنّه إن اكتفى بذاته تحوّل إلى زهد سلبيّ يترك المقهورين في مخالب القاهر. ومقاومة الظّلم لا تغني عن تحرير النّفس، لأنّها إن أهملت الدّاخل أعادت إنتاج الظّلم بأسماء جديدة. كم من ثائر على الاستبداد حمل في داخله شهوة المستبدّ، فلمّا تمكّن صار نسخة أخرى ممّا حاربه. وكم من ناقد للسّوق كان عبدا للشّهرة. وكم من داعية إلى العدالة لم يحرّر نفسه من حبّ السّيطرة. وكم من حركة رفعت شعار الإنسان ثمّ سحقت الإنسان حين خالفها. لذلك لا بدّ من تحريرين متلازمين؛ تحرير النّفس من قابليّتها للرّكوع، وتحرير الواقع من الأنظمة الّتي تجعل الرّكوع شرطا للنّجاة.
“لا بدّ من تحريرين متلازمين؛ تحرير النّفس من قابليّتها للرّكوع، وتحرير الواقع من الأنظمة الّتي تجعل الرّكوع شرطا للنّجاة.”
إنّ النّفس غير المهذّبة قد تفسد أعظم القضايا، كما أنّ البنية الظّالمة قد تبتلع أطهر النّفوس إن تركت بلا مقاومة. من هنا كان الإصلاح الحقيقيّ قائما على جناحين: جناح داخليّ يربّي الإنسان على السّيادة على رغبته وخوفه وصورته، وجناح خارجيّ يواجه الأنظمة الّتي تصنع الرّغبة وخوفه وصورته. فالجناح الأوّل يحفظ المشروع من أن يتحوّل إلى انتقام أو غرور أو بحث عن مجد شخصيّ. والجناح الثّاني يحفظ الأخلاق من أن تصبح عزاء فرديّا لا يغيّر شيئا. وإذا كسر أحد الجناحين، سقط الطّائر؛ فإن بقي الدّاخل بلا خارج صار النّقاء عزلة باردة، وإن بقي الخارج بلا داخل صار التّغيير فوضى قد تلبس ثوب العدالة وهي تحمل قلب الظّلم.
ولا يكفي الوعي الفرديّ أمام أنظمة تصنع الاحتياج والخوف، لكنّه بداية لا غنى عنها. الوعي الفرديّ مثل شعلة في نفق طويل؛ لا تهدم النّفق وحدها، لكنّها تمنع صاحبها من أن يمشي في الظّلام كاملا. غير أنّ الشّعلة إذا بقيت وحيدة قد تنطفئ، ولذلك يحتاج الوعي إلى تنظيم، وإلى تضامن، وإلى مؤسّسات، وإلى تعليم، وإلى إعلام بديل، وإلى اقتصاد أخلاقيّ، وإلى قانون يحمي الضّعيف، وإلى شبكات تجعل مقاومة الفرد أقلّ كلفة. فالإنسان المنفرد أمام آلة ضخمة قد ينهك سريعا، أمّا الوعي حين يتحوّل إلى ثقافة وجماعة ومؤسّسة، فإنّه يبدأ في تغيير شروط اللّعبة نفسها. المشكلة ليست أن نقول للفرد: استيقظ، بل أن نتركه بعد استيقاظه وحيدا أمام عاصفة منظّمة.
ولهذا فإنّ الحلول العادلة تبدأ من الاعتراف المزدوج؛ لا يجوز إلغاء مسؤوليّة الفرد، ولا يجوز إلغاء مسؤوليّة البنية. على مستوى الفرد، لا بدّ من تربية على فحص الرّغبات، ومقاومة الخوف، وتقليل الاحتياجات المصطنعة، والتّمييز بين السّمعة والكرامة، وحراسة الانتباه، وتعلّم قول “لا” حين يكون “نعم” بابا للعبوديّة. وعلى مستوى المجتمع، لا بدّ من تفكيك منظومات صناعة القيد؛ تعليم يحرّر العقل لا يروّضه، وإعلام يكشف لا يخدّر، واقتصاد لا يبني أرباحه على إدامة القلق، وسياسة تخضع للمساءلة، وقانون لا يكون سوط الأقوياء على الضّعفاء، وثقافة تعيد تعريف القيمة بعيدا عن الاستهلاك والظّهور والطّاعة العمياء. بين هذين المستويين يتكوّن الإصلاح النّاضج: إنسان أقلّ قابليّة للاستعباد، وبنية أقلّ قدرة على استعباده.
ومن الحلول كذلك أن يتحوّل الخطاب الأخلاقيّ من خطاب لوم إلى خطاب تمكين. بدل أن يقال للمقهور: لماذا ضعفت؟ يقال له: من أين دخل القيد إلى حياتك، وكيف نغلق هذا الباب معا؟ بدل أن يقال للمستهلك: أنت تافه لأنّك تشتري، يقال له: من الّذي أقنعك أنّك ناقص بلا هذا، وكيف نستعيد معيار الكفاية؟ بدل أن يقال للخائف: كن شجاعا فقط، يقال له: كيف نخفّف كلفة الشّجاعة ببناء حماية وتضامن ومؤسّسات؟ بدل أن يقال للمشتّت: أغلق هاتفك فقط، يقال له: كيف نصنع لك ولأبنائك بيئة لا تجعل الانتباه غنيمة لكلّ منصّة؟ هذا الفرق بين وعظ يوبّخ الضّحيّة، وتربية تحرّرها.
ولا بدّ أن ننتبه إلى أنّ الظّلم الخارجيّ نفسه يستفيد من خطاب “السّلام الدّاخليّ” حين يفصل عن العدالة. قد يطلب من الإنسان أن يكون هادئا في وجه الإهانة، متّزنا في وجه النّهب، متسامحا مع من يسلبه حقّه، شاكرا في ظروف صنعت لتبقيه مكسورا. وليس كلّ حديث عن السّلام الدّاخليّ باطلا، بل هو ضرورة كي لا يحترق الإنسان في معركته. لكنّ السّلام الدّاخليّ إذا صار بديلا عن طلب الحقّ تحوّل إلى مخدّر أنيق. السّكينة ليست أن تتصالح مع القيد، بل ألّا يسمح القيد بتحويلك إلى كائن أعمى أو حاقد أو فاقد للمعنى. والرّضا ليس قبولا بالظّلم، بل حفظ للقلب من الانهيار أثناء مقاومة الظّلم. والصّبر ليس توقيعا على استمرار القهر، بل قوّة احتمال حتّى ينضج الفعل الصّحيح.
“الطّغيان، بطبيعته، يحبّ الإنسان المنفرد؛ لأنّه يسهل عزله، وتشويهه، وتخويفه، وتجويعه، وإسكاته. إنّ الذّئب لا يهجم عادة على قلب القطيع، بل يترقّب الشّاة القاصية.”
ومن هنا يجب تحرير المفاهيم من الاختطاف. الصّبر ليس خضوعا، والزّهد ليس تركا للعدالة، والحرّيّة الدّاخليّة ليست تبرئة للسّجّان، والمسؤوليّة الفرديّة ليست إدانة للضّحيّة، ونقد البنى ليس إعفاء للنّفس من واجبها. كلّ مفهوم إذا انفرد تطرّف. الصّبر بلا مقاومة قد يصير ذلّا، والمقاومة بلا صبر قد تصير طيشا. الزّهد بلا عدل قد يصير غطاء لنهب الفقراء، والعدل بلا تهذيب نفس قد يصير انتقاما. الحرّيّة الدّاخليّة بلا مشروع خارجيّ قد تصير عزلة جميلة، والمشروع الخارجيّ بلا حرّيّة داخليّة قد يصير سلطة جديدة. الحكمة في تركيب هذه المعاني لا في فصلها.
إنّ الظّالم يريد نوعين من النّاس؛ إنسانا داخله مكسور ولو كان خارجه هادئا، وإنسانا خارجه غاضب وداخله قابل لإعادة إنتاج الظّلم. الأوّل لا يهدّده لأنّه استسلم، والثّاني قد يخدمه من حيث لا يشعر لأنّه يثبت للنّاس أنّ كلّ تغيير فوضى. أمّا الإنسان الخطر على الظّلم حقّا فهو الّذي يحرّر داخله بما يكفي كي لا يشترى، ويفهم خارجه بما يكفي كي لا يخدع، ويتعاون مع غيره بما يكفي كي لا يبقى صرخة وحيدة، ويحمل من الأخلاق ما يمنعه من أن يصير ظالما إذا انتصر. هذا الإنسان لا يكون ضحيّة مطلقة، ولا جلّادا مؤجّلا، بل نواة مواطن حرّ ومصلح رشيد.
ولعلّ من أهمّ ما ينبغي أن نستقرّ عليه أنّ الحرّيّة ليست حالة فرديّة صافية، ولا بنية خارجيّة محضة، بل علاقة مستمرّة بين الدّاخل والخارج. الدّاخل يمنح الإنسان قدرته على مقاومة الضّغط، والخارج يحدّد كثيرا من مقدار هذا الضّغط واتّجاهه وكلفته. فإذا ضعف الدّاخل، استطاع الخارج أن يدخل بلا مقاومة. وإذا فسد الخارج، أرهق الدّاخل حتّى لو كان قويّا. ولذلك كان من الظّلم أن نقول للإنسان: كلّ مشكلتك في نفسك، كما كان من السّذاجة أن نقول له: لا شأن لنفسك بما يجري لك. الحقيقة أعدل وأشدّ تعقيدا؛ فيك أبواب يدخل منها القيد، وحولك قوى تحاول فتح هذه الأبواب دائما؛ فأغلق ما تستطيع في نفسك، وقاوم مع غيرك من يحاولون اقتحامها.
ومن هنا تبرز ضرورة العمل الجماعيّ لا بوصفه ترفا تنظيميّا، بل بوصفه شرطا من شروط النّجاة أمام الظّلم الخارجيّ. فالطّغيان، بطبيعته، يحبّ الإنسان المنفرد؛ لأنّه يسهل عزله، وتشويهه، وتخويفه، وتجويعه، وإسكاته. إنّ الذّئب لا يهجم عادة على قلب القطيع، بل يترقّب الشّاة القاصية الّتي انفصلت عن سندها، ثمّ ينقضّ عليها في غفلة من الحماية الجامعة. وكذلك تفعل قوى الظّلم حين تواجه الأصوات الحرّة أفرادا متفرّقين؛ تلتقط هذا بالتّخوين، وذاك بالتّجويع، وثالثا بالتّشهير، ورابعا بالإرهاق القانونيّ أو الإداريّ، حتّى يتعلّم الجميع أنّ النّجاة في الصّمت، وأنّ الكلام مغامرة فرديّة باهظة الثّمن. ولذلك فإنّ الوعي إذا بقي فرديّا كان شجاعا لكنّه مكشوف الظّهر، أمّا إذا تحوّل إلى رابطة أخلاقيّة وجماعة واعية ومؤسّسة متماسكة، صار أقلّ قابليّة للكسر، لأنّ كلفة استهدافه ترتفع، ولأنّ الصّوت الواحد إذا أسكت قام غيره، ولأنّ الحقّ حين يجد له ظهرا اجتماعيّا لا يبقى عابرا في مهبّ الخوف.
وليس العمل الجماعيّ هنا دعوة إلى ذوبان الفرد في قطيع جديد، ولا إلى صناعة جماعة مغلقة تعيد إنتاج الاستبداد في ثوب المقاومة، بل هو انتقال من بطولة الفرد المنهك إلى أخلاق التّساند الرّشيد. فالحرّيّة الدّاخليّة تحتاج إلى حوامل خارجيّة تحميها: شبكة ثقة، ومؤسّسات مستقلّة، ومنابر صادقة، وتضامن عمليّ، وتقاسم للأعباء، وتوزيع للأدوار، وحكمة في إدارة الخلاف. الفرد يوقظ السّؤال، لكنّ الجماعة العاقلة تمنح السّؤال قدرة على البقاء. الفرد قد يشعل الشّرارة، لكنّ العمل المنظّم يحفظ النّار من أن تنطفئ عند أوّل ريح. ومن أعظم أخطاء المصلحين أن يظنّوا أنّ صدقهم الفرديّ يكفي لمواجهة منظومات تعمل بعقل الشّبكة والمال والإعلام والقانون والخوف. لا يواجه البناء المنظّم إلّا بناء منظّم، ولا تقاوم هندسة الظّلم بمجرّد صرخات نبيلة متفرّقة، بل بوعي يتكافل، وضمائر تتناصر، وأعمال تتراكم حتّى يصبح استهداف الفرد الواحد استهدافا لمعنى عامّ تقف وراءه أكتاف كثيرة.
وفي الخاتمة، فإنّ حديثنا عن العبوديّات الجديدة لا يبلغ نضجه إلّا حين يحفظ هذا الميزان. نعم، هناك عبوديّة تولد في النّفس قبل السّياسة، في الخوف والرّغبة والاحتياج والبحث المحموم عن الاعتراف. لكن هناك أيضا سياسة واقتصاد وإعلام وتعليم وثقافة تصنع هذه المخاوف والرّغبات والاحتياجات، وتعيد إنتاجها، وتربح من استمرارها. نعم، على الإنسان أن يتحرّر من الدّاخل، لكن عليه أيضا أن يسأل من يستفيد من بقائه خائفا ومحتاجا ومشتّتا. نعم، يجب أن يربّي نفسه على الحرّيّة، لكنّه يجب أن يعمل مع غيره على تغيير الشّروط الّتي تجعل العبوديّة أسهل من الحرّيّة.
إنّ أجمل ما في الحرّيّة أنّها لا تقبل القسمة بين نفس وواقع. فهي تبدأ في الضّمير حين يرفض الإنسان أن يكون سلعة أو ظلّا أو تابعا لرغبة مصنوعة، وتمتدّ إلى المجتمع حين يرفض النّاس أن تبنى الأنظمة على إفقارهم وتجهيلهم وتخويفهم واستعمالهم. ومن اكتفى بتحرير الدّاخل ترك السّلاسل معلّقة على أبواب الآخرين، ومن اكتفى بمهاجمة الخارج ترك في نفسه ورشة سرّيّة لإنتاج القيود. أمّا المنهج العادل فهو أن نحارب السّيّدين معا؛ السيِّد الّذي يجلس في الخارج باسم السلطة والسّوق والجماعة، والسّيّد الّذي يتسلّل إلى الدّاخل باسم الخوف والشّهوة والصّورة. عندئذ لا يكون الكلام عن النّفس تبرئة للنّظام، ولا يكون نقد النّظام هروبا من النّفس، بل يصبح التّحرّر مشروعا كاملا؛ قلبا لا يشترى، وعقلا لا يخدّر، ومجتمعا لا يترك للظّلم كي يسمّي قيوده قدرا، ثمّ يطلب من ضحاياه أن يسمّوها ضعفا شخصيّا.
