الأدبوحي الخاطر

بيعة القلب الأخيرة

جلال العهد الوجداني ونقاء اليقين في مواجهة ظنون الفراق

مَا أَشَقَّ عَلَى الرُّوحِ الأَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ نَبْعُ الحُبِّ فِيهَا صَافِيًا كَزُلَالِ السَّمَاءِ، بَرِيئًا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، ثُمَّ تَعْبُرَهُ غَمَامَةُ ظَنٍّ فَتُعَكِّرُ مَاءَهُ الصَّفِيَّ. وَمَا أَوْجَعَ أَنْ يَقِفَ القَلْبُ ذُو الأَنَفَةِ أَمَامَ مَنْ يُحِبُّ، لَا لِيُثْبِتَ حُبَّهُ، حِينَ يُصْبِحُ كَنَصٍّ بَلِيغٍ أُسِيءَ قِرَاءَتُهُ، حِينَ تَتَقَدَّمُ الهَوَامِشُ المُفْتَعَلَةُ لِتَخْنُقَ المَتْنَ الأَصِيلَ، وَيُؤْخَذُ الصَّمْتُ الكَرِيمُ دَلِيلًا ظَالِمًا عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ. فَالحُبُّ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِوَرَقَةٍ أَوْ قَسَمٍ، بَلْ لِيَسْتَرِدَّ صُورَتَهُ مِنْ مِرْآةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا أَصَابِعُ الهَوَاجِسِ. وَإِنَّ أَمَرَّ مَا فِي الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ اليَقِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَضَعُ بَيْنَ القَلْبَيْنِ ضَبَابًا رَقِيقًا، ثُمَّ يَتْرُكُهُ يَتَكَاثَفُ حَتَّى تَصِيرَ المَسَافَةُ، وَإِنْ قَصُرَتْ، أَوْحَشَ مِنْ مَنَافِي البَحْرِ.

لَا أَطْلُبُ مِنْكِ، يَا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى سِرِّي، أَنْ تُصَدِّقِينِي لِأَنَّنِي أَحْلِفُ، فَالأَيْمَانُ حِينَ تَكْثُرُ تَفْقِدُ هَيْبَتَهَا، وَلَا أَنْ تُغْلِقِي بَابَ السُّؤَالِ، فَالسُّؤَالُ حَقٌّ حِينَ يَجِيءُ مِنْ قَلْبٍ يَخَافُ عَلَى مَا يُحِبُّ. وَلَكِنِّي أَطْلُبُ أَلَّا يُحَاكَمَ قَلْبِي فِي مَحَاكِمِ الظُّنُونِ فِي غِيَابِ صَوْتِي وَبُرْهَانِي، وَأَلَّا تُسْلَمَ حَقِيقَتِي إِلَى ظِلٍّ عَابِرٍ قَبْلَ أَنْ أَقِفَ أَمَامَكِ بِكُلِّ مَا فِيَّ مِنْ صِدْقٍ وَوُضُوحٍ. فَلَيْسَ أَشَدَّ قَسْوَةً عَلَى العَاشِقِ مِنْ أَنْ يَرَى مَنْ أَحَبَّتْهُ رُوحُهُ تُصَادِقُ عَلَى جُرْحِهِ، قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَ خَفْقَةَ دِفَاعِهِ. إِنَّنِي لَا أَخَافُ الطَّرِيقَ الطَّوِيلَ إِذَا كَانَ آخِرُهُ إِلَيْكِ، وَلَا أَخَافُ التَّعَبَ إِذَا كَانَ يَضَعُ رَأْسَهُ عِنْدَ عَتَبَةِ رِضَاكِ، وَلَا أَخَافُ اللَّيْلَ إِذَا ظَلَّ فِي دَاخِلِهِ مَوْعِدٌ صَغِيرٌ مَعَ الضَّوْءِ. وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَحَوَّلَ سُوءُ الفَهْمِ إِلَى قَاضٍ، وَأَنْ تَصِيرَ الهَوَاجِسُ شُهُودًا، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَلْبِي حُكْمٌ لَا يَلِيقُ بِمَا حَمَلَ لَكِ مِنْ صَفَاءٍ. فَإِنْ كَانَ فِي الحُبِّ عَدْلٌ، فَعَدْلُهُ أَنْ يُمْنَحَ القَلْبُ فُرْصَةَ أَنْ يَشْرَحَ نَفْسَهُ، قَبْلَ أَنْ يُتْرَكَ وَحِيدًا فِي مَهَبِّ التُّهْمَةِ.

أَنْتِ تَعْلَمِينَ، أَوْ لَعَلَّكِ تَعْلَمِينَ فِي أَعْمَقِ مَا فِيكِ، أَنَّنِي لَمْ أَدْخُلْ حُبَّكِ كَمَنْ يَدْخُلُ مَوْسِمًا عَابِرًا، وَلَا وَقَفْتُ عَلَى بَابِكِ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ ظِلٍّ يُرِيحُهُ مِنْ حَرِّ الوَقْتِ. لَقَدْ جِئْتُكِ بِقَلْبٍ عَارٍ مِنَ المُنَاوَرَةِ، مُثْقَلٍ بِمَا فِيهِ مِنْ شَوْقٍ، وَلَكِنَّهُ نَقِيٌّ فِي اتِّجَاهِهِ، لَا يَعْرِفُ لِوِجْهَتِهِ بَدَلًا. وَمُنْذُ عَرَفْتُكِ، صَارَتِ الأَيَّامُ تُقَاسُ بِقُرْبِهَا مِنْكِ، وَصَارَتِ الفَرْحَةُ تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنِ ابْتِسَامَتِكِ، وَصَارَ كُلُّ مَا فِيَّ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ، لِأَنَّكِ تَسْتَحِقِّينَ قَلْبًا لَا يُقَدِّمُ لَكِ إِلَّا حَقِيقَتَهُ. وَلَئِنْ كَانَتِ الظُّنُونُ قَدْ مَرَّتْ بَيْنَنَا كَرِيحٍ عَجْلَى، فَإِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُحَوِّلَ الحُبَّ إِلَى مَحْكَمَةٍ، وَلَا أَنْ أُحَوِّلَ الأَلَمَ إِلَى خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ. حَسْبِي أَنْ أَضَعَ بَيْنَ يَدَيْكِ هَذَا القَلْبَ كَمَا هُوَ: فِيهِ خَدُوشُهُ، وَفِيهِ نُورُهُ، وَفِيهِ ذَلِكَ الاِنْحِيَازُ الكَامِلُ إِلَيْكِ. خُذِيهِ لَا كَمَنْ يَطْلُبُ بَرَاءَةً مِنْ ذَنْبٍ، بَلْ كَمَنْ يَطْلُبُ أَنْ يُقْرَأَ بِعَيْنِ مَنْ يُحِبُّ، لَا بِعَيْنِ مَنْ أَتْعَبَتْهَا غُيُومُ الوَسْوَاسِ.

إِنَّ بَيْنَ القَلْبَيْنِ، مِمَّنْ هُمْ عَلَى مِلَّةِ العِشْقِ الحَنِيفِ، مِيثَاقًا أَزَلِيًّا لَا يُكْتَبُ بِالحِبْرِ الفَانِي عَلَى وَرَقٍ تَمْحُوهُ الأَيَّامُ؛ بَلْ مِيثَاقًا غَلِيظًا مِنَ الإِصْغَاءِ العَمِيقِ لِنَبَرَاتِ الرُّوحِ قَبْلَ الإِدَانَةِ الظَّالِمَةِ، وَمِنَ الرِّفْقِ المَلَائِكِيِّ قَبْلَ الاِنْقِيَادِ لِمَخَاوِفِ اللَّيْلِ البَهِيمِ. لَقَدْ جِئْتُكِ حَامِلًا عُمْرِي عَلَى رَاحَتِي، لَا كَمَنْ يُجَرِّبُ دِفْءَ مَوْسِمٍ عَابِرٍ لِيَمْضِيَ إِذَا انْقَضَى، بَلْ جِئْتُكِ مُتَوَجِّهًا بِكُلِّيَتِي بِنِيَّةِ البَقَاءِ السَّرْمَدِيِّ، حَيْثُ حَمَلْتُكِ مَعْنًى سَامِيًا عَلَى مَتْنِ المَكَارِهِ الخَشِنَةِ، وَأَوْرَدْتُكِ مَنَاهِلَ النَّقَاءِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْدُرَ صَفْوَهَا شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الدُّنْيَا. هَذِهِ النِّيَّةُ المُبَيَّتَةُ لِلْبَقَاءِ هِيَ كَغَرْسِ شَجَرَةٍ أَبَدِيَّةٍ فِي قَاحِلِ أَرْضِ العُمْرِ، تَحْتَاجُ إِلَى سُقْيَا المَوَدَّةِ المَوْصُولَةِ، وَإِلَى ثِقَةٍ ثَابِتَةٍ كَالرَّوَاسِي، بِأَنَّ الجُذُورَ الَّتِي ضَرَبَتْ فِي صَمِيمِ الرُّوحِ هِيَ أَصْدَقُ مَا فِيهَا وَأَبْقَى. إِنَّهُ لَيُوجِعُنِي، حَدَّ التَّصَدُّعِ، أَنْ تَصِيرَ الظُّنُونُ الرَّعْنَاءُ أَفْصَحَ مِنْ صَوْتِي النَّاطِقِ بِالحَقِّ، لَا تَكَبُّرًا عِنَادِيًّا عَلَى لَذَّةِ العِتَابِ، بَلْ خَوْفًا مَقْدِسِيًّا عَلَى مَقَامِكِ المُبَجَّلِ فِي قَلْبِي، مِنْ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ حَشَرَاتُ الوَسْوَاسِ، كَأَنَّهَا صَاحِبَةُ بَيْتٍ مُقِيمَةٌ. وَإِنَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكِ لَا تُحْسِنُ العِبَارَاتُ حَمْلَهُ كُلَّهُ، وَلَا تُوَثِّقُهُ الأَوْرَاقُ، وَلَا تَحْرُسُهُ الأَقْفَالُ، وَلَا تَزِيدُهُ الأَيْمَانُ إِلَّا إِشْفَاقًا مِنْ ضَعْفِ اللُّغَةِ. هُوَ عَهْدُ النَّبْضِ حِينَ يَعْرِفُ صَاحِبَهُ، وَعَهْدُ المَاءِ حِينَ يَحِنُّ إِلَى مَصَبِّهِ، وَعَهْدُ الطَّائِرِ حِينَ يَعُودُ إِلَى عُشِّهِ بَعْدَ أَنْ أَتْعَبَتْهُ الجِهَاتُ. وَأَنَا، مَهْمَا تَقَلَّبَتِ السُّبُلُ، لَا أَعْرِفُ فِي النِّهَايَةِ مَوْطِنًا أَسْكُنُ إِلَيْهِ غَيْرَكِ، وَلَا صَوْتًا تَهْدَأُ عِنْدَهُ فَوْضَايَ سِوَى صَوْتِكِ.

فَلَا تَتْرُكِي الغَيْمَ العَابِرَ يُقْنِعُكِ أَنَّ الشَّمْسَ تَغَيَّرَتْ، وَلَا تَجْعَلِي خَدْشَ اللَّحْظَةِ يَطْغَى عَلَى بَيَاضِ العُمْرِ الَّذِي أَرِيدُهُ مَعَكِ. إِنْ كَانَ فِيَّ مَا يُحْزِنُكِ فَخُذِي بِيَدِي إِلَيْهِ، لَا لِتُعَاقِبِينِي بِهِ، بَلْ لِأُصْلِحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَلِأَكُونَ عِنْدَ ظَنِّ قَلْبِكِ الأَجْمَلِ بِي. وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَشُقُّ عَلَيْنَا، فَلْنَمْشِهِ مَعًا؛ فَالوَحْدَةُ تُكَبِّرُ الحُزْنَ، أَمَّا اليَدُ حِينَ تَكُونُ فِي اليَدِ، فَإِنَّهَا تَجْعَلُ حَتَّى الطَّرِيقَ الوَعِرَ أَقْرَبَ إِلَى النَّجَاةِ.

إِلَيْكِ بَيْعَةُ قَلْبِي كَمَا لَمْ أَقُلْهَا مِنْ قَبْلُ؛ لَسْتِ فِي حَيَاتِي زَائِرَةَ فَرَحٍ، بَلْ مَعْنَى الاِسْتِقْرَارِ فِيهَا. وَلَسْتِ فَصْلًا مَضَى أَوْ يَمْضِي، بَلْ الكِتَابُ الَّذِي أَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا تَعِبَتْ رُوحِي مِنْ حَوَاشِي العَالَمِ. وَإِنِّي لَأَعُودُ إِلَيْكِ دَائِمًا، لَا لِأَنَّ الطُّرُقَ ضَاقَتْ، بَلْ لِأَنَّ القَلْبَ، بَعْدَ كُلِّ اتِّسَاعٍ، يَعْرِفُ مَرْكَزَهُ. أَعُودُ إِلَيْكِ كَمَا تَعُودُ الرَّائِحَةُ إِلَى الزَّهْرَةِ، وَكَمَا يَعُودُ الدُّعَاءُ إِلَى شَفَتَيْنِ أَتْعَبَهُمَا الصَّمْتُ، وَكَمَا يَعُودُ المَعْنَى إِلَى كَلِمَتِهِ الأُولَى. هَذَا هُوَ مِيثَاقُ مَا بَيْنَنَا الَّذِي لَا أَزْعُمُ أَنَّهُ خَالٍ مِنَ الوَجَعِ، وَلَكِنِّي أَزْعُمُ أَنَّهُ صَادِقٌ حَتَّى فِي وَجَعِهِ؛ سَأَظَلُّ أَخْتَارُكِ حِينَ يَكُونُ الاِخْتِيَارُ سَهْلًا، وَحِينَ يَصِيرُ صَعْبًا؛ وَسَأَظَلُّ أَعُودُ إِلَى الحِوَارِ كُلَّمَا أَرَادَ الصَّمْتُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى جِدَارٍ؛ وَسَأَظَلُّ أُؤْمِنُ أَنَّ القَلْبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَصْدُقَانِ لَا يَنْتَصِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، بَلْ يَنْتَصِرَانِ مَعًا عَلَى مَا يُفَرِّقُهُمَا. وَهَاكِ حَقِيقَةً أَقُولُهَا بِلَا زِينَةٍ تُضْعِفُهَا وَلَا قَسَمٍ يُثْقِلُهَا: إِنَّكِ لَسْتِ فَصْلًا فِي حِكَايَتِي، بَلْ مَعْنَى الحِكَايَةِ؛ وَلَسْتِ مَنْ أَكْتُبُ إِلَيْهَا فَقَطْ، بَلْ مَنْ أَتَعَلَّمُ، بِسَبَبِهَا، كَيْفَ يَصِيرُ القَلْبُ أَجْدَرَ بِأَنْ يُكْتَبَ.

فَإِنْ سَأَلَتْنِي الأَيَّامُ: مَا الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي يَمِينِكَ وَقَدْ أَثْقَلَتْكَ الطُّرُقُ؟ سَأُجِيبُهَا: هِيَ ثِقَتُهَا الَّتِي أَرْجُو أَنْ أَسْتَرِدَّهَا، وَهِيَ يَدُهَا الَّتِي أَحْلِمُ أَنْ أُصَالِحَ بِهَا العَالَمَ، وَهِيَ حُبِّي الَّذِي لَا أُرِيدُ لَهُ أَنْ يُهْزَمَ أَمَامَ سَحَابَةٍ عَابِرَةٍ. وَإِنْ سَأَلَنِي القَلْبُ: إِلَى أَيْنَ؟ سَأَقُولُ: إِلَيْهَا، حَيْثُ تَبْدَأُ طُمَأْنِينَتِي، وَحَيْثُ يَنْتَهِي تَشَرُّدِي، وَحَيْثُ أَتَعَلَّمُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّ الحُبَّ الصَّادِقَ لَا يَخْلُو مِنَ الجُرْحِ، وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ، إِذَا صَدَقَ أَهْلُهُ، أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الجُرْحِ بَابًا أَوْسَعَ إِلَى اليَقِينِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى