الفكرفكر فلسفي

ثقافة الثقافة: في نقد التزييف واسترداد الكينونة

لا إخال معنىً ظُلم في أذهان العامة والخاصة، واستُبيحت كينونته في أروقة الفكر المعاصر كمعنى “الثقافة”؛ سواء بمدلولها اللغوي الضابط، أو بمدلولها الاصطلاحي الفضفاض. ولا أحسب إلا أن الابتسار والاجتزاء وفق الأهواء والنزعات المنفلتة إلا دوماً غلب الرؤية الشمولية للكينونة، وأذهب الرؤيا الواعية للكنه والمضامين. تلك معضلة وجودية ومعرفية لم تقف عند حدود عالمها النظري الصرف، بل تعدتها لتفرز نتائج مشوهة في مستويات مختلفة أربكت القدرة المنطقية الحقيقية لدى الإنسان العربي، واضطربت بها الصورة العامة عند الملقي والمتلقي على حد سواء، ثم انعكست هذه النتائج – بمرارة – على تشكيل الوعي، وتصريف المفاهيم، وصقل الشخصية الفردية، وصياغة الهوية الجمعية اجتماعياً وأدبياً وسياسياً وأخلاقياً، حتى غدونا أمام شتاتٍ معرفي لا يربطه رابط.

ولكي يتم الوصول للإدراك المنصف للمعنى، ويستقيم التعاطي مع المفهوم الشامل للثقافة، فإن الحاجة تصصبح ملحة، بل وقسرية، للإلمام المتكامل بالمدلول اللغوي من جهة، والمدلول الاصطلاحي على اتساع الرأي فيه وتباين الاتجاهات بخصوصه من جهة أخرى. أما المعنى اللغوي، فهو في جوهره “الحذق والفطنة والمهارة والإدراك”؛ فمن ثقف الأمر ثقفاً وثقافة فقد أدركه بوعيه، واستوعبه بفطنته، وتمكن منه تمكناً يجعله يديره كيف شاء وبما يحقق الغاية منه. وبهذا يتضح أن الثقافة ذات أبعاد وآماد أكبر وأوسع بكثير مما يروج له في الأروقة الضيقة، بله ويتسع التصنيف للمثقفين إلى أبد من حصرهم في “كانتونات” ضيقة تضم بعض أدباء أو فنانين أو إعلاميين، لنرتقي بالوصف إلى اعتبار كل ذي وعي شمولي ومعرفة صادقة ذات “أرب” ومنفعة حضارية مثقفاً بالمعنى الحقيقي.

وأما المعنى الاصطلاحي، فهي تتدرج وتتشعب؛ من اعتبارها وصفاً لطبقة الأدباء والمشتغلين بالفنون الإنسانية، إلى اعتبارها وصفاً لمجموع العلوم والمعارف والفنون التي يدركها الفرد ويتمثلها في سلوكه، وصولاً إلى اعتبارها معنى مرادفاً للحضارة في أسمى صورها، أي مجموع العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية والمثل الأخلاقية وكل ما يتصل بحياة الناس من علوم ومعارف وفنون وخصائص وصفات تميز أمة عن غيرها. وبهذا المنظور الشامل، فإنني أرى أن الثقافة هي حالة إنسانية جامعة، وهي في حقيقتها انعكاس لمجموع القيم والمثل والرؤى والمعارف التي “حذقها” الفرد وصهرها وعيه في بوتقة العقل والإدراك لتصقل شخصيته بكل ما مر بها من خبرات ومعايشة، لتنعكس عليه كوحدة بنيوية للمجتمع، وتتسع حتى تشكل حضارة أمة وتاريخ شعوب. وأرى كذلك أن مفهوم الثقافة هو أكثر مرونة واتساعاً وشمولية مما يروج له في الأوساط التي تدعي الثقافة وفي وسائل الإعلام، بما يظلم المعنى الحقيقي ويضر بالرؤى المعرفية والعلوم الإنسانية حين يضيق “المغرضون” واسعاً، ويحرفون معنىً ساطعاً ليخدم مصالحهم الشخصية أو يحقق أربهم الأيديولوجية.

ولعل من أبرز إشكاليات الطرح التي أربكت المشهد الثقافي هو ذلك الخلط المعيب بين “العلم” و”الثقافة”، أو لنقل بين “العالم” و”المثقف”؛ إذ يرى البعض في العالم مثقفاً بالضرورة أو العكس، وهذا خلط فيه خطأ جسيم وخطر عظيم. إن الفرق بين العالم والمثقف جد شاسع، كالفرق بين “العمودية” في التخصص و”الأفقية” في الوعي الشمولي. فالعالم هو الذي يعرف كل شيء في مجال مخصص لا يتعداه، غارقاً في تفاصيل علمه كأداة تقنية، كالطبيب الذي يجيد علاج الأبدان ولكنه قد لا يلم بعلوم وآداب وفنون تشكل وجدان الإنسان. أما المثقف، فهو الذي يعرف “عمومية الشيء من كل شيء”، بما يشكل لديه وعياً نقدياً أكثر اتساعاً، ورؤية للحياة وللمجتمع أكثر وضوحاً وقدرة على الربط بين المتناقضات. وعليه، فإن العالم يمكن أن يصبح مثقفاً متى تزود بالذخيرة المعرفية الكافية في عموم المعارف الأخرى وخرج من صومعة تخصصه ليخاطب هموم الإنسان، وكذا يمكن للمثقف أن يصبح عالماً متى تخصص في معرفة أصول علم ما وألم به إلماماً دقيقاً، ولكن بدون هذا البناء المزدوج لا يجوز الخلط بين هذا وذاك، وإلا عُد ذلك من “الخطل المعرفي” الذي يسوي بين صاحب الأداة وصاحب الرؤية.

“إن التشدق بألفاظ أعجمية، والحديث المفتعل عن نظريات غريبة مستوردة دون إدراكٍ لواقع المجتمع واحتياجاته، لا يصنع مثقفاً، بل يصنع “ببغاءً” معرفياً يحسن تنميق الكلام ومخالفة الأفهام ليُقال عنه إنه “عميق”، والحقيقة أنه يعاني من جدبٍ قاحل في الفكر والمنهج.”

إن من أوجع الأدواء التي أصابت جسدنا الثقافي، هي تلك الظاهرة التي أتوقف عندها طويلاً بنظرة فاحصة ناقدة؛ وأعني بها “خديعة المصطلح” وتوظيفه المكشوف لإخفاء الخواء الفكري. إن نقدي لبعض المفردات الفلسفية – مثل “أطر ومرجعيات ومرتكزات وانعتاق وإشكاليات وجدليات ومشارفات ومقاربات” – ليس نقداً للمفردات في ذاتها، فهي أدوات لغوية ومعرفية أصيلة حين تُوضع في سياقها العلمي الرصين، ولكن النقد ينصبُّ على ذلك التوظيف “الحذلقي” الذي يهدف إلى مخاتلة المتلقي وخداعه. إن هؤلاء الأدعياء يعمدون إلى رصف هذه الكلمات ذات الرنين، ليدسوا من خلالها سموم أفكارهم، أو ليواروا سوأة سطحية أطروحاتهم خلف ستارٍ من الضبابية اللفظية. إنهم يحاولون إبهار السامع بعبارات “يبهر صرفُها ويقفرُ حرفُها”، فلا هي تقدم حقيقةً تُبنى، ولا هي تعرض بياناً يمكن نقضه. إن التشدق بألفاظ أعجمية، والحديث المفتعل عن نظريات غريبة مستوردة دون إدراكٍ لواقع المجتمع واحتياجاته، لا يصنع مثقفاً، بل يصنع “ببغاءً” معرفياً يحسن تنميق الكلام ومخالفة الأفهام ليُقال عنه إنه “عميق”، والحقيقة أنه يعاني من جدبٍ قاحل في الفكر والمنهج.

والعلاقة بين جدلية المفهوم وإشكالية الفهم دائبة دائمة، تتمحور عادة حول الرؤى الانطباعية للفرد والتوجه المعرفي من جهة، والمنفعي من جهة أخرى، بما دفع عجلة التشرذم الفكري والتشتت السلوكي إلى سرعات جنونية تنأى بكل فصيل على حدة، وتدفع كل فريق إلى تطرف في المواقف باعتماد “ثقافة الإقصاء والإحلال”، معتمدين في ذلك على موازين القوى والوسائل المتاحة لتحقيق التفوق في هذا الصراع الذي لا أصفه بالثقافي، بل هو صراع “منفعي” بامتياز. ولعل أبرز مظاهر هذا الصراع تتبلور في الأطروحات الفكرية والأيديولوجيات الفلسفية كقضايا العولمة والاستغراب، وكذا في الأطروحات الأدبية والأساليب التعبيرية كالحداثة مقابل الأصالة، والانعتاق مقابل الانغلاق. وهنا نجد أن كلا الطرحين يحمل ذات السمات من التطرف وتفرد التصرف، بما يؤذي المشهد الثقافي العربي بشكل كبير ويغرقه في خصومات وصراعات جانبية تشغله عن العمل الثقافي المتزن والمنصف ذي الأرب والموضوعية.

إن المشهد الثقافي العربي يرزح اليوم تحت نير أزمة حقيقية، تستوجب من كل صادق غيور وقفة جادة ونظرة متفكرة في حقيقة ما يدور، وصلته بالواقع من جهة وبالواقعية من جهة أخرى. إن الفرد ينشأ في بيئة تشكله، وطبيعة تصقله، فيتأثر بها ويؤثر فيها، وترسم ملامح هويته الثقافية سواء بمعتقده الذي يؤمن به أو بموروثاته الأصيلة. وعليه، فإن الثقافة هي “ابنة بيئتها الشرعية”، ونبض الفرد المنسجم في جماعته تأثراً وتأثيراً. ومتى خرجت ثقافة الفرد عن واقعه وبيئته وتاريخه، فإنها تصبح – بلا ريب – “ابنة غير شرعية” ودخيلة لقيطة لا يقبل بها المجتمع السوي ولا تتقبلها النفوس المتأصلة انتماءً ووفاءً للهوية والمعتقد. ولقد يرى المرء بعض من يروج لثقافة دخيلة متفاخراً بذلك، باعتبارها “درجة عليا” ومنطقاً سائداً غالباً، ويكون التركيز في ركوب موجتي العولمة كإطار فكري والحداثة كإطار أدبي، ومن ثم الاستغراق في مرحلة “التهويم التأويلي للرمز” حتى يخرج من أطر الثقافة الحقيقية ذات الأرب، إلى إطار ضيق يتقوقع في “برج عاجي” وينفصل عن مجتمعه، ليصبح غريباً عنه لا يتأثر به ولا يؤثر فيه، وبذا تفقد الثقافة مدلولاتها الحيوية، وتخسر دورها في التشكيل الحضاري، وتولد فجوة عميقة لا يمكن ردمها بين المثقف ومحيطه.

ويزيد من حدة هذا الانفصال ما نشهده في العصر الراهن من “استهلاك ثقافي رقمي” مشوه؛ حيث تحول الفكر إلى “سلعة” تُعرض في أسواق التواصل الاجتماعي، وتُقاس قيمة “المثقف” بعدد المتابعين لا بعمق الأطروحات. إن “تسليع الفكر” قد أدى إلى تمييع القضايا الكبرى، واستبدال المثقف العضوي بـ “المؤثر” السطحي الذي يبيع الوهم للعامة. هذا النمط من الاستهلاك حوّل الثقافة إلى مادة ترفيهية “تيك-توكية” سريعة الزوال، تفتقر إلى النَفَس الفلسفي الطويل، وتكرس لثقافة “اللقطة” بدلاً من ثقافة “الرؤية”، مما يسهل عملية استلاب الوعي الجمعي وتوجيهه نحو اهتمامات ثانوية تخدم منظومات الاستهلاك العالمية وتقتل روح النقد والتحرر.

ولعل أحد أهم إشكاليات المشهد الثقافي العربي هو هذا الصراع المفتعل بين “الانعتاق” و”الانغلاق” باعتبارهما بديلين حتميين لا ثالث لهما؛ وفي هذا – عند كل ذي رأي حصيف – ما فيه من اللغط والخطل والتطرف الذي لا ينفك يوقعنا في مآزق حضارية عديدة. إن “جلد الذات” والتنكر للأصول والانبهار المذل بكل ما هو غريب ومستورد وصولاً للتبعية والتقليد الأعمى، لا يزيد سوءاً عن “التقوقع والانطواء على الذات” والتشبث الجاهل بكل موروث دون تقييمه وتقويمه. هذا المنزع الأول يقضي على الخصوصية الثقافية والهوية الأخلاقية، وذاك المنزع الثاني يؤدي حتماً إلى التخلف عن الركب الحضاري الإنساني ويعزل الأمة عن باقي شعوب الأرض. إن الوعي الفكري والإدراك الجمعي هو ضرورة وحاجة ملحة لتحقيق معادلة “التوازن المناسب”؛ أي التأثير والتأثر بالحفاظ على خصوصية الهوية الثقافية والانفتاح على الثقافات الأخرى دون تبعية أو انصهار يُفقد الذات تميزها.

ولا ريب أن تطور العلوم وتراكم الخبرات الإنسانية وظهور الرسالات السماوية قد منحت الإنسان قدرة راسخة على التطور وصقل أفكاره وطباعه بشكل أكثر فعالية، ونظم علاقته بالطبيعة والبيئة وفق ضوابط وقيم محددة دون أن يكبح جماح الإبداع. وما الإبداع إلا وليد ثقافة سوية خصبة تخرج من رحم المجتمع لتعكس حضارته باستعدادات متفاهمة واتجاهات متقاربة وأذواق متناسبة. فالتطور الذي يشكل هاجساً لا مبرر له عند الكثير من المهتمين بالحراك الثقافي، إنما يكون نتيجة حتمية وحالة طبيعية للممارسة الثقافية الأصيلة التي لا تحتاج إلى قسر أو قصر أو استيراد معلب.

ولعل أكبر معضلة تؤذي المشهد الثقافي العربي في العقود السابقة حتى اللحظة، وتضر بكل حراك فيه، هي الترويج العجيب لـ “الثقافة الهزيلة” – إن جاز أن نسميها ثقافة – وتقديم أصحابها على تباين أحوالهم؛ من جاهل متنطع، إلى طامع متستر، إلى خائض متذمر، إلى مارق مغرض، كـ “رموز ثقافية” وقيم ذات قدر وقدرة ترسم ملامح المجتمع الثقافية، وهي التي لا تعبر عنه ولا تتواصل معه بل ولا تتماهى أو تتقاطع مع حاجاته الأساسية أو متطلبات كينونته البنيوية. إن مثل هذا الترويج الممنهج قد فصل تماماً بين الثقافة والأفراد، وبين المثقف والمجتمع، بل وأد كل علاقة ممكنة بينهما بالغربة التي أوجدها مجموع المعطيات الفكرية والأدبية والاجتماعية والعقدية. لقد كفرت معظم المجتمعات العربية بالثقافة ودورها، وتحولت في أذهانهم من مفاهيم وقيم ترسم ملامح الشخصية إلى حالة من “الترف والتعاطي الذاتي” المنحصر بين مجموعة من الأفراد تسكن “أبراجاً عاجية” وتتحدث عن قضايا غريبة أو “غربية” لا تمس واقع المجتمع ولا تهتم بما يريد.

“إن السلطة غالباً ما تتبنى “المثقف المدجن” الذي يسبح بحمدها أو الذي لا يتجاوز فكره حدود المسموح به، لتستخدمه كـ “واجهة ثقافية” تذر بها الرماد في العيون أمام المحافل الدولية، بينما يتم تهميش وإقصاء كل فكر أصيل يسعى لتغيير واقع الأمة أو استنهاض وعيها الحضاري.”

وتقع مسؤولية هذه الظاهرة الكارثية على محورين أساسيين: المحور الأول، هو “المثقف الحقيقي” والمشتغل بالعمل الثقافي، حيث يكمن الخلل في نكوصه عن القيام بدوره الجاد والثائر، ومواجهة الواقع الثقافي المفروض والمرفوض بقوة وثقة ووضوح؛ وكذا في زهد جل المثقفين الحقيقيين وانشغالهم عن “شخوصهم” بـ “نصوصهم”، بما ترك فراغاً شاسعاً يملأه الهواء الفكري أو الهراء الأدبي أو العبث الفني، لتسود ثقافة الخواء وتحذلق الأدعياء. والمشتغل بالعمل الثقافي يكرس غاية جهده – للأسف – للتناول النقدي والتنظير المنهجي لأمثال أولئك من أدعياء الثقافة ممن حظوا بتلميع إعلامي ونجومية مصطنعة، بحثاً عن استفادة سريعة ومباشرة، ونحتاً على منوال من سبقهم، حتى كأن ما في الحي إلا “عمرو” كثير القول قليل الفعل ضحل التجربة، أما “زيد” الذي يجد في أمره ويصدق في فعله ولا يكثر من لغوه فهو مهمش مهمل باعتبار قيمة المنفعة الذاتية أو المصلحة الأنانية.

أما المحور الثاني، هو “الإعلام”، الذي تقع عليه جل المسؤولية وعظيم الملام بهذا التوجه الذي يتنكر لواقع الأمة ويتسابق في الترويج لثقافة “الآخر” وتقديم تلك الرموز الثقافية المصطنعة لتمثل المشهد الثقافي العربي، وتلك الفئة الإعلامية إما مدركة مغرضة وإما جاهلة معرضة. وأما الإدراك والإغراض هو حالة سائدة مستشرية، سواء من حيث التبادل المنفعي أو من حيث التوجه المنهجي بين تلك الرموز وبين القائمين على العمل الإعلامي الثقافي بدوافع ذاتية أو خارجية. وأما الجهل والإعراض فهو حالة تبرزها أبواق إعلامية مقلدة تحسب “الشحم في الورم” ولا تدرك “السم الذي في الدسم”. ولا يمكن لأي كان أن ينكر الدور الكبير والخطير للإعلام في رسم ملامح الشخصية الإنسانية وتوجيه الرأي وصقل النجومية، وهذا يدفعنا لتوجيه إصبع الاتهام الصريح للإعلام العربي كمسؤول أساسي عن هذا الانحطاط الثقافي وهذا التدني الحضاري، ونطالب بتصحيح للمسار والابتعاد عن اصطناع “النجوم” التي لا علاقة لها بالفكر أو الهوية.

وهنا، يجب أن نكاشف الحقيقة بمرارة أكبر؛ إن دعوة الجهات الرسمية والسياسية للقراءة الواعية للمشهد الثقافي ليست استجداءً للدعم، بل هي وضعٌ لهم أمام مسؤولياتهم التاريخية وكشفٌ لزيف ادعاءاتهم. ففي الوقت الذي يزعم فيه أصحاب القرار أنهم يدعمون الثقافة بقوة، نجد أن الواقع يشي بمحاربةٍ ممنهجة للثقافة الحقيقية والمثقفين الأحرار، أو في أحسن الأحوال العمل على “تدجينهم”. إن السلطة غالباً ما تتبنى “المثقف المدجن” الذي يسبح بحمدها أو الذي لا يتجاوز فكره حدود المسموح به، لتستخدمه كـ “واجهة ثقافية” تذر بها الرماد في العيون أمام المحافل الدولية، بينما يتم تهميش وإقصاء كل فكر أصيل يسعى لتغيير واقع الأمة أو استنهاض وعيها الحضاري. إن “تدجين الثقافة” هو وأدٌ لها، وإن الجهات التي تلمع “أشباه المثقفين” هي في الحقيقة تشارك في عملية “تزييف الوعي” الكبرى التي نعيشها. إنني أطالب أصحاب القرار السياسي والإعلامي بقراءة واعية لكل أبعاد المشهد الثقافي وفق ما أوضحنا، وتحري التناول الحصيف والمنصف تقييماً وتقويماً، وصولاً إلى آليات تصحيح تعيد ثقة المجتمع بالثقافة والمثقفين ودورهم في المساهمة الفاعلة في رصد واقع هذا المجتمع وعكس صورة مشرقة له. ونحن أحوج ما نكون إلى ترسيخ “ثقافة الثقافة” والتأكيد على أهميتها ودورها الريادي في بناء الحضارة والسمو بالذات نحو آفاق أرحب.

“إن استعادة استقلال الفعل الثقافي هو السبيل الوحيد لردم الفجوة بين المثقف ومحيطه، وهو الضمانة الوحيدة لتحويل الثقافة من حالة “ترف نخبوي” إلى “محرك حضاري” يستلهم من التاريخ قوته، ويواجه المستقبل بوعيٍ حرٍ لا يرضى بالتبعية ولا يقبل بالتدجين.”

بكلمات أخرى، نحن بحاجة إلى “ثورة ثقافية سلمية” وشاملة، لا تستجدي الدعم السياسي الملوث بالمصالح، بل “تفرض استقلالها” وسيادتها وتسعى لانتزاع “استقلال الفعل الثقافي”. إن الثقافة الحقيقية يجب أن تكون قوة ضاغطة وموجهة، لا مجرد تابع يصفق للقرارات السياسية أو يبرر التوجهات الإعلامية السطحية. المطلوب هو ثورة تعيد ضبط المعادلة المعكوسة وتفعل الدور الثقافي الريادي في القيادة لا التبعية، وتحث على الإبداع الحقيقي، وتسنِد الأمر إلى أهله دون مجاملة أو مخاتلة. المطلوب هو البحث عن “الكنوز المخبوءة والدرر المكنونة” في أعماق المجتمع بعيداً عن “ثقافة الصدف” والنجوميات الزائفة والتوظيف الاستغلالي المغرض. إن العمل على تأسيس متين لبناء ثقافي واحد يحركه إرث مشترك، مع وجود تعددية محمودة داخل هذا الإطار، هو السبيل الوحيد لاستعادة كرامتنا الحضارية وإعادة المثقف إلى موقعه الطبيعي؛ “ضميراً للأمة” و”محركاً للتاريخ”، لا مجرد موظف في بلاط السلطة أو بهلواناً في أروقة الإعلام. وإن استعادة استقلال الفعل الثقافي هو السبيل الوحيد لردم الفجوة بين المثقف ومحيطه، وهو الضمانة الوحيدة لتحويل الثقافة من حالة “ترف نخبوي” إلى “محرك حضاري” يستلهم من التاريخ قوته، ويواجه المستقبل بوعيٍ حرٍ لا يرضى بالتبعية ولا يقبل بالتدجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى