الشعر

أهل الفضل

مِنْ وَاحَةٍ صَدَحَتْ بَلابِلُهَا تَدَلَّهْ = تَسْتَرْجِعُ الشَّدْوَ المَدَى كَي تَسْتَهِلَّهْ
مِنْ نَفْحَةِ الأَشْعَارِ يَعْبَقُ زَهْرُهَا = فَيُطِيبُ لِلأَذْوَاقِ نَرْجِسَهُ وَفُلَّهْ
مِنْ شَهْقَةِ الرُّوحِ الشَّفِيفَةِ حَزَّهَا = سِكِّينُ عُذْرِ الغَدْرِ فِي ذَبْحٍ أَحَلَّهْ
مِنْ عَبْرَةِ الأَحْدَاقِ رَقْرَقَهَا الأَسَى = فِي جَفْنِ مَنْ عَابَ الغَلِيلُ عَلَيْهِ عَقْلَهْ
مَلَّ الزَّمَانُ المُرُّ خِسَّتَهُ وَمَا = مَلَّ المُؤَمِّلُ مِنْ عَسَاهُ وَمِنْ لَعَلَّهْ
مَحَّصْتُ بِالحُبِّ القُلُوبَ لِكَي أَرَى = مَعْنَى الوَفَاءِ فَكَانَ أَكْثَرُهُ أَقَلَّهْ
وَبَلَوتُ أَخْلاقَ الرِّجَالِ فَهَالَنِي = أَنَّ النَّقِيصَةَ أَصْبَحَتْ فِي الطَّبْعِ أَصْلَهْ
وَعَرَكْتُ مَا اغْتَرَفَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ = فَأَخَذْتُ مِنْهُ قَلِيلَهُ وَتَرَكْتُ جُلَّهْ
هِيَ حِكْمَةُ الأَيَّامِ تَكْتُبُ أَحْرُفِي = بِخُطُوبِهَا وَالشِّعْرُ قَالَ وَلَمْ أَقُلْ لَهْ
كَمْ أَخْرَقٍ امْتَلَكَ الحَرِيرَ فَإِنْ عَدَا = فَتَلَ الخُيُوطَ تَخَرُّصًا وَأَسَاءَ نَوْلَهْ
وَمُجَرِّبٍ نَسَجَ الخُيُوطَ بِحِرْفَةٍ = مِنْ خَيْشِهِ فَإِذَا الحَرِيرُ كَأَنَّ غَزْلَهْ
صِنْفَانِ قَدْ بَرَأَ الإِلَهُ وَثَالِثٌ = بِالبَيْنِ بَيْنَ أَتَى التَّذَبْذُبَ أَيْنَا حَلَّهْ
قَلْبٌ أَلَدَّ بِهِ القِلَى إِبَرَ الأَذَى = وَعَلَى اللِّسَانِ أَكَدَّ بِالمَعْسُولِ نَحْلَهْ
أَبِزَعْمِ نُسَّاكٍ وَدَعْوَى رَاهِبٍ = وَقَرِينُهُ فِي آثِمِ النَّجْوَى أَضَلَّهْ
يَسْعَى بِهِ المَدْحُ الرَّخِيصُ رَهِينَةً = حَتَّى وَإِنْ رَشَّ المُخَاتِلُ مِنْهُ طَلَّهْ
وَمُنَاوِئٍ لِلْخَيْرِ أَبْدَلَ طَيْرَهُ = بُومَ الخَرَابِ إِذَا أَضَاعَ الدَّرْبَ دَلَّهْ
مِنْ كُلِّ مَنْ رَكِبَ البِغَالَ يَظُنُّهَا = تِلْكَ الخُيُولَ السَّابِحَاتِ إِلَيْهِ قَبْلَهْ
أَوْ مُدَّعٍ صِدْقَ الإِخَاءِ وَكُلَّمَا = عَقَدَ التَّوَدُّدُ عُقْدَةَ المِيثَاقِ حَلَّهْ
إِنْ أَغْمَدَ الغَيْظَ الكَرِيمُ بِحِلْمِهِ = حَاضَتْ إِنَاثُ غُرُورِهِ جَهْلًا فَسَلَّهْ
وَإِذَا أَرَادَ مِنَ المَحِيضِ تَطَهُّرًا = تَرَكَ الفُرَاتَ وَمَاءَهُ وَاخْتَارَ بَوْلَهْ
هِيَ هَكَذَا نَفْسُ اللَّئِيمِ ذُبَابَةٌ = حَطَّتْ عَلَى قَذَرِ الرُّبَى وَالوَرْدُ حَوْلَهْ
لَكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ مِثْلُ فَرَاشَةٍ = حَامَتْ تُعَانِقُ عِطْرَهُ وَتَضُمُّ شَكْلَهْ
أَوْ أَنَّهَا فِي وَاحَةِ الإِنْسَانِ قَدْ = وَهَبَ الثِّمَارَ غِرَاسُهَا وَأَمَدَّ ظِلَّهْ
هِيَ لِلنَّقَاءِ السَّمْتُ لِلأَمَلِ النَّدَى = لِلْخَيْرِ يَنْبُوعُ الوَفَاءِ أَفَاضَ بَذْلَهْ
هِيَ نَفْسُ كُلِّ مُكَرَّمٍ قَصَدَ الذُّرَى = أَبْدَى جَبِينَ فُرُوضِهِ وَأَسَرَّ نَفْلَهْ
فَمِنَ الحَصِيفِ إِلَى الشَّرِيفِ إِلَى الَّذِي = جَعَلَ السَّمَاحَةَ كَفَّهُ وَالعَزْمَ خَيْلَهْ
وَمِنَ الحَلِيمِ إِلَى الحَكِيمِ إِلَى الَّذِي = حَسُنَتْ سِمَاتُ وَقَارِهِ وَأَبَرَّ قَوْلَهْ
وَالأَرْيَحِيُّ الأَلْمَعِيُّ وَكُلُّ مَنْ = أَقْرَى المُرُوءَةَ جُهْدَهُ وَأَقَلَّ عَذْلَهْ
السَّابِقُونَ إِلَى الفَضِيلَةِ فِي الوَرَى = الوَاثِقُونَ بِنَفْحَةِ التَّوْفِيقِ بِاللَّهْ
السَّامِقُونَ تَفَضُّلاً وَتَرَفُّعاً = الوَامِقُونَ لِكُلِّ ذِي أَرَبٍ أَبًا لَهْ
يَا صُحْبَةَ الدَّرْبِ الرَّشِيدِ عَلَى المَدَى = فِي رِحْلَةِ الطَّيْرِ المُهَاجِرِ عَافَ ذُلَّهْ
قَدْ طِرْتُ فَرْدًا يَوْمَ أَنْ نَكَصَ الوَرَى = وَاليَوْمَ طَارَ السِّرْبُ فِي أُفُقٍ أَجَلَّهْ
يَا صُحْبَةً سَمَتِ النُّفُوسُ بِقُرْبِهَا = مِنْ كُلِّ فَذِّ القَدْرِ حَازَ الفَخْرَ كُلَّهْ
اللَّيْلُ طَالَ وَفَجْرُهُ فِي أَعْيُنٍ = حَلَمَتْ بِمِرْوَدِ عِزِّهَا تَشْتَاقُ كُحْلَهْ
وَالنَّفْسُ أَرْهَقَهَا الحَنِينُ لِدَوْلَةٍ = أَسْمَى مَبَادِئِهَا وَفَاءُ الخِلِّ خِلَّهْ
هَيَّا نُحَلِّقُ فِي الفَضَاءِ وَنَجْتَبِي = عَهْدًا يَرَاكُمْ لاجْتِبَاءِ الفَضْلِ أَهْلَهْ
هَيَّا فَقَدْ قَهَرَ التَّخَاذُلُ مَجْدَنَا = إِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْتُمْ لِنُصْرَتِهِ فَمَنْ لَهْ
من واحة صدحت بلابلها تدله = تسترجع الشدو المدى كي تستهله
من نفحة الأشعار يعبق زهرها = فيطيب للأذواق نرجسه وفله
من شهقة الروح الشفيفة حزها = سكين عذر الغدر في ذبح أحله
من عبرة الأحداق رقرقها الأسى = في جفن من عاب الغليل عليه عقله
مل الزمان المر خسته وما = مل المؤمل من عساه ومن لعله
محصت بالحب القلوب لكي أرى = معنى الوفاء فكان أكثره أقله
وبلوت أخلاق الرجال فهالني = أن النقيصة أصبحت في الطبع أصله
وعركت ما اغترف الزمان وأهله = فأخذت منه قليله وتركت جله
هي حكمة الأيام تكتب أحرفي = بخطوبها والشعر قال ولم أقل له
كم أخرق امتلك الحرير فإن عدا = فتل الخيوط تخرصا وأساء نوله
ومجرب نسج الخيوط بحرفة = من خيشه فإذا الحرير كأن غزله
صنفان قد برأ الإله وثالث = بالبين بين أتى التذبذب أينا حله
قلب ألد به القلى إبر الأذى = وعلى اللسان أكد بالمعسول نحله
أبزعم نساك ودعوى راهب = وقرينه في آثم النجوى أضله
يسعى به المدح الرخيص رهينة = حتى وإن رش المخاتل منه طله
ومناوئ للخير أبدل طيره = بوم الخراب إذا أضاع الدرب دله
من كل من ركب البغال يظنها = تلك الخيول السابحات إليه قبله
أو مدع صدق الإخاء وكلما = عقد التودد عقدة الميثاق حله
إن أغمد الغيظ الكريم بحلمه = حاضت إناث غروره جهلا فسله
وإذا أراد من المحيض تطهرا = ترك الفرات وماءه واختار بوله
هي هكذا نفس اللئيم ذبابة = حطت على قذر الربى والورد حوله
لكن نفس الحر مثل فراشة = حامت تعانق عطره وتضم شكله
أو أنها في واحة الإنسان قد = وهب الثمار غراسها وأمد ظله
هي للنقاء السمت للأمل الندى = للخير ينبوع الوفاء أفاض بذله
هي نفس كل مكرم قصد الذرى = أبدى جبين فروضه وأسر نفله
فمن الحصيف إلى الشريف إلى الذي = جعل السماحة كفه والعزم خيله
ومن الحليم إلى الحكيم إلى الذي = حسنت سمات وقاره وأبر قوله
والأريحي الألمعي وكل من = أقرى المروءة جهده وأقل عذله
السابقون إلى الفضيلة في الورى = الواثقون بنفحة التوفيق بالله
السامقون تفضلا وترفعا = الوامقون لكل ذي أرب أبا له
يا صحبة الدرب الرشيد على المدى = في رحلة الطير المهاجر عاف ذله
قد طرت فردا يوم أن نكص الورى = واليوم طار السرب في أفق أجله
يا صحبة سمت النفوس بقربها = من كل فذ القدر حاز الفخر كله
الليل طال وفجره في أعين = حلمت بمرود عزها تشتاق كحله
والنفس أرهقها الحنين لدولة = أسمى مبادئها وفاء الخل خله
هيا نحلق في الفضاء ونجتبي = عهدا يراكم لاجتباء الفضل أهله
هيا فقد قهر التخاذل مجدنا = إن لم يكن أنتم لنصرته فمن له

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى