الشعر
الزمان المر
خَدَعَتْ فَكَانَ مِنَ الأَسَى مَا كَانَا = وَدَعَتْ لِحَفْلِ خِدَاعِهَا الأَضْغَانَا رَقَصَتْ عَلَى رَجْعِ الأَنِينِ جِرَاحُهَا = وَتَبَسَّمَتْ كَي تَكْتُمَ الأَحْزَانَا وَاسْتَمْرَأَتْ خَمْرَ الشُّجُونِ وَأَوْهَنَتْ = صَبْرَ الحَلِيمِ وَأَوْهَتِ الوِجْدَانَا جَارَتْ عَلَى الحَقِّ الضَّلالَةُ جَوْرَةً = تَدَعُ الحَصِيفَ بِحَزْبِهَا حَيرَانَا لَيْسَ الدِّيَارُ كَمَا عَرِفْنَاهَا وَلا = قُطَّانُهَا مَنْ يُكْرِمُ الجِيرَانَا تَغْتَالُ أَشْبَاحُ الرِّيَاءِ مَلامِحًا = وَتَرَى المُسُوخَ تَقَمَّصَتْ فُرْسَانَا وَإِذَا بَحَثْتَ عَنِ الرِّجَالِ مُرُوءَةً = فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ تَرَى شَيْطَانَا مَنْ بَاعَ مَبْدَأَهُ كَأَبْخَسِ سِلْعَةٍ = أَو مَنْ تَنَكَّرَ لِلعُهُودِ وَخَانَا يَا لَلزَّمَانِ المُرِّ فِي هَرَفِ الهَوَى = أَغْلَى المَتَاعَ وَأَرْخَصَ الإِنْسَانَا مَا أَكْثَرَ الإِخْوَانَ حَوْلَكَ فِي الرِّضَا = مَا نَالَ مِنْكَ وَأَكْثَرَ الخَوَّانَا نَفَشَتْ بِنَا غَنَمُ الفَسَادِ فَأَهْدَرَتْ = مَجْدًا وَأَوْغَلَ ذِئْبُنَا فَدَهَانَا صَدَفَ الكِرَامُ عَنِ الفَلاحِ وَقَصَّرُوا = فَتَصَدَّرَتْ زُمَرُ الخَنَا الدِّيوَانَا زَعَمُوا الرَّشَادَ فَقِيلَ مَا بُرْهَانُكُمْ = فَكَفَاهُمُ رَأْيُ الهَوَى بُرْهَانَا مَالُوا بِمِيزَانِ الحُقُوقِ عَلَى الوَرَى = فَكأَنَّ فِي أَيْدِيِهُمُ المِيزَانَا مَا أَضْيَقَ الأَزْمَانَ فِي سَعَةِ المَدَى = إِنْ أَوْجَسَتْ بِسِرَابِهَا الأَذْهَانَا لَمْ يُبْقِ أَهْلُ الغَدْرِ إِلا غصَّةً = فِي القَلْبِ تَسْفِكُ بِالوَفَاءِ قِوَانَا هَلْ يُعْجِزَ الحَدَثَانِ لَوْ ضَمِنَا لَنَا = يَوْمًا مِنَ الزَّمَنِ المُرِيعِ أَمَانَا رُمْتُ العِتَابَ فَمَا ظَفِرْتُ بِصَاحِبٍ = يَسَعُ العِتَابَ وَلا وَجَدْتُ بَيَانَا إِنْ نَابَني بَأسُ الزَّمَانِ أَنَابَهُ = وَتَرَاهُ يَتْعَسُ إِنْ سَعِدْتُ زَمَانَا وَأَسُومُهُ مَهْمَا تَقَلَّبَ غَالِيًا = وَيَسُومُنِي مِنْ بُخْسِهِ مَجَّانَا يَا صَاحِبِي، صِدْقُ المَحَبَّةِ بَلْسَمٌ = يُشْفِي الصُدُورَ ويَصْقِلُ الإِيمَانَا لَيْسَ الذِي يَأْتِي المَكَارِمَ مُرْغَمًا = يَخْشَى المَلامَةَ كَالذِي يَتَفَانَى أَو يَسْتَوِي مَنْ لا يَضِنُّ بِجُهْدِهِ = عِنْدَ العَزَائِمِ وَالذِي يَتَوَانَى مَا عُدْتُ أَعْتِبُ إِنْ تَجَهَّمْنِي الوَرَى = أَوْ وَافَقُوا الإِرْجَافَ وَالبُهْتَانَا أَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَزْدَهِي بِمُنَافِقٍ = مَهْمَا احْتَفَى أَوْ أَلْبَسَ التِّيجَانَا إِنِّي نَفَثْتُ مِنَ الشُّجُونِ مَلَاحِمًا = لَمْ تَرْتَهِنْ لِسِوَى العُلا عُنْوَانَا صُغْتُ المَدَى نَصًّا يُرَتِّلُ هِمَّتِي = وَسَكَبْتُ فَوْقَ المُرْجِفِ النِّيرَانَا صَمْتِي صِيَاحٌ فِي مَسَامِعِ حَاسِدِي = وَزَئِيرُ نُطْقِي يَزْدَرِي الخُذْلانَا قَدْ سِرْتُ دَرْبِي لِلنُّهُوضِ بِأُمَّتِي = أَبْنِي لِرِفْعَةِ عِزِّهَا بُنْيَانَا عَانَقْتُ فِي غَسَقِ الضَّيَاعِ فَرَاقِدًا = جَعَلَتْ سَعِيرَ الحَائِرِينَ جِنَانَا خَطْوِي مَنَارَاتٌ لِكُلِّ مُغَرِّبٍ = جَعَلَ المَجَازَ لِتِيهِهِ شُطْآنَا إِنِّي سَمَوْتُ عَنِ السُّفُوحِ بِهِمَّةٍ = وَبَنَيْتُ فِي قِمَمِ النُّهُوضِ كَيَانَا أَدْعُو لَهُ الأَحْرَارَ مِنْ أَهْلِ النُّهَى = قَوْمًا تُفَاخِرُ بِالـرُّؤَى الأَزْمَانَا لَمَّا بَلَوْتُهُمُ رَأَيتُ يَدَ النَّدَى = وَوَجَدْتُ فِيهَا الصِّدْقَ والإِحْسَانَا نَزَلُوا بِوَاحَةِ مُخْلِصٍ لِرِسَالَةٍ = لَمْ يَدَّخِرْ بِرًّا وَلا عِرْفَانَا نَسْعَى بِكُلِّ عَزِيمَةٍ نَحْوَ العُلا = وَنَجِدُّ فِيمَا يَرْفَعُ الأَوْطَانَا هُمْ صُحْبَةٌ سَمَتِ النُّفُوسُ بِصِدْقِهِمْ = صَفَتِ القُلُوبُ فَأَقْبَلُوا إِخْوَانَا دَعْ عَنْكَ قَهْرِي يَا زَمَانُ فَإِنَّنِي = أَمْضِي وَخطْوِي رَاسِخٌ أَرْكَانَا أَنَا لَسْتُ ذَا بَطَرٍ وَلا أَنَا بِالذِي = بَدَأَ الصُّدُودَ وَآثَرَ الهِجْرَانَا مَا كَانَ قَبْضِي القَلْبَ عَنْهُم مِنْ قِلَى = لَكِنْ إِبَائِي يَأَنَفُ النُكْرَانَا قَدْ تُنْتِنُ الرِّيْحُ الخَبِيْثَةُ حُفْرَةً = لَكِنَّهَا لا تُنْتِنُ البُسْتَانَا وَتَغَصُّ فِي حَلْقِ الحَقُودِ مَكَارِمٌ = فَيَمَجُّهَا وَهْيَ العَظِيْمَةُ شَانَا أَنَا مَا غَضِبْتُ مِنَ المُنَاوِئِ بَاغِيًا = لا يَبْلُغُ البَاغِي لَدَيَّ مَكَانَا وَغَضِبْتُ حِينَ الجَوْرِ غَضْبَةَ نَاصِرٍ = لِلحَقِّ يَأبَى أَنْ يَعُضَّ بَنَانَا سَأَسِيرُ دَرْبِي مَا حَيِيتُ مُسَدِّدًا = وَمَقَارِبًا كَي أُحْرِزَ الإِتْقَانَا أَدْعُو إِلَى الحَقِّ القَوِيمِ مُنَافِحًا = عَنْهُ وَأُوْرِدُ نَبْعَهُ الظَّمْآنَا وَعَلَى الأَزَاهِرِ سَوْفَ أَنْثُرُ حِكْمَتِي = شِعْرًا يَبُزُّ الوَرْدَ وَالرَّيْحَانَا لا أَرْتَجِي عِنْدَ الأَنَامِ غَنِيمَةً = بَلْ أَرْتَجِي مِنْ رَبِّنَا الرّضْوَانَا
خدعت فكان من الأسى ما كانا = ودعت لحفل خداعها الأضغانا رقصت على رجع الأنين جراحها = وتبسمت كي تكتم الأحزانا واستمرأت خمر الشجون وأوهنت = صبر الحليم وأوهت الوجدانا جارت على الحق الضلالة جورة = تدع الحصيف بحزبها حيرانا ليس الديار كما عرفناها ولا = قطانها من يكرم الجيرانا تغتال أشباح الرياء ملامحا = وترى المسوخ تقمصت فرسانا وإذا بحثت عن الرجال مروءة = في كل ناحية ترى شيطانا من باع مبدأه كأبخس سلعة = أو من تنكر للعهود وخانا يا للزمان المر في هرف الهوى = أغلى المتاع وأرخص الإنسانا ما أكثر الإخوان حولك في الرضا = ما نال منك وأكثر الخوانا نفشت بنا غنم الفساد فأهدرت = مجدا وأوغل ذئبنا فدهانا صدف الكرام عن الفلاح وقصروا = فتصدرت زمر الخنا الديوانا زعموا الرشاد فقيل ما برهانكم = فكفاهم رأي الهوى برهانا مالوا بميزان الحقوق على الورى = فكأن في أيديهم الميزانا ما أضيق الأزمان في سعة المدى = إن أوجست بسرابها الأذهانا لم يبق أهل الغدر إلا غصة = في القلب تسفك بالوفاء قوانا هل يعجز الحدثان لو ضمنا لنا = يوما من الزمن المريع أمانا رمت العتاب فما ظفرت بصاحب = يسع العتاب ولا وجدت بيانا إن نابني بأس الزمان أنابه = وتراه يتعس إن سعدت زمانا وأسومه مهما تقلب غاليا = ويسومني من بخسه مجانا يا صاحبي، صدق المحبة بلسم = يشفي الصدور ويصقل الإيمانا ليس الذي يأتي المكارم مرغما = يخشى الملامة كالذي يتفانى أو يستوي من لا يضن بجهده = عند العزائم والذي يتوانى ما عدت أعتب إن تجهمني الورى = أو وافقوا الإرجاف والبهتانا أو كنت ممن يزدهي بمنافق = مهما احتفى أو ألبس التيجانا إني نفثت من الشجون ملاحما = لم ترتهن لسوى العلا عنوانا صغت المدى نصا يرتل همتي = وسكبت فوق المرجف النيرانا صمتي صياح في مسامع حاسدي = وزئير نطقي يزدري الخذلانا قد سرت دربي للنهوض بأمتي = أبني لرفعة عزها بنيانا عانقت في غسق الضياع فراقدا = جعلت سعير الحائرين جنانا خطوي منارات لكل مغرب = جعل المجاز لتيهه شطآنا إني سموت عن السفوح بهمة = وبنيت في قمم النهوض كيانا أدعو له الأحرار من أهل النهى = قوما تفاخر بالرؤى الأزمانا لما بلوتهم رأيت يد الندى = ووجدت فيها الصدق والإحسانا نزلوا بواحة مخلص لرسالة = لم يدخر برا ولا عرفانا نسعى بكل عزيمة نحو العلا = ونجد فيما يرفع الأوطانا هم صحبة سمت النفوس بصدقهم = صفت القلوب فأقبلوا إخوانا دع عنك قهري يا زمان فإنني = أمضي وخطوي راسخ أركانا أنا لست ذا بطر ولا أنا بالذي = بدأ الصدود وآثر الهجرانا ما كان قبضي القلب عنهم من قلى = لكن إبائي يأنف النكرانا قد تنتن الريح الخبيثة حفرة = لكنها لا تنتن البستانا وتغص في حلق الحقود مكارم = فيمجها وهي العظيمة شانا أنا ما غضبت من المناوئ باغيا = لا يبلغ الباغي لدي مكانا وغضبت حين الجور غضبة ناصر = للحق يأبى أن يعض بنانا سأسير دربي ما حييت مسددا = ومقاربا كي أحرز الإتقانا أدعو إلى الحق القويم منافحا = عنه وأورد نبعه الظمآنا وعلى الأزاهر سوف أنثر حكمتي = شعرا يبز الورد والريحانا لا أرتجي عند الأنام غنيمة = بل أرتجي من ربنا الرضوانا
