الشعر

شكوى الهوى

رِفْقًا بِقَلْبٍ بِالصَّبَابَةِ ذَابَا = رَشَقَتْهُ سَهْمًا لِلهَوَى فَأَصَابَا
لا تَعْذِلُوا فَلَقَدْ تَمَرَّدَ وَالذِي = بَرَأَ القُلُوبَ فَما يَرُدُّ جَوَابَا
فَتَنَتْهُ يَا وَيْحَ الْهَوَى كَمْ حَنْظَلٍ = غَرَسَتْ يَدَاهُ وَبِالمَحَبَّةِ طَابَا
أَشْقَى وَأَسْقَى مِنْ كُؤُوسِ مِزَاجِهِ = مَا فِيهِ يَمْزُجُ بِالنَّعِيمِ عَذَابَا
يَا نَفْسُ مَا لَكِ وَالتَّقَلُّب فِي الجَوَى = وَأَنِينُ غَيْرِكِ قَدْ أَطَارَ غُرَابَا
إِنِّي عَهدْتُكِ فِي الغَرَامِ عَصِيَّةً = فَخُذِي المَهَابَةَ وَالوَقَارَ حِجَابَا
أَرَأَيْتِ إِلا العِشْقَ إِنْ سَكَنَ الحَشَا = لَمْ يُبْقِ إِلا أَعْظُمًا وَإِهَابَا
وَإِذَا تَمَكَّنَ فِي الشِّغَافِ أَذَابَهَا = وَأَرَابَ أَحْصَفَ أَهْلِهِ وَأَشَابَا
يَا نَفْسُ صُدِّي القَلْبَ عَنْ كَأْسِ الهَوَى = فَالعِشْقُ خَمْرٌ يَسْلبُ الأَلْبَابَا
وَعُيُونُهُ مِنْ سِحْرِ هَارُوتَ انْبَرَتْ = تَرْنُو لِنَبْعٍ لا تَرَاهُ سَرَابَا
يمْتَاحُ مَا يَنْأَى فَيَعْذُبُ فَيْضُهُ = وَيَصِيرُ مَا يَدْنُو إِلَيكِ يَبَابَا
يَا رَجْفَةَ القَلْبِ المُعَانِدِ شَفَّنِي = مِنْكِ الحَنِينُ فَأَنْضَجَ العُنَّابَا
أَوَكُلَّمَا كَفَرَ اسْتِيَاؤُكِ بِالهَوَى = خَرَّ اشْتِيَاقُكِ رَاكِعًا وَأَنَابَا
تَشْكِيْنَ مِنْ فَجْرٍ تَرَقْرَقَ كَالنَّدَى = أَغْرَى الفُؤَادَ وَغَلَّقَ الأَبَوَابَا
أَلْقَى إِلَيكِ شُؤُونَهُ وَفُتُونَهُ = حَتَّى يَكَاد العَقْلُ مِنْهُ ذَهَابَا
وَأَرَاكِ مِنْ أَمَلِ اللِقَاءِ تَأَسِّيًا = وَأَرَاكِ مِنْ طُولِ الفِرَاقِ عُجَابَا
وَأَثَارَ فِيكِ الذِّكْرَيَاتِ عَنِ الْهَوَى = وَأَذَلَّ دَمْعًا عَزَّ أَنْ يَنْسَابَا
أَوَّاهُ يَا هَذَا الفُؤَاد أَسَرْتَنِي = بِحَنِينِ مَنْ ذَاقَ النَّوَى أَحْقَابَا
أَوَّاهُ مِنْ شَوْقٍ تَمَلَّكَنِي فَمَا = حَسَبَ الرَّزِينُ لِمَا يُرِيدُ حِسَابَا
وَاللهِ لَولا أَنْ يُسَفِّهَنِي الهَوَى = لَجَنَيتُ مِنْ نَحْلِ الحَبِيبِ رِضَابَا
أَحْبَبْتُهَا مُنْذُ الشَّبَابِ وَلَمْ أَزَلْ = فِي رَوْضِهَا أَتَنَشَّقُ الأَطْيَابَا
وَتَرَبَّعَتْ فِي مُهْجَتِي أَحْلامُهَا = طَيْفًا عَلَى عَرْشِ الوَفَاءِ مُهَابَا
فَغَدَوْتُ لا أَجِدُ الْحَيَاةَ بَدِونِهَا = وَغَدَوْتُ أَسْتَجْدِي الزَّمَانَ شَبَابَا
وَرَأَيْتُ فِي لَحْظِ العُيُونِ مَعَابِدًا = فَجَعَلْتُ فِيهَا لِلهَوَى مِحْرَابَا
فَإِلَى مَتَى بِالحُلْمِ تَنْتَهِبُ الخُطَى = أَمَلا وَيُوقِظُكَ المَشِيبُ فَتَابَى
وَإِلامَ تَجْعَلُ فِي التَّعَلُّلِ عِلَّةً = وَاللُّدْنَ فِي الغُصْنِ الرَّطِيبِ صِلابَا
قَدْ خِلْتُ أَنَّ القُرْبَ يَشْفِي لَوْعَتِي = فَإِذَا بِهِ يَتَعَقَّبُ الأَوْصَابَا
مَا زَالَ يَسْلِبُنِي النَّوَى دَعَةَ الكَرَى = حَتَّى ثَمِلْتُ وَلَمْ أّذُقْ بِمَهْجَتِي أَعْنَابَا
كَمْ غَادَةٍ رَامَتْ وِصَالِيَ فِي الهَوَى = فَرَدَدْتُهَا لَمْ تَبْلُغِ الأَعْتَابَا
يَا أَنْتِ يَا بِنْتَ الخَيَالِ عَلَى المَدَى = قَمَرًا يُسِيلُ سَنَا الجَمَالِ لُعَابَا
يَا بَهْجَةَ الإِحْسَاسِ زَهْرَةَ جَنَّةٍ = تَصْبُو لَهَا كُلُّ القُلُوبِ طِلابَا
فَالدُّرَّ مَا تَهْوَى النُّفُوسُ بَرِيقَهُ = وَالْحُرَّ مَنْ يَرْجُو الوَرَى إِعْجَابَا
لَكِنَّ أَكْثَرَهُا هُيَامًا زَهْرَتِي = قَلْبٌ يَرَاكِ عَلَى تُقَاهُ ثَوَابَا
قَلْبِي وَمَنْ يَغْنَمْ بِقَلْبٍ مِثْلِهِ = يَغْنَمْ بِأَنْهَارِ الغَرَامِ عِذَابَا
يَا زَهْرَتِي إِنِّي أُرِيدُ نَضَارَتِي = مِمَّنْ سَمَا خُلُقًا فَسَارَ سَحَابَا
قَدْ عِشْتُ فِي أَمَلِ الوُصَالِ وَمَا أَرَى = إِلا الوُصَالَ وَلا سوَاهُ جَوَابَا
إِنِّي أُحِبُّكِ يَا مَلِيكَةَ مُهْجَتِي = حُبًّا أَنَابَ فَمَ الحَنِينِ وَحَابَى
أَنَا لَسْتُ مِمَّنْ يَخْدَعُونَ لِيَحْتَسُوا = شَهْدَ الْهَوَى أَو عَابِثًا يَتَصَابَى
شَرَفٌ عَظِيمٌ أَنْ يَكُونَ لَنَا الرِّضَا = فَنَكُون فِي كَفِّ الزَّوَاجِ خِضَابَا
إِنْ شَاكَ بَعْضُ الشَّكِّ قَلْبَكِ فَاسْمَعِي = شَكْوَى الهَوَى إَنْ يَسْتَطِعْكِ خِطَابَا
النَّوْمُ عَزَّ لِقَاءُهُ وَتَقَرَّحَتْ = مِنِّي الْجُفُونُ وَنُورُ فَجْرِكِ غَابَا
وَالقَلْبُ مِنْ غَيْرِ ابْتِسَامِكِ عَابِسٌ = يَذْوِي إِذَا مَا فَارَقَ الأَحْبَابَا
وَالعُمْرُ أَيَّامٌ تَمُرُّ وَتَنْقَضِي = إِلا زَمَانًا كُنْتِ فِيهِ صَوَابَا
وَلَقَدْ رَأَيْتُكِ لِلْمَكَارِمِ رِفْعَةً = فَجَعَلْتُ حُبَّكِ لِلطُّمُوحِ رِكَابَا
أَنَا مَنْ أَزَاحَ عَنِ المَكَارِمِ سِتْرَهَا = وَأَقَامَ فِي أَعْلَى النُّجُومِ قِبَابَا
وَمَشَيْتُ فِي دَرْبِ العُلَا مُتَفَرِّدًا = وَالنَّاسُ تَطْلُبُ خَلْفِيَ الأَنْسَابَا
صِيغَتْ نَفَائِسُ هِمَّتِي مِنْ سُؤْدُدٍ = لَا أَرْتَضِي مِنْ غَيرِهَا الأَلْقَابَا
إِنِّي أُعِيذُ الصَّدَّ أَنْ أَسْعَى بِهِ = نَحْوَ الْهَلاكِ عَلَى عُلاكِ عِقَابَا
فَنَوَاكِ أَظْمَأَ بِالشَّقَاءِ حُشَاشَتِي = مَا ضَرَّ لَو جَعَلَ الهَنَاءَ شَرَابَا
لَوْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ مَنْ أَشْكُو لَهُ = هَذَا الْحَنِينَ بِحُرْقَةٍ مُرْتَابَا
مَا قُلْتُ مَا سَفَحَ الفُؤَادُ مِنَ الأَسَى = وَلَصُنْتُ جَنْبِي مِنْ رَجَاءٍ خَابَا
لَكِنَّ أَسْبَابَ السُّرُورِ تَعَذَّرَتْ = فَلَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ الأَسْبَابَا
هَذَا ابْتِهَالِي فِي جَنَابِكِ حَاسِرًا = وَرَجَاءُ قَلْبِي أَنْ يُعَزَّ جَنَابَا
رفقا بقلب بالصبابة ذابا = رشقته سهما للهوى فأصابا
لا تعذلوا فلقد تمرد والذي = برأ القلوب فما يرد جوابا
فتنته يا ويح الهوى كم حنظل = غرست يداه وبالمحبة طابا
أشقى وأسقى من كؤوس مزاجه = ما فيه يمزج بالنعيم عذابا
يا نفس ما لك والتقلب في الجوى = وأنين غيرك قد أطار غرابا
إني عهدتك في الغرام عصية = فخذي المهابة والوقار حجابا
أرأيت إلا العشق إن سكن الحشا = لم يبق إلا أعظما وإهابا
وإذا تمكن في الشغاف أذابها = وأراب أحصف أهله وأشابا
يا نفس صدي القلب عن كأس الهوى = فالعشق خمر يسلب الألبابا
وعيونه من سحر هاروت انبرت = ترنو لنبع لا تراه سرابا
يمتاح ما ينأى فيعذب فيضه = ويصير ما يدنو إليك يبابا
يا رجفة القلب المعاند شفني = منك الحنين فأنضج العنابا
أوكلما كفر استياؤك بالهوى = خر اشتياقك راكعا وأنابا
تشكين من فجر ترقرق كالندى = أغرى الفؤاد وغلق الأبوابا
ألقى إليك شؤونه وفتونه = حتى يكاد العقل منه ذهابا
وأراك من أمل اللقاء تأسيا = وأراك من طول الفراق عجابا
وأثار فيك الذكريات عن الهوى = وأذل دمعا عز أن ينسابا
أواه يا هذا الفؤاد أسرتني = بحنين من ذاق النوى أحقابا
أواه من شوق تملكني فما = حسب الرزين لما يريد حسابا
والله لولا أن يسفهني الهوى = لجنيت من نحل الحبيب رضابا
أحببتها منذ الشباب ولم أزل = في روضها أتنشق الأطيابا
وتربعت في مهجتي أحلامها = طيفا على عرش الوفاء مهابا
فغدوت لا أجد الحياة بدونها = وغدوت أستجدي الزمان شبابا
ورأيت في لحظ العيون معابدا = فجعلت فيها للهوى محرابا
فإلى متى بالحلم تنتهب الخطى = أملا ويوقظك المشيب فتابى
وإلام تجعل في التعلل علة = واللدن في الغصن الرطيب صلابا
قد خلت أن القرب يشفي لوعتي = فإذا به يتعقب الأوصابا
ما زال يسلبني النوى دعة الكرى = حتى ثملت ولم أذق بمهجتي أعنابا
كم غادة رامت وصالي في الهوى = فرددتها لم تبلغ الأعتابا
يا أنت يا بنت الخيال على المدى = قمرا يسيل سنا الجمال لعابا
يا بهجة الإحساس زهرة جنة = تصبو لها كل القلوب طلابا
فالدر ما تهوى النفوس بريقه = والحر من يرجو الورى إعجابا
لكن أكثرها هياما زهرتي = قلب يراك على تقاه ثوابا
قلبي ومن يغنم بقلب مثله = يغنم بأنهار الغرام عذابا
يا زهرتي إني أريد نضارتي = ممن سما خلقا فسار سحابا
قد عشت في أمل الوصال وما أرى = إلا الوصال ولا سواه جوابا
إني أحبك يا مليكة مهجتي = حبا أناب فم الحنين وحابى
أنا لست ممن يخدعون ليحتسوا = شهد الهوى أو عابثا يتصابى
شرف عظيم أن يكون لنا الرضا = فنكون في كف الزواج خضابا
إن شاك بعض الشك قلبك فاسمعي = شكوى الهوى إن يستطعك خطابا
النوم عز لقاءه وتقرحت = مني الجفون ونور فجرك غابا
والقلب من غير ابتسامك عابس = يذوي إذا ما فارق الأحبابا
والعمر أيام تمر وتنقضي = إلا زمانا كنت فيه صوابا
ولقد رأيتك للمكارم رفعة = فجعلت حبك للطموح ركابا
أنا من أزاح عن المكارم سترها = وأقام في أعلى النجوم قبابا
ومشيت في درب العلا متفردا = والناس تطلب خلفي الأنسابا
صيغت نفائس همتي من سؤدد = لا أرتضي من غيرها الألقابا
إني أعيذ الصد أن أسعى به = نحو الهلاك على علاك عقابا
فنواك أظمأ بالشقاء حشاشتي = ما ضر لو جعل الهناء شرابا
لو كنت أحسب أن من أشكو له = هذا الحنين بحرقة مرتابا
ما قلت ما سفح الفؤاد من الأسى = ولصنت جنبي من رجاء خابا
لكن أسباب السرور تعذرت = فلعلنا أن ندرك الأسبابا
هذا ابتهالي في جنابك حاسرا = ورجاء قلبي أن يعز جنابا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى