الشعر
الفؤاد الكوثري
مَضَى عَنْكَ البَيَانُ وَلَا مُضِيُّ = وَعَادَ لَكَ الْجَنَانُ وَعَادَ عِيُّ يَجِيشُ بِكَ التَّلَهُّفُ قَابَ شَوْقٍ = وَيُدْهِشُكَ التَّعَفُّفُ وَالرُّقِيُّ ذَرَعْتَ مَوَاسِمَ الشُّعَرَاءِ دَأْبًا = بِحَرْفٍ خَطَّهُ العَبَقُ الذَّكِيُّ وَمَا الْأَشْعَارُ إِلَّا بِنْتُ قَلْبٍ = يُرَوِّضُهَا إِلَى الرَّأْيِ الْحُلِيُّ تُنَاجِي سُنْبُلَاتِ الْحَرْفِ زُلْفَى = وَتَحْصُدُ مَا يَجُودُ بِهِ الرَّوِيُّ وَلَوْ نَطَقَ الْوِدَادُ بِمَاءِ فِيهِ = لَسَالَ بِهِ الفُؤَادُ الكَوثَرِيُّ وَمَا قَلْبِي سِوَى خَطَرَاتِ نَفْسٍ = يَكِلُّ بِهَا الْهُمَامُ الْأَلْمَعِيُّ تَوَضَّأَ بِالْجَمَالِ فَعَادَ طِفْلًا = وَصَلَّى بِالخِلَالِ فَغَابَ غِيُّ لَعَمْرُكَ هَلْ لِذِي أَدَبٍ أَصِيلٌ = إِذَا مَا اخْتَالَ فِي الأَدَبِ الدَّعِيُّ وَهَلْ تَشْدُو عَلَى فَنَنِ الْأَمَانِي = بَلَابِلُ دَأْبُهَا النَّغَمُ الشَّجِيُّ كَأَنَّ لَهَا الْبَدِيعَ رُؤَىً تُجَلَّى = فَمَاسَتْ وَالرَّبِيعُ بِهَا حَفِيُّ خَرَائِدُ تُثْمِلُ الْأَذْوَاقَ سِحْرًا = وَيُطْرِبُهَا الْخَيَالُ الْعَبْقَرِيُّ وَإِنِّي مَا اتَّخَذْتُ المَدْحَ إِلَّا = لِمَنْ يَسْمُو بِهِ الأَرَبُ الزَّكِيُّ هُوَ الشَّهْمُ الْكَرِيمُ سَلِيلُ مَجْدٍ = سَمِيحٌ فِي مُخَالَطَةٍ وَفِيُّ هُوَ الخَلْقُ القَوِيمُ وَلَيْسَ يَأْتِي = سِوَى مَا شَاءَهُ الخُلُقُ النَّدِيُّ هُوَ القَلْبُ الرَّحِيمُ يَفِيضُ رِفْقًا = وَزَوْجٌ مُقَسِطٌ وَأَبٌ أَبِيُّ حَكِيمٌ زَاهِدٌ بَرٌّ رَضِيٌّ = حَلِيمٌ حَامِدٌ حُرٌّ حَيِيُّ عِصَامِيٌّ أَثَابَ العُمْرُ صِدْقًا = فَلَمْ يَعْصِ الْهُدَى الْقَلْبُ التَّقِيُّ نَزِيهٌ لَيْسَ يَصْخَبُ فِي اخْتِصَامٍ = وَيَحْكُمُ بِالذِي حَكَمَ النَّبِيُّ زَكَا بِالْعَلَمِ نُجْعَتُهُ كِتَابٌ = وَذَاكَ لِرُوحِهِ شِبَعٌ وَرِيُّ تَوَاضَعَ فِي تَرَفُّعِ ذِي احْتِشَامٍ = بِطِيبَتِهِ وَشَى الْوَجْهُ الوَضِيُّ أَجزْنِي مِنْ سَنَا عَيْنَيْكَ فَضْلًا = بِمَدْحِكِ أَيُّهَا الرَّجُلُ السَنِيُّ فَلَيْسَ يَؤُزُّنِي إِلَّا مُمَارٍ = وَلَيْسَ يَهُزُّنِي إِلَّا النَّقِيُّ وَإِنَّكَ يَا كَبِيرَ الْقَدْرِ مَعْنَىً = يُتَرْجِمُ مَا يَعِي الشَّرَفُ السَّوِيُّ غَرَسْتَ الْبِرَّ فِي بِنْتٍ وَفِي ابْنٍ = فَلَمْ تَزُغِ الْفَتَاةُ وَلَا الصَّبِيُّ وَعِشْتَ تُبَادِرُ الدُّنْيَا عَطَاءً = يُهَرْوِلُ خَلَفُهُ الْكَفُّ السَّخِيُّ تُقَدِّمُ فِي الخَفَاءِ نَدًى وَخَيْرًا = فَيُشْكَرُ مِنْكَ مَعْرُوفٌ خَفِيُّ تُنَاهِزُ حَاتِمًا بَاسْمٍ وَفِعْلٍ = فَلَيْسَتْ وَحْدَهَا فِي الْفَخْرِ طَيُّ خِصَالُكَ فِي مَسَامِعِنَا نَشِيدٌ = وَوَجْهُكَ فِي غَيَاهِبِنَا بَهِيُّ تَرَبَّعْتَ المَعَالِي فِي شُمُوخٍ = كَمَا يَعْلُو عَلَى القَوْمِ السَّرِيُّ نَهَلْنَا مِنْ مَنَابِعِكَ العَطَايَا = فَأَنْتَ بِفَيْضِ مَكْرُمَةٍ غَنِيُّ وَكَمْ أَسْدَيْتَ لِلأَيَّامِ فَضْلًا = يَبُوحُ بِقَدْرِهِ الفِكْرُ الثَّرِيُّ بَلَغْتَ ذُرَى الْمُرُوءَةِ فِي وَقَارٍ = تَقُولُ الْحَقَّ لَا يُثْنِيكَ أَيُّ وَلِلْإِحْسَانِ عِنْدَكَ مُسْتَقَرٌّ = وَلِلْإِنْسَانِ مُتَّكَأٌ وَفَيُّ سَتَبْقَى فِي سَمَاءِ المَجْدِ نَجْمًا = يُشِيرُ إِلَى مَكَارِمِهِ القَوِيُّ تُحِيطُ بِكَ المَحَبَّةُ حَيْثُ حَلَّتْ = رِكَابُكَ أَوْ بَدَا النَّجْمُ القَصِيُّ وَأَنْتَ لِكُلِّ مَكْرُمَةٍ حَلِيفٌ = وَأَنْتَ لِكُلِّ مَنْ يَشْكُو وَلِيُّ شُعُورِي جَلَّ مَا يَجْزِيكَ حُبًّا = فَأَنْتَ بِكُلِّ مَكرمَةٍ حَرِيُّ وَشِعْرِي كَلَّ لَا يَحْوِيكَ مَدْحًا = فَلَيْسَ يَفِيكَ مَهْمَا قُلْتُ شَيُّ وَمَا التَّقْصِيرُ مِنْ عَجْزٍ وَلَكِنْ = لِمِثْلِكَ يَنْحَنِي المَلَأُ العَلِيُّ فَمَا يَنْسَى الْمَكَانُ وَأَنْتَ غَيْبٌ = وَلَا يَأْسَى الزَّمَانُ وَأَنْتَ حَيُّ
مضى عنك البيان ولا مضي = وعاد لك الجنان وعاد عي يجيش بك التلهف قاب شوق = ويدهشك التعفف والرقي ذرعت مواسم الشعراء دأبا = بحرف خطه العبق الذكي وما الأشعار إلا بنت قلب = يروضها إلى الرأي الحلي تناجي سنبلات الحرف زلفى = وتحصد ما يجود به الروي ولو نطق الوداد بماء فيه = لسال به الفؤاد الكوثري وما قلبي سوى خطرات نفس = يكل بها الهمام الألمعي توضأ بالجمال فعاد طفلا = وصلى بالخلال فغاب غي لعمرك هل لذي أدب أصيل = إذا ما اختال في الأدب الدعي وهل تشدو على فنن الأماني = بلابل دأبها النغم الشجي كأن لها البديع رؤى تجلى = فماست والربيع بها حفي خرائد تثمل الأذواق سحرا = ويطربها الخيال العبقري وإني ما اتخذت المدح إلا = لمن يسمو به الأرب الزكي هو الشهم الكريم سليل مجد = سميح في مخالطة وفي هو الخلق القويم وليس يأتي = سوى ما شاءه الخلق الندي هو القلب الرحيم يفيض رفقا = وزوج مقسط وأب أبي حكيم زاهد بر رضي = حليم حامد حر حيي عصامي أثاب العمر صدقا = فلم يعص الهدى القلب التقي نزيه ليس يصخب في اختصام = ويحكم بالذي حكم النبي زكا بالعلم نجعته كتاب = وذاك لروحه شبع وري تواضع في ترفع ذي احتشام = بطيبته وشى الوجه الوضي أجزني من سنا عينيك فضلا = بمدحك أيها الرجل السني فليس يؤزني إلا ممار = وليس يهزني إلا النقي وإنك يا كبير القدر معنى = يترجم ما يعي الشرف السوي غرست البر في بنت وفي ابن = فلم تزغ الفتاة ولا الصبي وعشت تبادر الدنيا عطاء = يهرول خلفه الكف السخي تقدم في الخفاء ندى وخيرا = فيشكر منك معروف خفي تناهز حاتما باسم وفعل = فليست وحدها في الفخر طي خصالك في مسامعنا نشيد = ووجهك في غياهبنا بهي تربعت المعالي في شموخ = كما يعلو على القوم السري نهلنا من منابعك العطايا = فأنت بفيض مكرمة غني وكم أسديت للأيام فضلا = يبوح بقدره الفكر الثري بلغت ذرى المروءة في وقار = تقول الحق لا يثنيك أي وللإحسان عندك مستقر = وللإنسان متكأ وفي ستبقى في سماء المجد نجما = يشير إلى مكارمه القوي تحيط بك المحبة حيث حلت = ركابك أو بدا النجم القصي وأنت لكل مكرمة حليف = وأنت لكل من يشكو ولي شعوري جل ما يجزيك حبا = فأنت بكل مكرمة حري وشعري كل لا يحويك مدحا = فليس يفيك مهما قلت شي وما التقصير من عجز ولكن = لمثلك ينحني الملأ العلي فما ينسى المكان وأنت غيب = ولا يأسى الزمان وأنت حي
