الشعر

ثورة أخلاق

مَخَاضٌ وَرَحْمُ الشَّرْقِ مَا انْفَكَّ حَائِضَا = وَصَرْخَةُ مِيلادٍ تَرَى الدَمَ خَائِضَا
وَشَعْبٌ وَمَيدَانٌ وَجَيشٌ وَثَوْرَةٌ = وَرَجْفَةُ أَحْلامٍ تُرَجِّي العَوَارِضَا
رَبِيعٌ مِنَ الآمَالِ أَخْفَى يَقِينَهُ = وَأَبْدَى مِنَ الآلامِ مَا بَاتَ دَاحِضَا
يَمُدُّ لَهُ الحِرْمَانُ كَفًّا ذَبِيحَةً = وَتَرْنُو لَهُ الأَحْزَانُ بِالأَمْنِ عَائِضَا
وَكَمْ مِنْ دَعِيٍّ يُظْهِرُ الطُّهْرَ وَالتُّقَى = وَيُخْفِي وُجُوهَ الغَدْرِ وَالمَكْرِ غَامِضَا
تَنَازَعَ حَالَ القَومِ غِرٌّ وَغَادِرٌ = فَأَوْغَرَ ذَا حِلْمٍ وَأَغْرَى التَّنَاقُضَا
وَأَرْجَفَ لَيلٌ مُسْفِرًا عَنْ ذِئَابِهِ = وَأَوْجَفَ فَجْرٌ شَابَ فِي المَهْدِ غَامِضَا
تَصَارِيفُ جَافَتْ أَجْفَلَ العَقْلَ فَرْثُهَا = كَأَنَّ خُيُولَ العَقْلِ لَمْ تَرْعَ بَارِضَا
تُغَالِبُ نَجْوَى الرُّوحِ سَفْكَ دَمِ الوَرَى = وَتَغْلِبُ بَلْوَى الرِّيحِ مَنْ هَبَّ رَاحِضَا
فَكُلُّ مُعِينٍ يُرتَجَى بَاتَ عَالَةً = وَكُلُّ مَعِينٍ أَصْبَحَ اليَوْمَ غَائِضَا
فَرِيقًا دَعَا لِلبَينِ فِي غَيرِ زَوْرَةٍ = وَرَهْطًا سَعَى بِالمَينِ يُفْشِي التَّبَاغُضَا
وَحُرِّيَّةً فَوضَى وَقَيْدًا مُقَنَّنًا = وَحِزْبًا حُكُومِيًّا وَحِزْبًا مُعَارِضَا
وَشَعْبًا قَضَى بِالبَطْشِ فِي عَرْشِ فَاسِدٍ = وَشَعْبًا لِهَمِّ البَطْشِ بِالعَرْشِ رَافِضَا
وَبَعْضًا يَرَى الإِصْلاحَ وَعْدًا مُخَاتِلا = وَبَعْضًا رَأَي الإِصْلاحَ عَدْوًا مُقَايِضَا
أَلا إِنَّ شَرَّ الرَّأْيِ تَقْدِيسُ قَاهِرٍ = وَشَرٌّ مِنَ التَّقْدِيسِ رَفْضٌ بِلا رِضَا
وَشَرُّ طُقُوسِ المَرْءِ دِينًا عِبَادَةٌ = يُؤَدِّي بِهَا نَفْلا وَيَنْسَى الفَرَائِضَا
إِذَا الدِّينُ صَارَ السِّلْعَةَ المُبْتَغَى بِهَا = مَتَاعًا دَنِيئًا أَوْرَثَ الذُّلَّ خَافِضَا
أَرَى الشَّرْقَ يَبْكِي مِنْ جِرَاحَاتِ أَهْلِهِ = وَيَلْعَنُ وَقْتًا بِاتَ لِلْخَوْفِ فَارِضَا
أَيُحْقَرُ عِنْدَ القَومِ مَنْ قَامَ مُصْلِحًا = وَيُكْرَمُ فِيهِمْ مَنْ يَرَى الدِّيكَ بَائِضَا؟!
إِذَا هَامَتِ الغَوْغَاءُ تُفْتِي بِصَوتِهَا = فَإِنَّ سِرَاجَ الرُّشْدِ يهْدِي النَّقَائِضَا
وَإِنْ خَانَتِ الأَهْوَاءُ تَنْظِيرَ نُخْبَةٍ = فَكُلُّ جَنَاحٍ لِلهُدَى طَارَ هَائِضَا
يُعَرِّضُ بِالقِسْطَاسِ مَنْ كَانَ قَاسِطًا = وَيُعْرِضُ عَنْ ذِي الحَقِّ مَنْ كَانَ حَارِضَا
وَإِنَّ مَطَايَا البَغْيِ مَهْمَا تَغَوَّلَتْ = فَإِنَّ عَطَايَا الوَعْيِ تُعْيِي المُنَاهِضَا
وَمَا يُطْلَبُ الإِرْوَاءُ مِنْ جُبِّ دَاخِنٍ = وَلا يُجلَبُ الإِبْرَاءُ مِمَّنْ تَمَارَضَا
وَمَا لِسُيُوفِ الفِكْرِ حُكْمٌ مُسَدَّدٌ = إِذَا نَزَعَ الإِرْجَافُ مِنْهَا المَقَابِضَا
هُوَ الحُبُّ قَبْلَ الحَرْبِ دَرْبًا إِلَى العُلا = بِثَوْرَةِ أَخْلاقٍ تُصَحِّحُ مَا مَضَى
يُوَسَّدُ فِيهَا الأَمْرُ عَدْلا لأَهْلِهِ = وَيَقْبَلُ فِيهَا القَومُ بِالحُكْمِ مَا قَضَى
أَمَا يُحْمَدُ االلَيمُونُ مَا زَادَ حِمْضُهُ = وَيُنْتَقَدُ النَّارَنْجُ مَا كَانَ حَامِضَا
فَلَا يُرْتَجَى مِنْ زُمْرَةِ الجَهْلِ نَهْضَةٌ = وَقَدْ شَيَّدُوا لِلْوَهْمِ صَرْحًا مُنَاهِضَا
يَظَلُّ شُعَاعُ الحَقِّ يَفْرِي ظَلَامَهُمْ = وَإِنْ حَشَدُوا رَكْبًا مِنَ الزَّيْفِ نَافِضَا
وَلَيسَ عَلَى الأَوْطَانِ فَتْكٌ كَفِتْنَةٍ = تُحَرِّضُ مَأْجُورًا وَتُدْحِضُ مَاحِضَا
وَلَيسَ لَهَا إِلا التَّشَبُّث بِالهُدَى = سَبِيلا إِلَى الإِنْسَانِ بِالصِّدْقِ نَابِضَا
وَمَا القَدَرُ المَأْمُولُ يُجْنَى تَمَنِّيًا = وَمَا كُلُّ فَخْرِ الكَونِ يَرْفَعُ خَافِضَا
سَيُسْخَرُ مِنْ هِرٍّ وَإِنْ كَرَّ وَاثِبًا = وَيُرْهَبُ مِنْ لَيثٍ وَإِنْ كَنَّ رَابِضَا
وَلَكِنَّ فَجْرَ اللهِ آتٍ بِوَعْدِهِ = لِيَحْيَا بِهِ الإِنْسَانُ بِالنُّورِ فَائِضَا
وَنَصْنَعَ مِنْ دَمْعِ الثَّكَالَى قَلَائِدًا = تُزَيِّنُ جِيدَ النَّصْرِ لِلْعَدْلِ فَارِضَا
وَلَنْ يَبْلُغَ الشَّأْوَ المُحَجَّلَ قَائِدٌ = إِذَا لَمْ يَلُمَّ الشَّمْلَ بِالحَزْمِ رَائِضَا
وَخَيرُ عَتَادِ المَرْءِ فِي الرِّزْءِ حِكْمَةٌ = وَعِلْمٌ وَحِلْمٌ يُرِفِقُ الحَزْمَ نَاهِضَا
مخاض ورحم الشرق ما انفك حائضا = وصرخة ميلاد ترى الدم خائضا
وشعب وميدان وجيش وثورة = ورجفة أحلام ترجي العوارضا
ربيع من الآمال أخفى يقينه = وأبدى من الآلام ما بات داحضا
يمد له الحرمان كفا ذبيحة = وترنو له الأحزان بالأمن عائضا
وكم من دعي يظهر الطهر والتقى = ويخفي وجوه الغدر والمكر غامضا
تنازع حال القوم غر وغادر = فأوغر ذا حلم وأغرى التناقضا
وأرجف ليل مسفرا عن ذئابه = وأوجف فجر شاب في المهد غامضا
تصاريف جافت أجفل العقل فرثها = كأن خيول العقل لم ترع بارضا
تغالب نجوى الروح سفك دم الورى = وتغلب بلوى الريح من هب راحضا
فكل معين يرتجى بات عالة = وكل معين أصبح اليوم غائضا
فريقا دعا للبين في غير زورة = ورهطا سعى بالمين يفشي التباغضا
وحرية فوضى وقيدا مقننا = وحزبا حكوميا وحزبا معارضا
وشعبا قضى بالبطش في عرش فاسد = وشعبا لهم البطش بالعرش رافضا
وبعضا يرى الإصلاح وعدا مخاتلا = وبعضا رأي الإصلاح عدوا مقايضا
ألا إن شر الرأي تقديس قاهر = وشر من التقديس رفض بلا رضا
وشر طقوس المرء دينا عبادة = يؤدي بها نفلا وينسى الفرائضا
إذا الدين صار السلعة المبتغى بها = متاعا دنيئا أورث الذل خافضا
أرى الشرق يبكي من جراحات أهله = ويلعن وقتا بات للخوف فارضا
أيحقر عند القوم من قام مصلحا = ويكرم فيهم من يرى الديك بائضا؟!
إذا هامت الغوغاء تفتي بصوتها = فإن سراج الرشد يهدي النقائضا
وإن خانت الأهواء تنظير نخبة = فكل جناح للهدى طار هائضا
يعرض بالقسطاس من كان قاسطا = ويعرض عن ذي الحق من كان حارضا
وإن مطايا البغي مهما تغولت = فإن عطايا الوعي تعيي المناهضا
وما يطلب الإرواء من جب داخن = ولا يجلب الإبراء ممن تمارضا
وما لسيوف الفكر حكم مسدد = إذا نزع الإرجاف منها المقابضا
هو الحب قبل الحرب دربا إلى العلا = بثورة أخلاق تصحح ما مضى
يوسد فيها الأمر عدلا لأهله = ويقبل فيها القوم بالحكم ما قضى
أما يحمد االليمون ما زاد حمضه = وينتقد النارنج ما كان حامضا
فلا يرتجى من زمرة الجهل نهضة = وقد شيدوا للوهم صرحا مناهضا
يظل شعاع الحق يفري ظلامهم = وإن حشدوا ركبا من الزيف نافضا
وليس على الأوطان فتك كفتنة = تحرض مأجورا وتدحض ماحضا
وليس لها إلا التشبث بالهدى = سبيلا إلى الإنسان بالصدق نابضا
وما القدر المأمول يجنى تمنيا = وما كل فخر الكون يرفع خافضا
سيسخر من هر وإن كر واثبا = ويرهب من ليث وإن كن رابضا
ولكن فجر الله آت بوعده = ليحيا به الإنسان بالنور فائضا
ونصنع من دمع الثكالى قلائدا = تزين جيد النصر للعدل فارضا
ولن يبلغ الشأو المحجل قائد = إذا لم يلم الشمل بالحزم رائضا
وخير عتاد المرء في الرزء حكمة = وعلم وحلم يرفق الحزم ناهضا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى