الشعر
بعفَّة النُّسَّاك
غَنَّى الرَّبِيعُ فَكَانَ مِنْ نَجْوَاكِ = فَتَنَ الوُجُودَ بِسِحْرِكِ الفَتَّـاكِ النَحْـلُ يَلْثُمُ وَالفَرَاشُ مُدَاعِبٌ = يُسْقَى الرَّحِيْقَ الحُلْوَ مِنْ رَيَّاكِ وَالطَّيْرُ صَادِحَةٌ عَلَى أَفْنَانِهَـا = غنَّتْ لَنَا مِنْ مُسْـتَهَلِّ غِنَـاكِ وَحَدَائِقُ الزَّهْرِ المُكَلَّلِ بِالنَّدى = عَبَقَتْ بِهَمْسِكِ وَانْتَشَتْ بِشَذَاكِ وَجَدَاوِلُ الإِحْسَاسِ تَسْعَى بَينَهَا = بِالشَّوْقِ تَحْمِلُ شَوْقَهَا لِذُرَاكِ قَدْ بُشَّ وَجْهُ الأرْضِ بَعْدَ عُبُوسِهِ = فَكَسَى الحَيَاةَ بِسُـندُسٍ مَرْعَاكِ ثَمِلَ الوُجُودُ سَعَادَةً بِرَبِيعِهِ = وَأَنَا انْتَشَيْتُ سَعَادَةً بِنَدَاكِ إِنَّ الرَّبِيعَ إِذَا تَنَفَّسَ عِطْرَهُ = وَاخْتَالَ بِالزَّهْرِ الذِي حَاكَاكِ أَوْ غَرَّدَتْ شَـفَتَاهُ شَدْوًا هَامِسًا = بِلِسَانِ طَيرٍ ضَـاحِكٍ مُتَبَـاكِ خَلَبَ العُقُولَ بِعَينِ مُلْهِمَةِ الرُّؤَى = ثُمَّ انْثَنَى يَخْتَالُ فِي الأفْلاكِ ذَاكَ الرَّبِيعُ وَقَدْ سَبَى مُهَجِ الوَرَى = فَمَنْ الذِي لا يُسْتَبَى بِسَنَاكِ أَنْتِ التِي عَبِقَ الرَّبِيعُ بِعِطْرِهَا = لَولاكِ لَمْ يَعْبَقْ بِهِ لَوْلاكِ بِجَمَالِكِ الوَضَّاءِ قَدْ أَلْهَمْتِهِ = مَعْنَى الجَمَالِ وَرَوْعَةَ الإِدْرَاكِ وَزَجَرْتِ خَائِنَةَ العُيُونِ فَأَقْبَلَتْ = تُزْجِي الغَرَامَ بِعِفَّةِ النُّسَّاكِ عَيْنَاكِ أَبْهَى مَا رَأَيْتُ مِنَ السَّنَا = فَكَأَنَّ آفَاقَ المَدَى عَيْنَاكِ عَيْنَاكِ! آهٍ مِنْكِ يَا لُغَةَ الهَوَى = مَاذَا يَقُوْلُ الشِعْرُ فِي مَعْنَاكِ مَا عَادَ يَنْطِقُ بِالبَيَانِ مُعَبِّرًا = ذَهِلَ البَيَانُ وَتَاهَ فِي نَجْوَاكِ سُبْحَان مَنْ فَطَرَ الوُجُودَ بِرَوْعَةٍ = وَأَحَاطَ فِيْهِ الوَرْدَ بِالأَشْوَاكِ نَطَقَتْ بِهِ فِي كُلِّ حُسْنٍ آيَةٌ = وَرَأَيْتُ حُسْنَكِ آيَةً وَبَهَاكِ خَلَقَ الأنَامَ الطِّيْنَ فِي أَجْسَادِهِمْ = هَلْ مِنْ عَبِيْرِ المِسْكِ قَدْ سَوَّاكِ أَمْ مِنْ طُيُوفِ النُّورِ صَاغَكِ قُدْرَةً = أَمْ عَنْ لَطِيفِ الفَجْرِ قَدْ جَلَّاكِ يُسْرَاكِ قَدْ مَلَكَتْ سُلافَ تَوَدُّدٍ = وَمَكَارِمَ الأَخْلاقِ فِي يُمْنَاكِ بَهَرَتْ فَصَاحَتُكِ القَصَائِدَ رَوْعَةً = حَتَّى لَقَدْ أَعْجَزْتِ بِاسْتِدْرَاكِ وَتَلَعْثَمَ الفِكْرُ البَلِيغُ بِلَهْفَةٍ = لَمَّا رَأَى المَعْنَى يُلَامِسُ فَاكِ وَأَتَتْ إِلَيْكِ المُكْرَمَاتُ بِنَشْوَةٍ = تَاْبَى عَلَى الحُسْنِ العُلا إِلاكِ مَطَرٌ قَصَائِدُ عُمْرِيَ الظَّمْآنِ مَا = حَدَبَتْ عَلَى جَدْبٍ لِغَيرِ رُبَاكِ قَدْ كُنْتُ أَطْوِي الدَّهْرَ كَوْنًا صَامِتًا = حَتَّى أَفَاقَ الكَوْنُ فِي نَجْوَاكِ وَمَشَيتُ يَوْمًا فِي الحَدَائِقِ حَالِمًا = فَرِحًا بِطَيْـفٍ مِنْ خَيَالِكِ شَاكِ الطَّيْرُ يَصْدَحُ لِلحَيَاةِ وَلِلهَوَى = وَالزَّهْرُ مُبْتَسِمٌ لقَلْبِي البَاكِي أَغْمَضْتُ عَيْنِيَ كَي أَرَاكِ وَأَنْتَشِي = طَرِبًا وَأَسْعَدَ لَحْظَةً بِلِقَاكِ إِذْ قُلْتِ لِي إِنِّي أُحِبُّكَ يَا فَتَى = وَأَوَدُّ صَيْدَ اللَيْثِ فِي أَشْرَاكِي وَأُحِسُّ مِنْـكَ بِلَوْعَةٍ لَمْ تُخْفِهَا = عَيْنُ الحَيِيِّ وَلا الفُؤَادُ الذَّاكِي هَلْ يَا صَفِيَّ الرُّوحِ تُقْبِلُ بِالْهَوَى = أَمْ هَلْ تُرَاكَ جَنَحْتَ عَنْ أَفْلاكِي يَا ظَبْيَةَ الأَحْلامِ يَا حَدَقَ الرُّؤَى = غَلَبَ الغَرَامُ وَقَارَ قَلْبِ فَتَاكِ وَالشّوْقُ يَكْتُبُ فِي جُفُونِي لَهْفَةً = سِكْرَانَةً لَمْ تَصْحُ مِنْ رُؤْيَاكِ لا تَسْأَلِي كَيْفَ البِدَايَةُ أَوْ مَتَى = لا تَسْـأَلِي مَنْ تَاهَ فِي دُنْيَـاكِ قَلْبِي الَّذِي مَا لَانَ قَبْلُ لِعَاصِفٍ = أَضْحَى أَسِيرًا فِي شِبَاكِ هَوَاكِ هِيَ خَفْقَةٌ المَلْهُوفِ أَنْهَكَهُ النَّوَى = حَتَّى غَدَوْتُ كَمَا تَرَى عَيْنَاكِ وَسَهِرْتُ لَيْلِيَ بَيْنِ أَطْيَافِ المُنَى = وَأَسَى النَّوَى وَالشَّوْقِ مَعْ ذِكْرَاكِ قَدْ كَانَ يَبْدُو المُسْتَحِيلُ فَأَنْطَوِي = وَأَنَا أَرَى بُعْدَ السَّمَاءِ عُلاكِ وَخَشِيْتُ مِنْ أَلَمِ الصُدُوْدِ وَجَرْحِهِ = إِنْ قُلْتِ لا فَأَكُونُ فِي قَتْلاكِ فَقَنِعْتُ أَنْ أَهْوَاكِ فِي صَمْتٍ ولَمْ = يَعْلَمْ بِحُبِّي غَـيْرُ دَمْعِ نَواكِ وَطَوَيْتُ دُونَ القَلْبِ نَزْفَ مَشَاعِرِي = وَجَعَلْتُ بَيْنَ جَوَانِحِي مَثْوَاكِ إِنْ كَانَ مَا شِئْتِ الهَوَى فَلْتَعْلَمِي = أَنِّي أَكَادُ أُجَنُّ فِي دُنْيَاكِ مَا أَبْهَجَ الدُّنْيَا لَدِيْكِ وَقَدْ صَفَتْ = وَأَلَذَّ مَا فِيهَا مَتَى أَرْضَاكِ يَا ظَبْيَتِي أَنْتِ الرَّبِيعُ لِمُهْجَتِي = بَكَتِ الزُّهُورُ فَمَا الذِي أَبْكَاكِ وَاللَيْثُ جَاءَكِ وَالغَرَامُ قُيُودُهُ = مَا فَازَ ظَبْيٌ بِاللُّيُوثِ سِـوَاكِ
غنى الربيع فكان من نجواك = فتن الوجود بسحرك الفتاك النحل يلثم والفراش مداعب = يسقى الرحيق الحلو من رياك والطير صادحة على أفنانها = غنت لنا من مستهل غناك وحدائق الزهر المكلل بالندى = عبقت بهمسك وانتشت بشذاك وجداول الإحساس تسعى بينها = بالشوق تحمل شوقها لذراك قد بش وجه الأرض بعد عبوسه = فكسى الحياة بسندس مرعاك ثمل الوجود سعادة بربيعه = وأنا انتشيت سعادة بنداك إن الربيع إذا تنفس عطره = واختال بالزهر الذي حاكاك أو غردت شفتاه شدوا هامسا = بلسان طير ضاحك متباك خلب العقول بعين ملهمة الرؤى = ثم انثنى يختال في الأفلاك ذاك الربيع وقد سبى مهج الورى = فمن الذي لا يستبى بسناك أنت التي عبق الربيع بعطرها = لولاك لم يعبق به لولاك بجمالك الوضاء قد ألهمته = معنى الجمال وروعة الإدراك وزجرت خائنة العيون فأقبلت = تزجي الغرام بعفة النساك عيناك أبهى ما رأيت من السنا = فكأن آفاق المدى عيناك عيناك! آه منك يا لغة الهوى = ماذا يقول الشعر في معناك ما عاد ينطق بالبيان معبرا = ذهل البيان وتاه في نجواك سبحان من فطر الوجود بروعة = وأحاط فيه الورد بالأشواك نطقت به في كل حسن آية = ورأيت حسنك آية وبهاك خلق الأنام الطين في أجسادهم = هل من عبير المسك قد سواك أم من طيوف النور صاغك قدرة = أم عن لطيف الفجر قد جلاك يسراك قد ملكت سلاف تودد = ومكارم الأخلاق في يمناك بهرت فصاحتك القصائد روعة = حتى لقد أعجزت باستدراك وتلعثم الفكر البليغ بلهفة = لما رأى المعنى يلامس فاك وأتت إليك المكرمات بنشوة = تابى على الحسن العلا إلاك مطر قصائد عمري الظمآن ما = حدبت على جدب لغير رباك قد كنت أطوي الدهر كونا صامتا = حتى أفاق الكون في نجواك ومشيت يوما في الحدائق حالما = فرحا بطيف من خيالك شاك الطير يصدح للحياة وللهوى = والزهر مبتسم لقلبي الباكي أغمضت عيني كي أراك وأنتشي = طربا وأسعد لحظة بلقاك إذ قلت لي إني أحبك يا فتى = وأود صيد الليث في أشراكي وأحس منك بلوعة لم تخفها = عين الحيي ولا الفؤاد الذاكي هل يا صفي الروح تقبل بالهوى = أم هل تراك جنحت عن أفلاكي يا ظبية الأحلام يا حدق الرؤى = غلب الغرام وقار قلب فتاك والشوق يكتب في جفوني لهفة = سكرانة لم تصح من رؤياك لا تسألي كيف البداية أو متى = لا تسألي من تاه في دنياك قلبي الذي ما لان قبل لعاصف = أضحى أسيرا في شباك هواك هي خفقة الملهوف أنهكه النوى = حتى غدوت كما ترى عيناك وسهرت ليلي بين أطياف المنى = وأسى النوى والشوق مع ذكراك قد كان يبدو المستحيل فأنطوي = وأنا أرى بعد السماء علاك وخشيت من ألم الصدود وجرحه = إن قلت لا فأكون في قتلاك فقنعت أن أهواك في صمت ولم = يعلم بحبي غير دمع نواك وطويت دون القلب نزف مشاعري = وجعلت بين جوانحي مثواك إن كان ما شئت الهوى فلتعلمي = أني أكاد أجن في دنياك ما أبهج الدنيا لديك وقد صفت = وألذ ما فيها متى أرضاك يا ظبيتي أنت الربيع لمهجتي = بكت الزهور فما الذي أبكاك والليث جاءك والغرام قيوده = ما فاز ظبي بالليوث سواك
