الشعر

يا مصر

قُمْ حَيِّ مِصْرَ وَحَلِّقْ فِي المَدَارَاتِ = وَعَانِقِ المَجْدَ فِي مَهْدِ الحَضَارَاتِ
وَقِفْ عَلَى هَامَةِ التَّارِيخِ مُفْتَخِرًا = وَحَدِّثِ الكَوْنَ عَنْ مَاضٍ وَعَنْ آتِ
صُغْتُ المَجَازَاتِ فِي مِحْرَابِهَا قُبَلًا = حَتَّى تَسَامَتْ عَلَى أَبْهَى العِبَارَاتِ
مَجْدًا يُؤَجِّجُ رُوحِي كُلَّمَا سَكَنَتْ = وَيَسْكُبُ الضَّوْءَ فِي عُمْقِ المَتَاهَاتِ
يَا قَلْبُ خُذْنِي إِلَى حَيْثُ الَّتِي بَهَرَتْ = فِيَّ الحَنِينَ وَحَلَّتْ فِي خَيَالَاتِي
وَاسْتَلْهِمِ الشِّعْرَ مِنْ مَكْنُونِ جَوْهَرِهِ = وَرَصِّعِ التَّاجَ مِنْ دُرِّ المُوَالَاةِ
وَمَا التَّبَتُّلُ فِي آلَاءِ هَالَتِهَا = إِلَّا التَّأَمُّلُ فِي سِجْوِ المَجَرَّاتِ
صَمْتِي لَدَيْهَا صَلَاةٌ لَيْسَ يُدْرِكُهَا = إِلَّا نَقِيٌّ سَمَا فَوْقَ المَقَامَاتِ
وَمُسْتَهَامٌ رَأَى قِنْدِيلَ نَهْضَتِهَا = فَانْسَلَّ كَالفَجْرِ مِنْ لَيْلِ السُّلَافَاتِ
أُحِبُّ مِصْرَ وَأَهْوَى أَرْضَهَا وَطَنًا = لَوْلَا انْتَسَبْتُ إِلَى أَرْضِ النُّبُوَّاتِ
صِفْ مَا هُنَالِكَ حَيْثُ الرُّوحُ سَابِحَةٌ = فِي بَرِّ مِصْرَ تُمَنِّي بِالمَسَرَّاتِ
تُمَتِّعُ العَيْنَ فِي حُسْنٍ يَرُوقُ لَهَا = وَتُرْشِفُ الثَّغْرَ مِنْ مَاءِ البَشَاشَاتِ
نِيلُ الخُلُودِ سَرَى فِي دَهْرِهَا حَدَبًا = لِتَقْرَأَ الأَرْضُ أَسْرَارَ البِدَايَاتِ
وَدَامَ يَكْتُبُ مِنْ طُهْرٍ مَلَاحِمَهَا = يَرْوِي حِكَايَاتِ مَجْدٍ فِي النِّهَايَاتِ
كَمْ تِهْتُ مِنْ رِحْلَةٍ فِي فُلْكِ دَهْشَتِهِ = فِي الأُمْسِيَاتِ فَأَنْجُو لِلْمُنَاجَاةِ
أُخَاطِبُ الدَّهْرَ فِي مَجْرَاهُ مُنْتَشِيًا = أَسْهُو فَأَذْهَلُ فِي فَحْوَاهُ عَنْ ذَاتِي
وَكَمْ أَتُوقُ إِلَى الأَهْرَامِ شَامِخَةً = تَحْكِي الجَلَالَ غُمُوضًا كَالخُرَافَاتِ
يَا مِصْرُ إِنِّي أَنَا يَعْقُوبُ لَهْفَتُهُ = لِرِيحِ يُوسُفَ قَدْ أَذْكَى الحُشَاشَاتِ
أَلْقِ القَمِيصَ فَفِي عَيْنَيَّ مِنْ وَلَهٍ = هَالَاتُ نُورٍ وَفِي القَلْبِ ابْتِهَالَاتِي
خُذْنِي إِلَى الهَدْءِ فِي أَمْسَاءِ قَاهِرَةٍ = لِأَرْشُفَ السِّحْرَ مِنْ كَأْسِ الصَّبَابَاتِ
وَفِي رُبُوعِكِ فِي أَنْشَاصِ دَارُ أَخِي = وَفِي مَدِينَةِ كَفْرِ الشَّيْخِ دَارَاتِي
وَفِي المُقَطَّمِ فِي الفُسْطَاطِ مَأْثَرَةٌ = تُحَدِّثُ النَّفْسَ عَنْ عِزِّ الفُتُوحَاتِ
وَفِي العَرِيشِ لَنَا ذِكْرَى الحَنِينِ وَفِي = الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ أَهْلِ المَوَدَّاتِ
وَفِي البُحَيْرَةِ أَخْلَاقٌ وَمَكْرَمَةٌ = وَفِي الصَّعِيدِ تَرَى أَنْدَى الرِّجَالَاتِ
وَفِي السُّوَيْسِ وَفِي سِينَاءَ مَلْحَمَةٌ = تَحْكِي الصُّمُودَ عَلَى أَرْضِ البُطُولَاتِ
وَفِي المَحَلَّةِ فِي المَنْصُورَةِ اعْتَنَقَتْ = طِيبَ اللِّقَاءِ، فَطِبْ يَا أَيُّهَا الآتِي
يَا مِصْرُ حُبُّكِ مِصْبَاحُ الهُدَى أَبَدًا = وَقَدْ أَضَأْتُ مِنَ المِصْبَاحِ مِشْكَاتِي
يَا خَيْرَ دَارٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَكْرَمَهَا = وَمَوْطِنَ الغُرِّ مِنْ أَهْلِ المُرُوءَاتِ
قَضَيْتُ عُمْرِي إِلَى دُنْيَاكِ حِجَّتُهُ = فَلَا قَضَى اللَّهُ مِنْ دُنْيَاكِ حَاجَاتِي
إِلَى رِحَابِكِ أَرْخَى الشَّوْقُ أَشْرِعَتِي = وَفِي بِحَارِكِ أَلْقَى الحُبُّ مِرْسَاتِي
فَكُنْتُ كَالطَّائِرِ المَفْتُونِ هِجْرَتُهُ = إِلَى رُبَاكِ لَهَا يَطْوِي المَسَافَاتِ
كَأَنَّكِ الطُّورُ فِي أَعْطَافِهِ قَبَسٌ = يَجْلُو عَنِ الرُّوحِ دَاجِي المُدْلَهِمَّاتِ
مَنْ قَالَ إِنَّكِ أُمُّ الكَوْنِ مُجْتَهِدٌ = لَوْلَا الحَيَاءُ لَقَالَ الكَوْنُ مَوْلَاتِي
أَرْضُ الكِنَانَةِ أَرْضُ اللَّهِ قَدْ جَمَعَتْ = مَفَاخِرَ الدَّهْرِ فِي كُلِّ المَجَالَاتِ
خُلِقْتِ فِي الأَرْضِ كَالفِرْدَوْسِ فِي عَدَنٍ = فَطَالَ طُهْرُكِ آفَاقَ السَّمَاوَاتِ
أَعَزَّكِ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ فِي قِيَمٍ = وَذَلَّ غَيْرُكِ بِالعُزَّى وَبِاللَّاتِ
يَكْفِيكِ ذِكْرُكِ فِي القُرْآنِ مَفْخَرَةً = فَالكَوْنُ لِلْأَمْنِ يَتْلُو فِيكِ آيَاتِ
وَأَلْفُ مِئْذَنَةٍ فِي حِضْنِ قَاهِرَةٍ = نَادَتْ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ العِبَادَاتِ
عَلَوْتِ رَغْمَ خُطُوبِ الدَّهْرِ صَامِدَةً = وَحُزْتِ دَهْرَكِ بِالأَيْدِي العَلِيَّاتِ
وَشِدْتِ بِالعِلْمِ وَالأَخْلَاقِ صَرْحَ عُلًا = حَتَّى غَدَوْتِ لَهُ أَعْلَى المَنَارَاتِ
كَمْ رَامَ قَهْرَكِ عَاتٍ مَدَّ كَفَّ رَدًى = وَأَنْتِ أَنْتِ فَأَيْنَ المُجْرِمُ العَاتِي
هَلْ دَامَ بَعْدَكِ لِلْهُكْسُوسِ مِنْ أَثَرٍ = وَهَلْ لِرُومَا نَصِيبٌ فِي مُجَارَاتِ
وَلِلْمَغُولِ أَمَا حَطَّمْتِ شَوْكَتَهُمْ = وَلِلصَّلِيبِ أَمَا نَكَّسْتِ رَايَاتِ
سَلِ الفِرِنْجَةَ عَنْ آثَارِ مَوْقِعَةٍ = صَبَّتْ عَلَيْهِمْ حَمِيمًا مِنْ إِغَارَاتِ
فَهَلْ أُتِيحَ لِنَابِلْيُونَ مِنْ سُبُلٍ = إِلَّا الفِرَارَ عَلَى وَقْعِ المَنِيَّاتِ
يَا مِصْرُ أَنْتِ عَرُوسُ الشَّرْقِ قَدْ لَبِسَتْ = ثِيَابَ عِزٍّ مِنَ الحُمْرِ القَشِيبَاتِ
يَا قِبْلَةَ الأَمْنِ لِلْأَحْرَارِ إِنْ فَزِعُوا = هَيْهَاتِ أَنْ تَنْحَنِي لِلْقَهْرِ هَيْهَاتِ
يَا مِصْرُ إِنْ شِئْتِ أَنْ تَبْقَيْ مُقَدَّسَةً = فَلَا تَكُونِي سِوَى مَهْدِ الكَرَامَاتِ
دُومِي كَمَا كُنْتِ شَمْسًا لَا أُفُولَ لَهَا = تَجْلُو الظَّلَامَ بِأَنْوَارِ البُشَارَاتِ
كُونِي العَرِينَ لِأُسْدٍ فِي الكَرِيهَةِ لَمْ = يُلْقُوا السِّلَاحَ بِسَاحَاتِ المُعَانَاةِ
فِيكِ الإِبَاءُ وَفِيكِ الفَخْرُ فَارْتَفِعِي = فَوْقَ الكَوَاكِبِ عَنْ جَوْرٍ وَإِخْبَاتِ
فِيكِ الَّذِي إِنْ يَقُلْ حِضْنُ الرَّخَاءِ لَهُ = خُذِ الحَيَاةَ بِذُلٍّ لَمْ يَقُلْ هَاتِ
وَنَسْرُكِ القَيْدُ فِي الرَّايَاتِ أَرْهَقَهُ = فَأَطْلِقِيهِ إِلَى رَحْبِ الفَضَاءَاتِ
لَا يُصْلِحُ الحَالَ إِخْلَادٌ وَأُمْنِيَةٌ = وَلَا تُغَيَّرُ إِلَّا بِالمَشِيئَاتِ
وَأَنْتِ مِصْرُ عَلَى الأَيَّامِ شَاهِدَةٌ = فِي كُلِّ أَمْرِكِ مِنْ نَقْضٍ وَإِثْبَاتِ
لَيْتَ الزَّمَانَ يُلَبِّي فِيكِ أُمْنِيَتِي = بِأُمِّ كُلْثُومَ تَشْدُو فِيكِ أَبْيَاتِي
وَلَيْتَ بِالحُبِّ دُنْيَانَا تَطِيبُ بِنَا = فَنَعْصِمَ النَّفْسَ مِنْ وِزْرِ الدَّنِيَّاتِ
وَنَعْصِرُ اللَّيْلَ زَيْتًا مِنْ إِرَادَتِنَا = لِيَسْطَعَ الفَجْرُ مِنْ تِلْكَ الإِرَادَاتِ
قم حي مصر وحلق في المدارات = وعانق المجد في مهد الحضارات
وقف على هامة التاريخ مفتخرا = وحدث الكون عن ماض وعن آت
صغت المجازات في محرابها قبلا = حتى تسامت على أبهى العبارات
مجدا يؤجج روحي كلما سكنت = ويسكب الضوء في عمق المتاهات
يا قلب خذني إلى حيث التي بهرت = في الحنين وحلت في خيالاتي
واستلهم الشعر من مكنون جوهره = ورصع التاج من در الموالاة
وما التبتل في آلاء هالتها = إلا التأمل في سجو المجرات
صمتي لديها صلاة ليس يدركها = إلا نقي سما فوق المقامات
ومستهام رأى قنديل نهضتها = فانسل كالفجر من ليل السلافات
أحب مصر وأهوى أرضها وطنا = لولا انتسبت إلى أرض النبوات
صف ما هنالك حيث الروح سابحة = في بر مصر تمني بالمسرات
تمتع العين في حسن يروق لها = وترشف الثغر من ماء البشاشات
نيل الخلود سرى في دهرها حدبا = لتقرأ الأرض أسرار البدايات
ودام يكتب من طهر ملاحمها = يروي حكايات مجد في النهايات
كم تهت من رحلة في فلك دهشته = في الأمسيات فأنجو للمناجاة
أخاطب الدهر في مجراه منتشيا = أسهو فأذهل في فحواه عن ذاتي
وكم أتوق إلى الأهرام شامخة = تحكي الجلال غموضا كالخرافات
يا مصر إني أنا يعقوب لهفته = لريح يوسف قد أذكى الحشاشات
ألق القميص ففي عيني من وله = هالات نور وفي القلب ابتهالاتي
خذني إلى الهدء في أمساء قاهرة = لأرشف السحر من كأس الصبابات
وفي ربوعك في أنشاص دار أخي = وفي مدينة كفر الشيخ داراتي
وفي المقطم في الفسطاط مأثرة = تحدث النفس عن عز الفتوحات
وفي العريش لنا ذكرى الحنين وفي = الإسكندرية من أهل المودات
وفي البحيرة أخلاق ومكرمة = وفي الصعيد ترى أندى الرجالات
وفي السويس وفي سيناء ملحمة = تحكي الصمود على أرض البطولات
وفي المحلة في المنصورة اعتنقت = طيب اللقاء، فطب يا أيها الآتي
يا مصر حبك مصباح الهدى أبدا = وقد أضأت من المصباح مشكاتي
يا خير دار من الدنيا وأكرمها = وموطن الغر من أهل المروءات
قضيت عمري إلى دنياك حجته = فلا قضى الله من دنياك حاجاتي
إلى رحابك أرخى الشوق أشرعتي = وفي بحارك ألقى الحب مرساتي
فكنت كالطائر المفتون هجرته = إلى رباك لها يطوي المسافات
كأنك الطور في أعطافه قبس = يجلو عن الروح داجي المدلهمات
من قال إنك أم الكون مجتهد = لولا الحياء لقال الكون مولاتي
أرض الكنانة أرض الله قد جمعت = مفاخر الدهر في كل المجالات
خلقت في الأرض كالفردوس في عدن = فطال طهرك آفاق السماوات
أعزك الله بالإسلام في قيم = وذل غيرك بالعزى وباللات
يكفيك ذكرك في القرآن مفخرة = فالكون للأمن يتلو فيك آيات
وألف مئذنة في حضن قاهرة = نادت بحي على خير العبادات
علوت رغم خطوب الدهر صامدة = وحزت دهرك بالأيدي العليات
وشدت بالعلم والأخلاق صرح علا = حتى غدوت له أعلى المنارات
كم رام قهرك عات مد كف ردى = وأنت أنت فأين المجرم العاتي
هل دام بعدك للهكسوس من أثر = وهل لروما نصيب في مجارات
وللمغول أما حطمت شوكتهم = وللصليب أما نكست رايات
سل الفرنجة عن آثار موقعة = صبت عليهم حميما من إغارات
فهل أتيح لنابليون من سبل = إلا الفرار على وقع المنيات
يا مصر أنت عروس الشرق قد لبست = ثياب عز من الحمر القشيبات
يا قبلة الأمن للأحرار إن فزعوا = هيهات أن تنحني للقهر هيهات
يا مصر إن شئت أن تبقي مقدسة = فلا تكوني سوى مهد الكرامات
دومي كما كنت شمسا لا أفول لها = تجلو الظلام بأنوار البشارات
كوني العرين لأسد في الكريهة لم = يلقوا السلاح بساحات المعاناة
فيك الإباء وفيك الفخر فارتفعي = فوق الكواكب عن جور وإخبات
فيك الذي إن يقل حضن الرخاء له = خذ الحياة بذل لم يقل هات
ونسرك القيد في الرايات أرهقه = فأطلقيه إلى رحب الفضاءات
لا يصلح الحال إخلاد وأمنية = ولا تغير إلا بالمشيئات
وأنت مصر على الأيام شاهدة = في كل أمرك من نقض وإثبات
ليت الزمان يلبي فيك أمنيتي = بأم كلثوم تشدو فيك أبياتي
وليت بالحب دنيانا تطيب بنا = فنعصم النفس من وزر الدنيات
ونعصر الليل زيتا من إرادتنا = ليسطع الفجر من تلك الإرادات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى