الأدبوحي الخاطر

في مذهب الحب العفيف

جلال العفة البريئة وبلاغة ميثاق الوفاء في محراب النبل الوجداني

مِنْ لُجَّةِ الغَيْبِ العَصِيِّ، حَيْثُ تَتَخَلَّقُ المَقَادِيرُ فِي صَمْتٍ أَشْبَهَ بِسُجُودِ الأَزَلِ، وَحَيْثُ تَنْسُجُ المَشِيئَةُ بُرْدَتَهَا مِنْ خُيُوطٍ لَا تُرَى وَلَا تُدْرَكُ إِلَّا حِينَ تَهْبِطُ عَلَى القَلْبِ فِي هَيْئَةِ اِمْرَأَةٍ، جِئْتِ إِلَى أَيَّامِي لَا كَطَارِئَةٍ عَلَى جَدْوَلِ العُمْرِ، وَلَا كَوَجْهٍ عَابِرٍ فِي زِحَامِ الحَوَاسِّ، بَل *كَحَقِيقَةٍ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فِي أَعْمَاقِي، تَنْتَظِرُ لَحْظَةَ التَّجَلِّي لِتَقُولَ لِلرُّوحِ: هَذَا مَا كُنْتِ تَبْحَثِينَ عَنْهُ وَأَنْتِ تَظُنِّينَ أَنَّكِ تَبْحَثِينَ عَنْ نَفْسِكِ.
فَأَنْتِ أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ لَمْ تَكُونِي بَدْءَ الحِكَايَتِ فَحَسْبُ، بَل *كُنْتِ مَعْنَاهَا الَّذِي تَأَخَّرَ حَتَّى يَجِيءَ فِي مَوْعِدِهِ، وَحِينَ جِئْتِ، لَمْ يَتَّسِعْ لَكِ مَكَانٌ فِي القَلْبِ، بَل *أَعَادَ القَلْبُ هِنْدَسَةَ مَمَالِكِهِ كُلِّهَا لِيَكُونَ مَكَانُكِ هُوَ المَرْكِزَ، وَمَا عَدَاهُ هَوَامِشَ تُطِيفُ بِهِ طَوْعًا وَتَأَدُّبًا. فَبِكِ عَرَفْتُ أَنَّ الحُبَّ لَا يَدْخُلُ الرُّوحَ كَضَيْفٍ، بَل *كَسَيِّدٍ شَرِيفٍ يُرَتِّبُ الفَوْضَى، وَيُهَذِّبُ جُمُوحَ، وَيُعَلِّمُ النَّبْضَ أَنْ يَصِيرَ أَكْثَرَ وَعْيًا بِمَا يَخْفِقُ لَهُ.

أَنْتِ لَسْتِ اِمْرَأَةً تُقَارَبُ بِطِينِ الحَوَاسِّ وَحْدَهُ، وَلَا تُدْرَكُ بِمِسْطَرَةِ الوَصْفِ العَاجِلِ، وَلَا تُحَاصَرُ فِي مَدَارِ الفِتْنَةِ العَابِرَةِ الَّتِي تُوقِظُ النَّظَرَ ثُمَّ تُتْعِبُ الرُّوحَ؛ بَل *أَنْتِ مِعْرَاجٌ دَاخِلِيٌّ تَرْتَقِي فِيهِ النَّفْسُ مِنْ ضِيقِ الرَّغْبَةِ إِلَى سَعَةِ المَعْنَى، وَمِنْ عَجَلَةِ الحَاجَةِ إِلَى طُمَأْنِينَةِ العَهْدِ، وَمِنْ عَبَثِ التَّمَلُّكِ إِلَى شَرَفِ الاِئْتِمَانِ. وَهُنَا تَبْدَأُ فَلْسَفَةُ الحُبِّ فِي أَرْقَى مَقَامَاتِهَا: أَنْ لَا يَكُونَ المَحْبُوبُ غَنِيمَةً تُؤْخَذُ، بَل *أَمَانَةً تُصَانُ؛ وَلَا يَكُونَ القُرْبُ سَيْطَرَةً، بَل *سَكِينَةً؛ وَلَا يَكُونَ الوَصْلُ اِنْتِصَارَ جَسَدٍ عَلَى جَسَدٍ، بَل *اصْطِلَاحَ رُوحَيْنِ عَلَى مَعْنًى أَعْلَى مِنْهُمَا.

وَمَا كَانَ حُبِّي لَكِ يَوْمًا نَزْوَةَ طِينٍ يَتُوقُ إِلَى طِينٍ، وَلَا جُوعَ غَرِيزَةٍ تَسْتَعْجِلُ قِطَافًا قَبْلَ أَوَانِهِ، بَل *كَانَ ذَلِكَ الاِسْتِحْقَاقَ النَّبِيلَ لِرُوحَيْنِ تَعَارَفَتَا فِي مَكَانٍ لَا تَبْلُغُهُ الخُطَى، ثُمَّ لَمَّا اِلْتَقَتَا فِي هَذَا العَالَمِ المَكْدُودِ، أَبَتَا أَنْ تَنْحَنِيَا لِرَخَاصَةِ الوَصْفِ أَوْ لِسُرْعَةِ الاِشْتِهَاءِ. لَقَدْ جِئْتُكِ لَا كَمَنْ يَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَكُونِي ظِلَّهُ، وَلَا كَمَنْ يَبْحَثُ فِيكِ عَنْ نِصْفٍ ضَائِعٍ يُسْنِدُ عَجْزَهُ، بَل *كَمَنْ وَجَدَ فِي اِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكْتَمِلُ لَا بِأَنْ يَمْلِكَ، بَل *بِأَنْ يُخْلِصَ؛ وَلَا بِأَنْ يَغْلِبَ، بَل *بِأَنْ يَرْحَمَ؛ وَلَا بِأَنْ يُطْفِئَ مَا حَوْلَهُ، بَل *بِأَنْ يُضِيءَ مِنْ دَاخِلِهِ مَا يَجْعَلُ الحُبَّ أَشْبَهَ بِعِبَادَةِ المَعْنَى.

وَإِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، حِينَ تَبْلُغُ مَقَامَهَا الأَصْفَى، لَا تَكُونُ مُسَاوَمَةً بَيْنَ حَاجَتَيْنِ، وَلَا تَجَاذُبًا بَيْنَ ضَعْفَيْنِ، وَلَا صُدْفَةً تَتَكِئُ عَلَى لَحْظَةِ وَلَهٍ ثُمَّ تُسْلِمُهَا الأَيَّامُ إِلَى البُرُودِ؛ إِنَّهَا مِيثَاقٌ شَفَّافٌ بَيْنَ قُوَّتَيْنِ تَتَعَلَّمَانِ الرِّقَّةَ، وَبَيْنَ كَرَامَتَيْنِ تَتَعَلَّمَانِ الاِنْحِنَاءَ النَّبِيلَ، وَبَيْنَ رُوحَيْنِ تَعْرِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ الآخَرَ لَيْسَ مَمَرًّا عَابِرًا إِلَى اللَّذَّةِ، بَل *مَوْطِنٌ أَخْلَاقِيٌّ لِلسَّكِينَةِ وَالفَهْمِ وَالوَفَاءِ.

فِي مَذْهَبِي، الحُبُّ العَفِيفُ لَيْسَ حِرْمَانًا، بَل *اِمْتِلَاءٌ مُهَذَّبٌ؛ وَلَيْسَ اِنْطِفَاءً، بَل *نَارٌ عَاقِلَةٌ تَعْرِفُ أَيْنَ تَضَعُ جَمْرَهَا فَلَا تُحْرِقُ مَا جَاءَتْ لِتُدْفِئَهُ. العِفَّةُ لَا تُضَادُّ الحُبَّ، بَل *تَرْفَعُهُ مِنْ عَجَلَةِ المَطَالِبِ إِلَى هَيْبَةِ المَقَاصِدِ؛ تُعَلِّمُ الشَّوْقَ أَنْ يَتَأَدَّبَ، وَتُعَلِّمُ الرَّغْبَةَ أَنْ تَسْتَحْيِيَ، وَتُعَلِّمُ الجَسَدَ أَنَّهُ لَيْسَ خَصْمَ الرُّوحِ وَلَا سَيِّدَهَا، بَل *بَابٌ مِنْ أَبْوَابِهَا، إِنْ دَخَلَهُ المَعْنَى صَارَ صَلَاةً، وَإِنْ خَلَا مِنْهُ صَارَ عُبُورًا بِلَا أَثَرٍ.

وَإِنَّ عِفَّتِي مَعَكِ لَيْسَتْ ضَعْفًا يَتَوَارَى خَلْفَ سِتَارِ الفَضِيلَةِ، وَلَا عَجْزًا يُسَمِّي نَفْسَهُ نُبْلًا، بَل *هِيَ قُوَّةُ الرَّجُلِ حِينَ يَمْلِكَ أَنْ يَسْتَعْجِلَ فَيَتَأَنَّى، وَأَنْ يَقْتَرِبَ فَيُجِلَّ، وَأَنْ يَشْتَاقَ فَيَصُونَ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ، ثُمَّ يَخْتَارَ أَنْ يَمُدَّ قَلْبَهُ أَوَّلًا. فَالمَرْأَةُ الَّتِي تُحَبُّ حُبًّا شَرِيفًا لَا تُقْطَفُ كَثَمَرَةٍ خَائِفَةٍ مِنْ خَرِيفِهَا، بَل *تُسْقَى كَزَهْرَةٍ يَعْرِفُ مَنْ يُحِبُّهَا أَنَّ بَهَاءَهَا فِي بَقَائِهَا، لَا فِي اِسْتِعْجَالِ اِمْتِلَاكِهَا. أُحِبُّكِ لِأَنَّكِ جَعَلْتِ الرُّجُولَةَ فِي دَاخِلِني أَكْثَرَ بَصِيرَةً بِنَفْسِهَا. لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلُو بِقُوَّتِهِ، فَعَلَّمْتِنِي أَنَّهُ يَعْلُو حِينَ تَتَحَوَّلُ قُوَّتُهُ إِلَى أَمَانٍ لَا إِلَى سُلْطَانٍ، وَإِلَى سَنَدٍ لَا إِلَى قَيْدٍ، وَإِلَى حِرَاسَةِ مَعْنًى لَا إِلَى مُصَادَرَةِ حُرِّيَّةٍ. وَأَحْبَبْتُ فِيكِ أَنَّ أُنُوثَتَكِ لَا تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَنْقُصَ كَيْ تَكْبُرِي، وَلَا أَنْ أَتَلَاشَى كَيْ تَحْضُرِي، بَل *تَسْتَدْعِي مِنِّي أَجْمَلَ مَا فِيَّ؛ تَجْعَلُ كِبْرِيَائِي أَرْحَمَ، وَحَزْمِي أَلْيَنَ، وَصَمْتِي أَفْصَحَ، وَوَفَائِي أَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَثْبُتَ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ أَوْ يَتَحَجَّرَ.

وَإِنَّنِي لَا أَرَى فِي الوَفَاءُ لَكِ قَيْدًا أُلْقِيهُ عَلَى مَعْصَمِ رُوحِي، وَلَا رَايَةً أَرْفَعُهَا فِي أَيَّامِ الصَّفَاءِ ثُمَّ أُسْقِطُهَا عِنْدَ أَوَّلِ عَاصِفَةٍ؛ إِنَّهُ نَامُوسٌ دَاخِلِيٌّ، إِذَا اِضْطَرَبَتِ الأَيَّامُ رَدَّنِي إِلَيْكِ، وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الوُجُوهُ ذَكَّرَنِي أَنَّ القَلْبَ الصَّادِقَ لَا يُغْرِيهِ العَدَدُ عَنِ الفَرَادَةِ، وَلَا تَسْحَرُهُ الكَثْرَةُ حِينَ يَكُونُ قَدْ عَرَفَ وَجْهَتَهُ الوَاحِدَةَ. إِنَّ الوَفَاءَ حِينَ يَكُونُ حُرًّا لَا يُشْبِهُ السِّجْنَ، بَل *يُشْبِهُ الطَّائِرَ الَّذِي عَرَفَ فَضَاءَهُ، فَلَمْ يَعُدْ يَحْسُدُ الأَقْفَاصَ المُذَهَّبَةَ عَلَى بَرِيقِهَا.

وَلَئِنْ طَالَتِ المَسَافَاتُ بَيْنَنَا حَتَّى صَارَ الوَقْتُ أَثْقَلَ مِنْ خُطَى المُتْعَبِينَ، فَسَأَظَلُّ أَنْسِجُ مِنْ حَنِينِي إِلَيْكِ جِسْرًا لَا تَرَاهُ العَيْنُ وَيَعْبُرُهُ القَلْبُ كُلَّ لَيْلَةٍ. فَالقُلُوبُ الَّتِي تَصْدُقُ لَا تَخْضَعُ لِجُغْرَافِيَا المَكَانِ كَمَا يَخْضَعُ الغَائِبُونَ؛ إِنَّها تَخْتَرِعُ مَسَافَتَهَا الخَاصَّةَ، وَتُقِيمُ بَيْنَ النَّبْضِ وَالنَّبْضِ سِرًّا لَا تَعْرِفُهُ الخَرَائِطُ، وَلَا تُحْسِنُ السَّاعَاتُ قِيَاسَهُ. فَأَنْتِ قَرِيبَةٌ حِينَ تَكُونِينَ فِي مَعْنَاِي، وَإِنْ بَعُدَتْ دُورُكِ؛ وَبَعِيدَةٌ عَنِّي كُلُّ الدُّنْيَا إِذَا خَلَتْ مِنْ صَوْتِكِ، وَإِنِ اِزْدَحَمَتْ حَوْلِي بِالوُجُوهِ وَالأَصْوَاتِ.

أَيَّتُهَا الرُّوحُ المُرَكَّبَةُ مِنْ دَهْشَةٍ وَسَكِينَةٍ، مِنْ حِدَّةِ ذَكَاءٍ وَطَرَاوَةِ حَنَانٍ، مِنْ شُمُوخٍ لَا يُقْصِي وَرِقَّةٍ لَا تَضْعُفُ؛ مَا الحُبُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْ يَجِدَ العَقْلُ عَقْلًا يُنَاجِيهِ فَلَا يَمَلُّ، وَأَنْ تَجِدَ الرُّوحُ رُوحًا تُشْبِهُهَا وَلَا تُلْغِيهَا، وَأَنْ يَجِدَ القَلْبُ قَلْبًا يُسْكِتُ فِيهِ ضَوْضَاءَ العَالَمِ دُونَ أَنْ يُطْفِئَ فِيهِ نَبْضَ الحَيَاةِ؟ إِنِّي حِينَ أُحَاوِرُكِ لَا أَتَبَادَلُ مَعَكِ الكَلِمَاتِ كَمَا يَتَبَادَلُهَا العَابِرُونَ عَلَى أَرْصِفَةِ الوَقْتِ، بَل *أَشْعُرُ كَأَنَّ المَعْنَى يَخْرُجُ مِنْ غِمْدِهِ، وَكَأَنَّ الفِكْرَةَ تَلْبَسُ ثَوْبَهَا الأَبْهَى، وَكَأَنَّ الحِوَارَ بَيْنَنَا لَيْسَ كَلَامًا، بَل *فَنٌّ خَفِيٌّ مِنْ فُنُونِ التَّعَارُفِ العَمِيقِ.

مَا أَبْهَى المَرْأَةَ حِينَ تَكُونُ لِلرَّجُلِ حِوَارًا لَا زِينَةً فَحَسْبُ، وَسُؤَالًا مُحَفِّزًا لَا جَوَابًا جَاهِزًا، وَأُفُقًا مُمْتَدًّا لَا مَرْآةً صَغِيرَةً لِغُرُورِهِ. وَمَا أَنْبَلَ الرَّجُلَ حِينَ لَا يَخَافُ مِنْ عَقْلِ اِمْرَأَتِهِ، وَلَا يَضِيقُ بِحُضُورِهَا، وَلَا يَرَى فِي تَفَوُّقِهَا خَصْمًا لَهُ، بَل *مِحْرَابًا جَدِيدًا لِفَخْرِهِ. فَالحُبُّ، فِي أَرْقَى صُوَرِهِ، لَيْسَ أَنْ يُصَغِّرَ أَحَدُنَا الآخَرَ لِيَتَّسِعَ، بَل *أَنْ يَتَّسِعَ كِلَانَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الرُّوحِ مَوْضِعٌ لِلضِّيقِ.

فَإِذَا سَأَلَتْنِي الأَيَّامُ عَنْ مَعْنَى الحُبِّ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، سَأَقُولُ: هُوَ أَنْ يَجِدَ الرَّجُلُ فِي المَرْأَةِ مَا يَجْعَلُ قُوَّتَهُ أَرْحَمَ، وَأَنْ تَجِدَ المَرْأَةُ فِي الرَّجُلِ مَا يَجْعَلُ حُرِّيَّتَهَا أَكْثَرَ أَمَانًا؛ هُوَ أَنْ يَتَجَاوَرَ الحَنَانُ وَالكَرَامَةُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَصِيرَ الوَفَاءُ لَيْسَ عَادَةَ البَاقِينَ، بَل فَنَّ النُّبَلَاءِ؛ وَأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ قَلْبٍ أَنَّ الآخَرَ لَيْسَ مَا يَمْلِكُهُ فِي يَدِهِ، بَل مَا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي ضَمِيرِهِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى